الأثنين: 6 يوليو، 2020 - 15 ذو القعدة 1441 - 07:33 مساءً
اقلام
الأربعاء: 20 مايو، 2020

كامل عبد الرحيم

يقول طه حسين عن كتابته للتأريخ الإسلامي ، بأنه يكتب من أجل المتعة الذهنية فقط ، وهذا تبريرٌ ومهرب من مسؤولية الاستنتاجات التي يتوصل إليها في قضايا خلافية ، معتمداً على ما تواتر من أخبار ووثائق ليقوم بتمحيصها و(عقلنتها) وفرزها ، لكن في الأخير فإن أهواءه هي ما يتبقى رغم إدعاء الحياد ، وفي قضية أحقية علي بالخلافة من غيره ، يلمّح (من غير حاجة للبيب) إلى أن محمداً (ص) لم يوصِ بعليٍ كخليفة في واحدة من أحاديثه أو حتى في كتاب الله كما يذهب غلاة الشيعة ، بل يذهب إلى أبعد من ذلك ، بأن هاجس محمدٍ هو إنقاذ علي من بطش قريش فيما إذا تركه وحيداً وانتقل للقاء وجه ربه ، فأغلب الأحاديث (المسندة) التي أوصى بها محمد بخصوص علي ، كانت للحفاظ على حياته وحمايته من عداء قريش . وفي معركة الجمل وفيها واجه عليٌ ثلاثة خصوم أشداء ، عائشة أصغر زوجات الرسول وهي تحمل (قميص عثمان) ومعها الصحابيان المبشَران بالجنة الزبير وطلحة .

وقبل المعركة التي انتهت بنصر حاسم لمعسكر علي ، والتي أسماها طه حسين (أول حرب أهلية بين المسلمين) ، قبلها تحدث أمير المتقين بفصاحته المعهودة مخاطباً غريميه طلحة والزبير ، مذكراً إياهم ببعض الأحاديث التي أوصى فيها محمد الاثنين بعدم محاربة علي ، وقد نجحت بلاغة علي فانسحب الصحابيان ، لكنهما قتلا قبل وصولهما للمدينة المنورة ، ولم تنفع فصاحته مع عائشة ، ليقتتل الجيشان قتالاً بدأ قبل أكثر من ألف عام ولم ينته بعد ، كان الجيشان يتقاتلان بعدد من الأحاديث المتواترة بشأن علي وعائشة وهي تحتمي وتقود من ناقتها ، حتى هتف علي بذكاء (اعقروا الناقة لقد أهلكت العرب) ، فحالف النصر علياً ، وبدلاً من نشوة الفوز ، بكى إمام المتقين وهو يتوجه لبارئه ( أشكو إليك عجري وبجري أبقيت نفسي وأفنيت معشري) ، وكل ذلك يسرده طه حسين بمتعة ولا أروع .

في صدر الإسلام ، وعندما كانت دولة الإسلام في أوج قوتها ، لم يفكر أحدٌ بتوريث الزعامة أو الخلافة أو (المُلك) كما يصفه (علي عبد الرازق) ، وكان أمام المرشحين للزعامة طريقان ، الشورى أو التوصية ، وهذا دليل على قوة ومتانة الدولة ، فالتوريث هو من دلائل الضعف ، يلجأ إليه الحاكمون خوفاً من ضياع السلطة أو ضياعاً للرشد وذهاباً للّب الدولة الحديثة التي ورثناها من (البراكسيس) السياسي لما بعد عصر الأنوار في أوروبا ، وترسيخ مبدأ (الشعب مصدر السلطات) ، أصبحت تتحسس من الحكم العائلي ، بل تتطيّر منه ، وأصبح حكم العائلة من عورات الحكم ومثالبه .

في العراق اختلط الأمر بين تقاليد الدولة (الحديثة) ، الدولة الوطنية التي أنشأها المستعمر ، وبين تقاليد الإرث الشيعي ، الذي نزف الدم غزيراً على أبواب السلطة وحُرم منه أبداً ، فكان الحنو على العائلة المالكة بداعي أنها من نسل (آل البيت) وبين تقاليد الحكم الحديثة ، وقد انتهى هذا المونولوج الداخلي من الصراع نهاية دموية بقتل العائلة المالكة عن بكرة أبيها يوم 14 تموز عام 1958 . وكانت من المثالب المتواردة عن (العهد البائد) السلطات الممنوحة لصباح ابن نوري السعيد ، وهي لاشيء مقارنة لما حصل بعد ذلك ، وقد دفع الابن فاتورة الأب ، فكان القتل والتمثيل حصتهما . عبد الكريم قاسم بهاجس العدالة المتطرف ، كان بلا ذرية ، لكن أعداءه تحدثوا عن امتيازات أخيه حامد وأولاده ، وتناسوا ما فعله مع أخيه الآخر ، وفي كل الأحوال فكان هذا يدل على الوعي السياسي بنبذ حكم العائلات ، وهو يُحسب للعراقيين بالطبع .

الحكم القومي ، رغم بطشه ودمويته ، كان واعياً لذلك ، فكان تداول السلطة يتم عن الطريق الانقلابات ، ما شاء الله ، وما أكثرها ، وهذا يصح على الأخوين عارف والرئيس البكر ، كان العراقيون يسمعون بهيثم ابن البكر ولا يرونه ، وابنه الآخر ، سمعنا عنه وهو صريعٌ في حادث سير ، توجهت أصابع الاتهام فوراً لعزرائيل العصر الحديث ، صدام حسين . كان صدام حسين يرسم ملامح أعدائه في الظلام ، وكم قيل عن عدائه للشيوعيين أو الإسلاميين ، لكن صداماً كان يعلم بأن التهديد الحقيقي لسلطته يأتي من داخل حزبه ، الذي ظل (الحرس القديم) فيه ينظر إليه بريبة ، فكانت مجزرة (قاعة الخلد) التي انتقلت إلى خارج القاعة وإلى القتل الميداني في جبهات المعارك أو المخادع ، وبعقليته البدوية قرّب عشيرته و أبناء عمومته لينتهي الأمر بولديه .

وكان يشعر بالخطر من العائلات (المقدسة) فقام بتطهيرها ، ابتدأ بالسيد الصدر ليعود إلى عائلته ، وقصة عدائه وتصفيته لآل الحكيم تُعيدنا لصراع القصور وسمل العيون ، ومثلما أن اللجوء للتوريث والعائلة دليل ضعف للدولة والسلطة ، فإن تسلل هذه إلى تلك يُضعف ويقوّض تلك السلطة والدولة .

ولعل خلافات عائلة صدام الداخلية عجّلت نهاية حكمه غير مأسوف عليه . وبدلاً من العبرة والفائدة من تلك التجربة .

على العكس ، قام النظام الجديد على مجموعة من العائلات ، التي احتكرت السلطة والسلاح والمال، بل حتى الوطنية و الدعوة (للإصلاح) ، ومن أكبر تلك العائلات ، الصدر والحكيم وبحر العلوم .

في كردستان ، الأمر أكثر فجاجة بعائلتي البرزاني والطالباني ، لتنتقل العدوى إلى السياسيين والوزراء والنواب وزوجاتهم وأولادهم ، وكل هذا من مظاهر ضعف النظام وليس قوته ، بل انتقلت العدوى إلى الوسط الإعلامي ، فنرى التوريث بأبشع صوره .

وقد يقول قائل بأنها مواهب تفرض نفسها ، نجيب بأنه احتكار بشع للفرص ، وهو يدلّ على ضعف النظام القائم وسردية حكمه ، رغم الإدعاء بالديمقراطية وتكافؤ الفرص .

وكلما تناسلت تلك العائلات ، سرّعت بنهاية هذا الحكم الفظيع الذي أثقل كاهل البلاد بفوضى غير مسبوقة .