الأثنين: 6 أبريل، 2020 - 12 شعبان 1441 - 04:13 صباحاً
ثقافة وفن
الأثنين: 17 فبراير، 2020

  جنى نخال

بعد حوالي أربعة أشهر على بداية الانتفاضة، تستمرّ أحزاب النظام بإنكار وجود حلول، إنكار جاثم على صدورنا كحمّالة الصدر، نريد التخلص منه ولا نستطيع. استخدمت السلطة في هذا المجال تكتيكات عديدة بهدف إطالة عمر السياسات النيوليبرالية، تركّزت معظمها حول تخوين الانتفاضة وتغذية الثورة المضادة. وقامت بذلك عبر تنظيم تظاهرات واعتداءات تحمل شعارات طائفية، أعادت الشارع إلى المجال السياسي الطائفي، ومنه إلى الحاجة لرأب الصدع بين أفراد البروليتاريا والمهمشين بحد ذاتهم.

أسئلة ونقاشات كثيرة طُرحت حول سبب نزول الأفراد إلى الشارع تحت هذه الشعارات، خاصة في مناطق هي الأكثر تهميشاً، لتسائل استقلالية هؤلاء الأفراد وتشيطن “جهلهم” وتبعيتهم للزعيم. في هذا النص، وبدلاً من لوم المهمشين، نبحث عن ميكانيزمات الهيمنة السياسية الاجتماعية التي تدفع بالجماعة للتصرف بطريقة محدّدة، لأن السلطة ترسمها لها وكأنها الطريقة الأفضل لمصلحتها هي كجماعة.

 

من ساحات الشهداء، رياض الصلح، صور، النبطية، كفررمان، ظهرت مجموعات رفعت شعارها الأشهر والذي أصبح هوية سياسية لها: “شيعة شيعة شيعة”. هذا بجانب هجمات وتهديدات متكررة حصلت في جبل لبنان الجنوبي والشوف وراشيا، غير أن الأخيرة كانت تعبيراً عن الانتماء الطائفي الدرزي للحزب التقدمي الاشتراكي.

 

في شعار “شيعة شيعة شيعة” أكثر من الظاهر، فيه أكثر من كلمة تُعاد ثلاث مرات كالصلاة. في هذا الشعار مضمون سياسي فجّ، وفيه تمظهر لهوية اجتماعية مزيفة ذات بنية قسرية التشكيل. ما مصدر هذه الهوية وما هدفها وكيف توجِّه، بشكل يبدو ميكانيكياً، جماعات بكاملها قد لا تملك ما يجمعها، فيشبَّه لها وجود رابط اجتماعي طائفي يجعلها وحدة ضد الآخرين؟

خلال تظاهرات عام 2015، نزل شباب من الخندق الغميق وحيّ اللجى وغيرها من أحياء الفقر إلى اعتصامات وسط بيروت، خالعين قمصانهم، متدثّرين بهتافات تبدأ بـ”شيعة” و”علي” وتنتهي بالضرب على الصدور، مقلّدين طقوس عاشوراء.

 

انقسم المتظاهرون يومها لدى رؤيتهم، بين مجموعة أسمتهم “مندسّين”، باعتبار أن انتماءهم الطائفي واضح، متناسين أن انضمامهم لهذه التظاهرة سببها اكتشافهم، هم أنفسهم، لموقعهم الطبقي، أو ربما غير متناسين لذلك.

 

كلمة “مندسين” عبّرت يومها عن طبقية المتظاهرين هؤلاء، ورفضهم لانضمام البروليتاريا إلى تظاهرات اعتبروها مساحة للطبقة الوسطى وطلاب الجامعات. في المقابل، اعتبر الجزء الثاني من المتظاهرين أن هؤلاء هم في صلب الحَراك، بل أنهم شرعنة له في شقّه الطبقي.

 

إذا راقبنا الممارسات وقرأنا الشعارات التي أطلقها “المندسّون” من منطلق أنتروبولوجي، نجد أنها كانت تعبيراً عن الانتماء الوحيد الذي يعرفه فقراء المدن ومنبوذوها: انتماء إلى طائفة في وطن ليس وطناً إلا للأغنياء، في ظل غياب وعي طبقي يقول لهم: أنتم تنتمون إلى المحرومين.

وتمثّل هذه الممارسات أيضاً الشكل الوحيد من الممارسات الاجتماعية السياسية في مكان عام بالنسبة إليهم، أي ممارسات دينية مقتبسة من إحياء ذكرى عاشوراء، الشكل الوحيد أيضاً للمطالبات السياسية التي يعرفونها. وقد استخدموا أسماء الأشخاص المحدَّدين الذين يمثّلون بالنسبة إليهم انعكاساً لسردية مقاومة الظلم والقهر: من الإمام علي حتى الحسين.

 

خلال الانتفاضة الحالية، كان المشهد مختلفاً. إذ أُطلق شعار “شيعة” الثلاثي في المناطق ذات الغالبية الشيعية، فأصبح هدفه إظهار المتظاهرات والمتظاهرين الذين ينتمون إلى الطائفة الشيعية على أنهم خارجها، وإظهار أن مطلقي الشعارات هم المنتمون الحقيقيون

لها. في هذا الشعار البسيط إذاً رسمٌ لحدود الجماعة والانتماء إليها وتعريفٌ لمَن هو “الآخر”.

 

إذا راقبنا الممارسات وقرأنا الشعارات التي أطلقها “المندسّون” من منطلق أنتروبولوجي، نجد أنها كانت تعبيراً عن الانتماء الوحيد الذي يعرفه فقراء المدن ومنبوذوها: انتماء إلى طائفة في وطن ليس وطناً إلا للأغنياء، في ظل غياب وعي طبقي

كيف تُبنى الهوية الاجتماعية؟

يدفعنا هذا الحديث إلى البحث في نظرية الهوية الاجتماعية وكيف تُبنى وأسباب بنائها.

أولاً، علينا أن نعي أن الانتماء الاجتماعي هو أحد الشروط المسبقة للانضمام إلى الحركات الاجتماعية السياسية، ممّا يعني في المقابل أن بناء انتماء أو هوية اجتماعية هو مدخل لتنظيم الجماعات وتأطيرها سياسياً.

 

من أجل جعل الطائفة جماعة اجتماعية سياسية، كان ضرورياً على صانعيها، أي الأحزاب السياسية الطائفية، أن يتعاملوا مع هذه الهوية كهوية اجتماعية.

 

تتكون الجماعة من أفراد يمتلكون هوية اجتماعية مشتركة. ومن أجل جعل الطائفة جماعة اجتماعية سياسية، كان ضرورياً على صانعيها، أي الأحزاب السياسية الطائفية، أن يتعاملوا مع هذه الهوية كهوية اجتماعية، أي خلق مميزات Characteristics، غالباً ما تكون مزيّفة، بمعنى تعميم مميزات جماعة معينة، واستملاكها، من لهجات وممارسات اجتماعية ومأكولات، إلخ. ويمكننا أن نفهم هذه البنية الاجتماعية المزيفة، اعتماداً على نظريات الهوية والهوية الاجتماعية.

 

خلقَت السلطة السياسية للأحزاب المهيمنة إذاً هوية وانتماء وثقافة مشتركة وفق عناصر لا يوجد أي منها تاريخياً أو اجتماعياً. فلهجة أهل الجنوب مثلاً هي لهجة أهل الجنوب، مهما كانت طائفتهم أو دينهم، أي أنّها ليست “لهجة الطائفة الشيعية”، ومأكولات الجنوب تختلف عن مأكولات البقاع مثلاً (لأسباب اختلاف البيئة والعادات الاجتماعية وغيرها)، فيطبخ مثلاً أهل القرى البقاعية، مسيحيون وشيعة، طبخات مماثلة، ويختلف شيعة البقاع عن شيعة الجنوب فيها.

 

لذا، فالانتماء الطائفي سياسي محض، لا يتعلّق بأي شكل من الأشكال بهوية اجتماعية أو ثقافة، اللهم إلا عندما تتعلق الأمور بالممارسات الدينية، والتي يختلف فيها حتى أهل الجنوب وأهل البقاع مثلاً، من الطائفة ذاتها.

 

في نظرية الهوية الاجتماعية، و”في إطار تشكيل الهوية الاجتماعية، تظهر عمليتان أساسيتان: التعريف الذاتي والمقارنة”، بحسب ما كتبه يان ستتس وبيتر بورك في دراستهما “نظرية الهوية ونظرية الهوية الاجتماعية” المنشورة عام 2000 في فصلية  علم النفس الاجتماعي Social Psychology Quarterly.

 

والتعريف الذاتي يكون عبر إيجاد القواسم المشتركة مع الفرد لضمه إلى الجماعة، أو إيجاد الفروقات معه/ا لنفيه منها. كما أن التماثل والتجانس وغياب الفروقات داخل الجماعة “يجعل من الصور النمطية حقيقة، ويقوّيها”، وهو جزء أيضاً من الانتماء إليها. والمقارنة تحصل استكمالاً لهذه الحركة الأخيرة، من خلال مقارنة النفس/ الفرد المنتمي للجماعة والأفراد الآخرين، عبر أحكام إيجابية تجاه الجماعة، وسلبية تجاه “غير” الجماعة، فتدعم هذه العملية الأخيرة الفرد وتعطيه جرعة عالية من الثقة والفخر.

 

ويضيء ستتس وبورك في مقالهما على أن الانتماء إلى الجماعة ينتج “كل الأشياء (من الأنا حتى الآخر) التي لها قيمة في ما نصنعه وما نخطط له في الحياة”. ويحتوي هذا المفهوم إذذاك على فكرة إدارة الثروة وتوزيعها، وهي الفكرة التي تستقي منها السلطة الطائفية في لبنان نصف قوتها، إذا ما اعتبرنا أن النصف الثاني يأتي من خلق وهم الطائفة والسعي إلى حمايتها وصون حقوقها.

 

لذا، تسعى السلطة السياسية الطائفية، عامّة وفي منعطفات تراها مهمّة إلى تأبيد حكمها، إلى شدّ الخناق على أعناق المنتمين للطائفة وتذكيرهم بهذا الانتماء، سيما وأنه مزيّف، لا يُخلق من ممارسات اجتماعية ولا من موروثات ثقافية.

 

تسعى السلطة السياسية الطائفية، عامّة وفي منعطفات تراها مهمّة إلى تأبيد حكمها، إلى شدّ الخناق على أعناق المنتمين للطائفة وتذكيرهم بهذا الانتماء، سيما وأنه مزيّف، لا يُخلق من ممارسات اجتماعية ولا من موروثات ثقافية

تفعيل الهوية الاجتماعية

لا تلعب الهوية الاجتماعية فقط دوراً عادياً في تعريف الفرد لنفسه/ا وللآخر، بل يتمّ “تفعيلها” في حالات معيّنة، ليصبح هذا التفعيل بحسب بينيلوبي أوكس هو “القيمة النفسية لعضوية الفرد داخل الجماعة” ، كما كتبت في دراستها “بروز الفئات الاجتماعية” وهي دراسة منشورة في كتاب “إعادة اكتشاف المجموعة الاجتماعية” (1987، تحرير جون ترنر).

 

ويلعب تفعيل الهوية هنا دوراً تحفيزياً في تحسين تقييم الجماعة لنفسها مقارنة مع مَن هم خارجها، وبالتالي في تحسين تقييم أنفسهم كأفراد داخل جماعة. ويكون “احتمال أن يتمّ

تفعيل هوية في موقف معيّن” عاملاً فاعلاً في “زيادة تأثير عضوية الفرد في الجماعة على رؤيته وتصرّفاته”، بحسب أوكس.

 

تهتمّ السلطة الطائفية بتفعيل الهوية في هذه الحالة لأسباب عديدة، أهمّها إعلان ولاء الجماعة للسلطة، الدفاع عن مصالح السلطة، وتغييب المساءلات والفكر النقدي داخل الطائفة. كما يتمّ تفعيل هذه الهوية مثلاً لإنكار وقوع الجماعة هذه تحت أي غبن سياسي اقتصادي أو اجتماعي، ذلك لأن الزعيم-الحزب الطائفي هو المسؤول عن تأمين الخدمات المعيشية للطائفة.

 

وكل هذه الأسباب مجتمعة هي ما جعل شعار “شيعة شيعة شيعة” يخرج إلى العلن في الانتفاضة الحالية. لأن أي تحرك سياسي مطلبي لأفراد الطائفة، يُظهر تحركاً مطلبياً موجّهاً بالذات ضد السلطة الطائفية-الحزب-الزعيم، مُبيّناً تقاعس هذه السلطة عن تحمّل مسؤوليتها كسلطة طائفية تجاه أعضاء طائفتها.

 

تفعيل الهوية كميكانيزم أداة أساسية لشد العصب و”إعادة الماعز إلى الحظيرة”.

لذا، نرى أن تفعيل الهوية كميكانيزم أداة أساسية لشد العصب و”إعادة الماعز إلى الحظيرة”، فأنت إنْ لم تستجب لنداء الهوية في لحظة الخطر على الجماعة، لا تستحق أن تكون جزءاً من هذه الجماعة والحفاظ إذاً عليها. ولا يمكننا أن ننكر أن أهمية هذه الميكانيزمات، من الانتماء وخلق الآخر حتى تفعيل الهوية، تكون ذات أهمية أكبر كلما كانت هذه الجماعة مهمّشة تاريخياً. ويتمّ استخدام هذا التهميش بالذات، بشكل واعٍ أو دون وعي، لتأكيد الحاجة إلى هذه الهوية أو في مجابهة خطر الاضمحلال والنسيان.

 

لم نظنّ يوماً خلال هذه الانتفاضة بأن الطائفية اختفت هكذا بين يوم وليلة، أو بأن الحبل السري الرابط بين الجماعات والزعيم قد قصّ. هناك سنين طويلة من التكييف الاجتماعي الذي جعل الناس ترى علاقتها بكل شيء في كينونتها، تمرّ عبر هويتها الطائفية. وما يحصل هو انتفاضة لأن الناس توقفت عن الخوف، أي أنها لم تعد تخاف من الكلام عن وجعها، وتوقفت عن الخوف من أن تقول إنها فقيرة، فيما عمل جزء من التكييف على “تعليمها” أنها تنتمي إلى جماعة طائفية وأنها هي مسؤولة عن إعالتها.

 

فبينما لا يزال الانتماء الهوياتي الطائفي متجذراً ومتأصلاً، فإن ما يجري على مستويات عديدة، من عدم تسديد الزعيم لمستحقاته عند جماعته، إلى عدم إجابته على أسئلتهم عن سبب الأزمة، جعل هذه الجماعة ترفع صوتها، دون أن يكون هذا الصوت بالضرورة إظهاراً لاعتراض على الانتماء للطائفة والتبعية إلى الزعيم. فالوعي بالظلم والاستغلال وسوء الحالة الاقتصادية لا يترجم بالضرورة انفكاكاً عن الطائفة-الزعيم.

 

ليس سهلاً أن نفهم طريقة عمل ميكانيزمات الهوية عند الجماعات، خاصة أن باراديغمات سياسية، اقتصادية، طائفية، اجتماعية، تتشابك في تلك العملية وتجعل السياسي مثلاً يبدو طائفياً لوهلة. لكن ما يجب العمل عليه، وهو صعب جداً، هو تفكيك تلك الميكانيزمات، خاصة وأن السلطة تستخدمها لفصل الجماعة عمّا خارجها وشيطنة كل ما لا ينتمي إليها.

 

ما ينبغي فعله هو إحداث ثقوب في تلك الجدران التي خلقتها السلطة الطائفية بين الجماعة و”الآخر”، والجدران تلك مزيفة لكنها مدعّمة جيداً بمفاهيم خرافية عن الفرد والآخر سواسية. فالبنية الطائفية وهمٌ والواقع طبقي: هذا ما تريد السلطة التعمية عنه، والتعمية دواء فعّال جداً لإخماد وجع الأسئلة.