الأثنين: 10 أغسطس، 2020 - 20 ذو الحجة 1441 - 08:18 صباحاً
ملفات
الأربعاء: 28 ديسمبر، 2016

حتى وقت قريب كانت المحاكم العراقية تعتمد كتاب الصابئة المندائيين (كنزا ربا) إلى جانب القرآن والانجيل كواحد من الكتب المقدسة لأداء القسم بين المتنازعين. الشاعر العراقي المعروف عبدالرزاق عبدالواحد عكف سنوات طويلة في بيته المطل على نهر دجلة ليترجم كتاب الصابئة إلى العربية بلغته الفخمة الرصينة، وبعد إنجازه حمله وفد صابئي يرأسه أحد رجال الدين المندائيين وقدموه إلى رئيس النظام السابق الذي أمر بأن يعتمد في المحاكم العراقية إلى جانب التوراة والإنجيل معبرا عن اهتمام واحتفاء غير مسبوق بالصابئة المندائيين الذين كان العراق موطنهم الاول.

ويعني كنزا ربا باللغة المندائية الكنز العظيم ويعتقد المندائيون أن كتابهم يجمع صحف آدم وشيت وسام ويتألف الكتاب من 188 كتاباً في 62 سورة تقع في حوالي 600 صفحة ومقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ويتضمن سفر التكوين وتعاليم الحي العظيم والصراع الدائر بين الخير والشر والنور والظلام وكذلك هبوط النفس في جسد آدم ويتضمن كذلك تسبيحا للخالق وأحكام فقهية ودينية.
القسم الثاني: ويتناول قضايا النفس وما يلحقها من عقاب وثواب.
مرة وأنا اتحدث مع الشاعر العراقي الراحل عبدالرزاق عبدالواحد عن تجربته في تحرير وترجمة كنزا ربا إلى اللغة العربية أجهش بالبكاء وهو يتذكر أن أبناء دينه وجلدته قد توزعوا في بقاع الأرض بين طريد وشريد بسبب الغلو والتطرف الديني والطائفي وتسلط الظلاميين على مقدرات العراق.
يقول الشيخ جبار ستار الحلو أحد رجال الدين المندائيين إن الصابئة يعيشون في بغداد وجنوب العراق (محافظة ميسان تحديداً)، وشكّلوا تاريخياً ثقافة عابرة للتحديات والإمبراطوريات والأديان التي توالت على أرض بلاد ما بين النهرين، خلال أكثر من عشرين قرناً من الزمن.
سكن المندائيون قرب الأنهار في جنوب العراق، ومناطق الأهواز في بلاد فارس ومن أشهر المدن التي سكنوها البصرة والطيب والعمارة والكحلاء والمجر الكبير والمشرح في ميسان، والناصرية وسوق الشيوخ في ذي قار، فضلاً عن مدينتي مندلي وواسط.
ومن هذه المدن انتقل قسم منهم إلى العاصمة بغداد وقد بدأت الهجرة إليها في أوائل القرن العشرين لتصبح أكثر المدن التي تمركز فيها المندائيون. كما انتقل قسم منهم إلى محافظات الديوانية والأنبار وكركوك.
وعن اوضاع الصابئة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق يقول الحلو ان الأوضاع الأمنية التي شهدها العراق بعد عام 2003 وانتشار العنف في البلاد ومحاولات البعض إفراغ العراق من باقي الديانات والقوميات، كلها أسباب دفعت أعداداً كبيرة من المندائيين إلى ترك البلاد والهجرة.
مبينا ان أعداد المندائيين كانت حتى عام 2005 تصل إلى 800 ألفاً في العراق، لكنها تقلّصت بعد ذلك ووصلت اليوم إلى سبعة آلاف تقريباً، وهذا مؤشر خطير يؤثر على التنوّع الذي يجب أن يكون عليه المجتمع العراقي قبل ان يتعرضوا إلى حملات تصفية وملاحقة من الاحزاب الدينية والطائفية كان للمندائيين مؤسسات دينية وثقافية واجتماعية تحظى برعاية الدولة العراقية.
ثمة ثلاثة مجالس دينية تؤطر أنشطة المندائيين وهي:
المجلس الروحاني: ويضم جميع رجال الدين ويهتم بالشؤون الدينية، ويترأسه رئيس طائفة المندائيين في العراق والعالم الكنزبرا الشيخ ستار جبار حلو.
مجلس العموم: يتكون من ممثلين عن كل عائلة عشيرة، تختارهم عوائلهم بطريقة الانتخاب الحر المباشر ويُعدّ هذا المجلس بمثابة برلمان من واجباته التشريع والرقابة. ويقوم المجلس بتسمية مَن يمثل المندائيين في المناصب الرسمية.
مجلس الشؤون: يُنتخب أعضاؤه من مجلس العموم حصراً وبطريقة الاقتراع الحر المباشر ويقوم بإدارة الشؤون الحياتية للمندائيين عبر عدد من الأقسام التي تنبثق منه.
هذه المجالس والمؤسسات تم تفكيها بعد عام 20033 وشاعت بدلا من ذلك ثقافة (نجاسة الصابئي) وهي ثقافة مبنية على مفاهيم قاتمة من الانغلاق الديني اشاعتها الاحزاب الطائفية.
يقول الباحث العراقي في شؤون الأقليات سعد سلوم الذي كتب عدداً من الكتب عن الأقليات إن تمثيل المندائيين السياسي يواجه تحديات تتمثل في قلة العدد وتوزّعهم على أغلب المحافظات، وعدم دخولهم بصفة رسمية في أي حزب من الأحزاب أو التحالفات السياسية لذا لم يحصلوا على أي تمثيل في مجلس النواب في دورته الأولى 2006 – 2010 وجاء نظام الكوتا ليقدم حلاً فحصلوا على مقعد واحد في كل من مجلس النواب ومجلس بغداد لدورته الثانية 2008 – 2012، ومقعد في مجلس النواب لدورته الثانية 2010 – 2014.
ويستطرد سلوم قائلا: إن المندائيين يرون أن ثقافتهم تتعرّض لخطر حقيقي ووجودهم مهدد بالانقراض ومن هنا قد يكون الحلّ في جمعهم في بلد واحد بدل تشتتهم في المنافي.
وتابع سلوم رئيس مؤسسة مسارات للأبحاث الخاصة بشؤون الأقليات أن مخاطر انقراض لغة المندائيين التي تعد لغة طقسية يقتصر تداولها على رجال الدين وعدد قليل من الباحثين وكون ديانتهم غير تبشيرية ولا تسمح بالزواج من خارج الطائفة فإنّ ذلك كله يقدم صورة مظلمة عن مستقبلهم في بلد يعدّون من أقدم سكانه.
إن المندائيين الذين لا يحملون السلاح والذين يحرم عليهم القتل ولا توجد لديهم مؤسسات تدافع عنهم هم أسهل وأول أهداف العنف في العراق.
وعن ذلك يقول المسؤول المندائي بشار السبتي إن اكبر المخاطر التي تتهدد المندائيين هو الانقراض بسبب تسارع وتيرة قتل المندائيين الذين يعيشون في ظل خوف دائم.
أما الباحث عبدالمنعم الاعسم فيتحدث عن وجود العشرات من الجثث في مستشفيات بغداد ابان سنوات العنف تعود لضحايا من الأقليات غير المسلمة قتلوا بعد اختطافهم حيث تخشى عائلاتهم على حياتها خلال البحث عنهم.
وتؤكد التقارير ان بين الضحايا الكثير من النساء اللواتي مثّل فيهن وبعض القتلى وجد على صدره قرار الإعدام من محكمة شرعية مجهولة يقول: نزل فيه حكم الشريعة لأنه رفض اعتناق الإسلام وأصر على الاستمرار في غيّه.
أي غي للمندائيين الذين يتطهرون في الماء من كل ذنب، ولا يختارون منازلهم الا قرب شواطئ الانهر!
الأمثلة على استهداف الصابئة لا تعد ولا تحصى بل حتى معابدهم لم تسلم فالمعبد الوحيد لهم في مدينة البصرة تم تدميره من قبل مليشيا محلية أواسط 2006.
أما في مدينة الفلوجة وعقب سقوط النظام السابق مباشرة تمت مداهمة بيوت 355 عائلة من الصابئة عاشت في المدينة منذ عدة قرون واقتيد الرجال إلى إحدى الساحات العامة وتم إجبارهم على اعتناق الإسلام وتم ختان الرجال، وهو احد المحرمات لدى الصابئة، ومن رفض فقد تم نحره وتم تزويج نساء الصابئة إلى مسلمين عنوة حسبما ذكرت احدى المنظمات المندائية المعنية بحقوق الانسان.
تشير الإحصاءات التي ذكرتها الرابطة الوطنية للمندائيين إلى حجم العنف والجرائم المرعبة التي تعرض لها الصابئة خلال الفترة من أكتوبر 2003 إلى آذار 2006 ومنها مقتل 504 منهم وخطف 118 ومغادرة 4663 عائلة إلى خارج العراق وكان عدد العائلات الباقية في العراق شهر آذار/مارس من عام 2006 فقط 1162، فعلى سبيل المثال كان عدد عائلاتهم في بغداد قبل الغزو 1600 عائلة لم يبق منهم حتى ابريل 2014 سوى 30 عائلة.
المندائيون ظلوا ملتصقين بأرض العراق موطنهم الأول وحاضنتهم التي وجدوا فيها الرعاية والحنو طيلة جميع العهود السياسية على مدى مئات السنين.
وما ان يذكر المندائيون حتى تقفز إلى الذاكرة اسماء لها حضور طاغ في المجالات العلمية والثقافية انجبتها البيئة المندائية الخصبة بالمعرفة، مثل العالم العراقي عبدالجبار عبدالله الذي كرمه انشتاين لتفوقه وحدة ذكائه، ليعين أول رئيس لجامعة بغداد في عهد الزعيم عبدالكريم قاسم، وكذلك الشاعر العراقي عبدالرزاق عبدالواحد الذي حل اسم شاعر القرنين وابنة خاله الشاعرة العراقية المعروفة لميعة عباس عمارة!
كل ذلك لم يشفع للمندائيين ان يعيشوا في بلدهم آمنين فطالهم العنف حتى تحولوا إلى شعب من الشتات بين قتيل وطريد وشريد.