السبت: 25 يناير، 2020 - 29 جمادى الأولى 1441 - 08:14 صباحاً
سلة الاخبار
الأربعاء: 11 ديسمبر، 2019

د.حميد عبدالله

تنطلق التظاهرات والاحتجاجات في العادة لسببين 

الاول: موقف سياسي يحرك الشارع باتجاه التصدي له واجهاضه.

الثاني: عامل اقتصادي يتعلق برفع الاسعار، وتدني المستوى المعاشي بما يخلق حالة سخط لدى الجمهور  يتسبب بانفجار شعبي ينتهي بثلاثة خيارات  

  • الاستجابة من قبل السلطات لمطالب المتظاهرين واطفاء نيران غضبهم 

  •  التوصل لحلول وسطية تسحب صاعق الغضب الشعبي وتهدئ الشارع المشتعل.

  • الاطاحة بالحكومة او النظام الحاكم برمته

في كثير من الاحيان تلعب الاحزاب والقوى السياسية المناهضة للنظام الساسي  دورا مهما في تحشيد الجمهور ، وتعبئته لتحقيق مطالب بعينها ، وتاريخ العراق حافل بهذا النوع من الاحتجاجات.

لكن غير المألوف ولا المعروف هو ان يكون الشارع بكل فئاته ومستوياته وطبقاته وانتماءاته بالضد من الطبقة السياسية الحاكمة  بجميع مستوياتها وانتماءاتها وتوجهاتها !

 وتزداد الغرابة حين  يكون الماسكون بمقدرات البلاد لصوصا لايتورعون عن السطو على المال العام بكل الوسائل المتاحة .

هذا هو العنوان الأبرز لانتفاضة تشرين العراقية ..الجمهور يثور على اللصوص… الاحرار ينتفضون على سراق المال العام..المعوزون والعاطلون والجياع يزحفون  لاستعادة حقوقهم المسروقة من قبل احزاب تسلطت على رقاب الرعية ،بالخداع والتضليل ، ثم احكمت قبضتها على السلطة لتجعل منها فرصة نادرة للمغانمة والاثراء ،  وافقار الشعب برمته في ( تجربة) غير مسبوقة في تاريخ الأمم والشعوب!

 الدلالة الأكثر وضوحا في انتفاضة تشرين العراقية هي  ان دوافعها ليست سياسية ، وجذوتها لم تتقد بسبب  المنهج السياسي الذي تنتهجه الحكومة في التعامل مع قضايا الداخل والخارج انما نتيجة الخراب الذي احدثته الطبقة الحاكمة في البلاد وجعلتها كعصف  مأكول.

في انتفاضة 29 تشرين أول عام 1956  شهدت بغداد تظاهرات عنيفة احتجاجا على موقف الحكومة من العدوان الثلاثي على مصر.

كان الجمهور العراقي يتوقع موقفا حكوميا معبرا عن الهوية العربية  للعراق في لحظة تعرضت فيه اكبر دولة عربية الى عدوان صريح ، على العكس من ذلك ترجم النظام السياسي موقفا متواطئا مع دول العدوان بل وداعم لها احيانا، مانتج عنه انفجار شعبي انطلقت شرارته   من الاعدادية المركزية في بغداد وسرعان ما أتسعت مساحة الاحتجاج لتشمل ثانويات الاعظمية والكرخ وغيرهما .

لم يرفع الطلبة المتظاهرون شعارات تطالب بمحاربة الفساد المالي ، لان الدولة لم تكن آنذاك وكرا للصوص، ومرتعا للطائفية والجهل ، ولم تكن الاحزاب دكاكين سياسية تعتاش على شعارات كاذبة تتخذ منها تجارة رائجة ، بمعنى ان دافع التظاهرات كان وطنيا سياسيا وليس وطنيا اصلاحيا، وهكذا كانت دوافع معظم التظاهرات والانتفاضات التي شهدها العراق عبر تاريخه الحديث والمعاصر !

ما يميز انتفاضة تشرين العراقية هو ان دوافعها تصحيحية اصلاحية ، وإن السبب الرئيس وراء انفجارها هو الفساد واللصوصية التي صارت السمة البارزة في سلوك الطبقة السياسية الحاكمة.

لا يصنف سخط الشارع المنتفض على الطبقة الحاكمة في خانة (الصراع  السياسي) ذلك لأن الطبقة الفاسدة لا تمتلك منهجا واضح المعالم لإدارة  البلاد يمكن أن يكون موضع رفض واستهجان من الجمهور كما كان الحال مع الانظمة السياسية التي توالت على حكم العراق منذ تاسيس الدولة العراقية في آب 1921 وحتى نيسان 2003 ، الطبقة الحاكمة تمتلك فقط اذرعاً اخطبوطية، ومنظومة شيطانية  مسخرة لسرقة ثروات البلاد ، وحرمان أجيال كاملة من فرص العيش الكريم بحده الادنى، فضلا عن سعيها المفضوح لمسخ الوطنية العراقية ، وتمزيق النسيج المجتمعي العراقي، واحلال التبعية بديلا عن الاستقلال والسيادة !

هنا يطغى البعد الجنائي على السياسي بوضوح في رسالة المتظاهرين واهدافهم ومطالبهم، فالحاكم سارق والشعب مسروق ، الطبقة  السياسية مجموعة من اللصوص، أما المنتفضون فهم جمهور عريض يمتد عمقه المجتمعي على امتداد الجغرافية العراقية عموديا وافقيا تم تهميشه وسرقته وتضييعه وحرمانه من فرص الحياة والازدهار والتطور.

المطالب لاتقتصر على تصحيح الانحراف واصلاح منهج الحكم بل يشمل إزاحة الطبقة السياسية برمتها تمهيداً لمحاكمتها كــ(فريق) من اللصوص الذين مارسوا السطو المسلح بابشع وأوضح صوره !

لايبدو الحوار مجديا وليس ذا معنى اصلا  بين اللص والضحية ، ولا تبدو الدعوات للاصلاح ذات معنى اذا  انطلقت من اماكن مدنسة، فالفضيلة لا يدعو لها الأبالسة ، ولا يحققها الشياطين … !

قتل المتظاهرين بأدوات السلطة واذرعها عمق البعد الجنائي للصراع  ، وجعل الجانب الجنائي فيه مركبا ومزدوجاً ، فمن كان مجرد لص (حكومي) قبل الانتفاضة أصبح بعدها قاتلاً  عن قصد وسبق إصرار!

القصاص لايقتصر بعد اليوم على الفاسدين بصفتهم لصوصا بل  سيطالهم كـمجرمين وقتلة ايضا!