الأحد: 22 أبريل، 2018 - 06 شعبان 1439 - 01:02 صباحاً
دفاتر
الأربعاء: 21 مارس، 2018

حامد فتحي

تهيمن على الثقافة العربية رؤية مثالية حول تاريخها السياسي. فرغم اختلاف الأسر الحاكمة من حقبة إلى أخرى، لا يزال كثيرون يتناولون التاريخ في إطار وحدة “الخلافة”، فتغيب عن البحث قضايا هامة جداً مثل خطابات مشروعية الوصول إلى السلطة، وخطابات معارضة السلطة.

فكل حقبة سياسية ظهرت على جوانبها خطابات سياسية تبرّر أحقية المتحكمين بالسلطة بها كما ظهرت خطابات فقهية تصبّ في خدمتها. ومن جانب آخر، كانت المعارضات تتبنى خطابات مغايرة لكسب الأنصار، ومجابهة السلطة.

القبيلة… المحدد الأول للسلطة والمعارضة

لم يعرف العرب الدولة إلا مع الإسلام، إذ نشأت لتواكب التغيير الذي حدث في بنية المجتمع، وظهر مفهوم “أخوة الإيمان” مقابل “القبيلة”، إلا أن الأخيرة كانت متجذّرة في بنية المجتمع العربي، وكان من الصعب أن تختفي.

وفي كتاب “العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته” يبيّن محمد عابد الجابري أن أساس معارضة دعوة النبي محمد كانت قبلية، في إطار التنازع على الشرف والسيادة بين بطون قريش.

ومع الهجرة وتحوّل العرب إلى الإسلام، لم ينتهِ دور القبيلة، بل ظل الانتماء إليها يأتي بعد الانتماء إلى الإسلام، بل إن الغزو وتوزيع الغنائم كانا يتمان عبر تقسيم الناس حسب انتماءاتهم القبلية.

وفي حياة النبي، تفوّقت أخوة الإيمان على القبيلة، ولكن بعد وفاته عادت الروح القبلية للظهور، وتجلّت بأقوى صورها منذ عهد عثمان بن عفان.

الإيمان والقبيلة… خطابا السلطة والمعارضة

يقول الباحث في الشؤون السياسية صلاح سالم لرصيف22 إن “الصراع على السلطة بعد وفاة النبي تمثّل في ثلاثة أطراف: المهاجرون من قريش، والأنصار، والطرف الثالث تيار كان يرى أن السبق بالإسلام والقرابة من النبي يعطيان أصحابهما أحقية بالحكم، وهو تيار علي بن أبي طالب وبني هاشم”.

وذكر الباحث والمفكر أحمد الكاتب لرصيف22 أن زعماء الأنصار اجتمعوا بعد وفاة النبي في السقيفة للتباحث بشأن إقامة سلطة جديدة في المدينة على أساس طبيعي قبلي، لا على أساس حكم ديني أو نظام شامل لجميع المسلمين.

ويشير الكاتب إلى أن زعماء المهاجرين (أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح) سارعوا إلى المشاركة في اجتماع السقيفة رغم عدم دعوتهم إليه، ورغم عدم انتمائهم إلى بيت الزعامة في قريش (بني عبد مناف)، موضحاً أن تاريخهم الطويل مع الرسول، ومكانتهم منه أهّلتهم للدخول في السقيفة ومحاورة زعماء الأنصار لينتهي الاجتماع بنجاح المهاجرين في تولية أبي بكر، بعد أن تفتت صف الأنصار بسبب الخلافات الداخلية في ما بينهم.

ومع تولية أبي بكر الخلافة، تحوّل كل مَن رفض البيعة أو تأخر فيها إلى صف المعارضة. ويبيّن صلاح سالم أن بني أمية عرضوا المساعدة على علي بن أبي طالب للمطالبة بالحكم، إلا أنه رفض تشككاً في نواياهم، وحرصاً على وحدة المسلمين.

ثم استقرت السلطة لأبي بكر، وبايعه الجميع. ويوضح سالم أن الأنصار مالوا إلى بيعة أبي بكر على حساب علي بن أبي طالب من منظور قبلي، فأبو بكر من بيت ضعيف في قريش عكس علي، وكان من عادة القبائل تفضيل المنافس الضعيف على القوي.

عثمان والقبيلة مقابل علي والروح الإيمانية

يذكر سالم أن حزم عمر بن الخطاب، ومراعاته للدين والعدل أدّيا إلى القبول الواسع بحكمه، لكن بالانتقال إلى عهد عثمان ظهرت معارضة سياسية أساسها شعور عموم المسلمين بأنه يوالي أقربائه من بني أمية، و يحابيهم بالمال والمناصب.

وتبنّت معارضة عثمان خطاب الشورى والعدل، فقد كانت الثورة على عثمان في جوهرها ثورة الأنصار والعرب والموالي ضد هيمنة قريش، وضد التهميش والإقصاء. وهذا ما يفسر مبادرة الثوار إلى انتخاب خليفة جديد بأنفسهم، إذ أخذ شعار الشورى يرتفع بعد مقتل عثمان، ويتسع ليشمل جميع المهاجرين والأنصار والمسلمين، بدل الاقتصار على نخبة معيّنة من قريش، وفق أحمد الكاتب.

شاركغرداعتمد معاوية على مفاهيم دينية ظهرت لمواجهة خطابات المعارضة، ومنها مفهوم “الجبر”، ويعني أن كل شيء يحدث بقدر الله، ومفهوم “الإرجاء” ويعني أن الإيمان ليس ضرورياً أن يقترن بالعمل…

وتولى علي بن أبي طالب السلطة بعد عثمان. ويقول الجابري في مرجعه المذكور إن اجتماع بطون عدة ضد عثمان ولّدت حاجة ملحّة لتأسيس شرعية غير القبيلة، فكانت بداية ظهور “التشيع” لأهل البيت ممثلين بعلي.

وبجانب ذلك، كان تيار من مؤيدي علي قد بنى تأييده على فكرة “أخوة الإيمان” وهي الفكرة التي كان أبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر يدعوان لها في الأمصار.

مخطوطة لمقولة ‘لا فتى إلا علي، لا سيف إلا ذو الفقار’، التي قيل إن الرسول قالها لعلي

أما معارضة علي فمثلت الأغنياء ضد الفقراء والمهمشين، مجمل معسكر علي، وفق تفسير الجابري. ويقول الشيخ الكاتب: “عندما يئس طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام من أن يكون لهما وضع مميز في ظل خلافة علي راحا يفكّران في الخروج عليه، وادعيا أن بيعته كانت تحت الضغط والإكراه، ثم نكثا بيعتهما، وقادا جيشاً من أعوانهما إلى البصرة”. وانتهت معارضة طلحة والزبير بالهزيمة في معركة الجمل.

أما الطرف الأقوى في المعارضة فكان معاوية بن أبي سفيان الذي بنى مشروعيته على عدة أسس يوضحها الكاتب بأنها المطالبة بدم عثمان، وحقه في الشورى، وعدم إلزامية البيعة له وهو في الشام.

ويوضح سالم أن معاوية وظّف قضية الثأر لعثمان، واستخدم العامل القبلي لتكتيل بني أمية حوله، وهو ما يجعله الخارج الحقيقي الأول.

ومثّل الخوارج فئة كبرى من معارضي علي، وقد كانوا في البداية جزءاً من فريقه، إلا أنهم انفصلوا عنه بعد قبوله بالتحكيم مع معاوية، وكانوا أصحاب عقل أحادي، لا يقبلون مهادنة في اعتقادهم بالحق، وكانت معارضتهم وفق هذا الاعتقاد، كما ذكر سالم.

القوة والجبر للأمويين وحرية الإرادة لآل البيت

انتهت الأمور لصالح معاوية بن أبي سفيان، وتنازل الحسن بن علي له عن الحكم، شريطة أن يجعل الأمر شورى بين المسلمين من بعده، إلا أن معاوية قدّم القبيلة على حساب الإسلام، مؤسساً دولة ملكية وراثية، واعتمد على القوة في مجابهة أيّة معارضة، وعلى مفاهيم دينية ظهرت لمواجهة خطابات المعارضة.

ومن هذه المفاهيم مفهوم “الجبر”، ويوضحه الباحث صلاح سالم بأنه يعني أن كل شيء يحدث بقدر الله، دون تدخل من الإنسان، ومعنى هذا أن الحكم الأموي تم بقدر الله، وليس اختياراً من المسلمين ولا بإرادة من معاوية، وبالتالي فإن مَن يتمرد يتمرد على قدر الله.

وظهر مفهوم آخر يوضحه نصر أبو زيد في كتابه “الاتجاه العقلي في التفسير” وهو “الإرجاء”، ويبيّن أبو زيد كيف خدم هذا المفهوم بني أمية بقوله: “المرجئة، مفكرو الحزب الأموي، ناقشوا مسألة الإيمان، فجعلوا الإيمان هو المعرفة أو التصديق والإقرار باللسان دون شرط الاقتران بالعمل، وذلك رداً على الخوارج الذين قرنوا الإيمان بالعمل، فكانت الخوارج تكفّر بني أمية لظلمهم، بينما المرجئة ترى أنه مهما بلغ ظلم الإنسان فذلك لا يُخرجه عن الدين، مما مثل تبريراً لظلم بني أمية”.

بجانب ذلك، يذكر الجابري في مرجعه السابق أن أيديولوجية الخوارج كانت تكفّر بني أمية لارتكابهم الكبائر، ومع الوقت تبلور فكر الخوارج حول شعار “الحكم للمسلمين”، لا في قريش أو أهل البيت أو العرب، وانضم إليهم كثيرون من الموالي الذين عانوا من التعصب الأموي للعرب.

وظهر مذهب “القدر” الذي يرى أن الإنسان مسؤول عن أفعاله، رداً على مبدأ الجبر الأموي، وارتبطت مقولة القدر بالمعارضة، والدعوة للثورة على بني أمية، ما أدى إلى قتل بني أمية لعدد من مفكري هذه الفئة، مثل الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان.

أما معسكر أتباع علي بن أبي طالب فقد تبنى الصراع الفكري والعسكري مع بني أمية، مع تبلور مفهوم “آل البيت” والتشيع لهم. ويقول الكاتب: “كان الفكر الشيعي العام يقوم على أساس الولاء السياسي لأئمة أهل البيت، وكان هؤلاء يعتقدون بحق الأمة الإسلامية في اختيار أئمتها، وبضرورة ممارسة الشورى، ويدينون الاستيلاء على السلطة بالقوة”.

وشهد العصر الأموي ثورات مسلحة قادها أهل البيت، على رأسها ثورة الحسين بن علي. وشهد معسكر الزبير وطلحة صعوداً على يد عبد الله بن الزبير، ولكنه لم يصغ خطاباً سياسياً، واعتمد على نصرة أهل الحجاز، وانتهى نفوذه بمقلته.

انقسام “آل البيت” بين عباسيين وعلويين

كان العباسيون جزءاً من فريق “آل البيت”، لكنهم لم يجاهروا بالعداء لبني أمية إلا عندما بدأوا يضعفون، فرفعوا شعار “الرضا لآل البيت” أي آل محمد، وحين نجحت الثورة ضد الأمويين، استأثروا بالحكم دون العلويين، وكان عليهم تبرير هذا التفرد.

ويبيّن الجابري أنه بعد سيطرة العباسيين على السلطة حدثت عملية بناء جديدة لمسألة الشرعية تعتمد القرابة من النبي، ولكن بدون توسط “الوصية” أو “العلم السري” كما في ميثولوجيا الإمامة الشيعية العلوية. فكان التوسط عند العباسيين عن طريق “إرادة الله”، وتبنوا خطاباً مفاده أن الله أراد النبوة في محمد، وأراد أن يكون وارثه هو عمه العباس، إذ مات وهذا العم حي، وأراد الله أن يفشل العلويين في استعادة حق آل البيت، وأن ينجح بنو العباس في ذلك، بنصرة شيعتهم من أهل خراسان.

ويقول الكاتب: “على عكس السلالة الأموية التي استولت على السلطة بالقوة الصريحة، ولم يكن يربطها برسول الله رابطٌ كبيرٌ، فان العباسيين كانوا يعتبرون أنفسهم من آل البيت. وبالتالي فإنهم قريبون جداً من الرسول الأكرم وعترته. وقد حاول سلفهم الادعاء بوجود نص على جدهم العباس من الرسول، واستعانوا بأحاديث موضوعة تصوّر دولة بني العباس وكأنها ذات مسحة دينية. وذهب أبو جعفر المنصور إلى اعتبار نفسه سلطان الله في أرضه”.

وأدى ذلك إلى تحوّل العلويين إلى نخبة دينية تلتف حول المذهب الشيعي، وبدأ صراع بين الطرفين فكرياً، وعسكرياً، ونجحت فرقة الإسماعيلية الشيعية في إقامة الدولة الفاطمية، وفق الباحث سالم.

ووُجدت فئات من المعارضة تبنّت خطاباً يقوم على أسس سياسية واجتماعية وترجمته بحركات ثورية كان منها ثورة الزنج.

العنصر التركي يغيّر المعادلة

وأحدث ظهور العنصر التركي تغييراً في معادلة السلطة، يوضحه الجابري قائلاً: “أدى ظهور العنصر التركي إلى إخماد نار الخصومة بين الفرس والعرب حيناً، وبين العلويين والعباسيين حيناً آخر، لأنه استأثر بالأمر دون الفريقيين، ولم يكن يحفل بأولئك أو بهؤلاء، ومن هنا بدأ ظهور الدول المستقلة وشبه المستقلة في أطراف الدولة العباسية”.

وترافقت مع الواقع الجديد تغيّرات على مستوى النظرية السياسية، يبيّنها الباحث سالم بهيمنة الخطاب الديني الفقهي الذي شرّع إمامة المتغلب بالقوة، تماشياً مع الواقع الجديد الذي اعتمد على القوة العسكرية. إلا أن هذا الواقع احتفظ بالمكانة المقدسة لمنصب الخليفة، وإن كان احتفاظاً شكلياً فقط.

العثمانيون… الخلافة في مواجهة الصفويين والخطر الأوروبي

يذكر سالم أن العثمانيين كانوا جزءاً من العقلية المسلمة السنية، وأنهم اعتمدوا على الدين لتبرير التوسع العسكري، وحرصوا على نقل مكانة الخلافة الرمزية إليهم بعد غزوهم مصر، مما ساهم في جمع كل أفئدة العالم الإسلامي حول القوة العثمانية التي تبنت خطاب القتال ضد العالم الأوروبي الصليبي.

ومثّل ظهور الدولة الصفوية الشيعية في إيران عام 1501 مشروعية للعثمانيين بصفتهم حماة أهل السنة. ويقول أحمد الكاتب: “استغل العثمانيون التطرف الصفوي لإعلان الحرب على الشيعة، وإصدار فتاوى بتكفيرهم. ثم خفت هذا الخطاب لاحقاً بفعل تراجع الصفويين عن التطرف، وزيادة الخطر الأوروبي”.

أما عن معارضة العثمانيين، فيذكر جورج أنطونيوس جانباً منها في كتابه “يقظة العرب: تاريخ حركة العرب القومية” ويقول إن البلاد العربية شهدت قبل القومية الحديثة حركات سياسية فردية معارضة للعثمانيين إلا أنها كانت تهدف لأمجاد شخصية. كما ظهرت الحركة الوهابية في بلاد نجد بالجزيرة العربية عام 1747، وشكلت تهديداً للولايات العثمانية، حتى قضى محمد علي باشا عليها.

ويشير أنطونيوس إلى أنه نتج عن الحكم المصري في عهد محمد علي للشام، وما رافقه من تحديث، نمو للتعليم خصوصاً الأجنبي، فظهر خطاب سياسي متأثر بالقوميات الأوروبية.

ثم بدأت الدعوة للقومية العربية كخطاب معارض، مع فكرة الجمعيات الأدبية والعلمية في الشام (1847-1868)، التي غرست بذرة القومية والوطنية بدلاً من الطائفية الدينية، ودعت للثورة على الأتراك، وإقامة حكم عربي، وإطلاق الحريات، ونشر التعليم. ونمت هذه الحركة خصوصاً رداً على استبداد السلطان عبد الحميد الثاني، والدعوات المتعصبة للأتراك.

ويقول سالم: “نشأت الوطنية المصرية في القرن التاسع عشر ضد الخطر الأجنبي والعثمانيين، كنتيجة للوعي الذي نشأ عن حركة التعليم في عهد محمد علي، وتبلورت بشكل تام مع الثورة العرابية عام 1879”.

السلطان الغازي عبد الحميد خان الثاني “الكبير”، آخر سلطان فعلي للدولة العثمانية

وبدأت الروح القومية التركية في الظهور مع الإصلاحات الحديثة على يد السلطان محمود الثاني، عام 1830، وتكوّنت طبقة وسطى مثقفة نجحت في عزل السلطان اللاحق عبد العزيز الذي تبنى الحكم الثيوقراطي، وتولية السلطان عبد الحميد الثاني (عام 1876) الذي قبل بالدستور، إلا أنه انقلب عليه لاحقاً، مدشناً خطاب “الجامعة الإسلامية” مقابل الخطاب القومي التركي، الذي دعا إلى الإصلاحات والتحديث، وفق ما ذكر سعد الحميدي في كتابه “الصراع بين القوميتين العربية والتركية”.

ونشطت المعارضة القومية التركية ممثلة في جمعية “تركيا الفتاة”، وغيرها، ثم تكوّنت “جمعية الاتحاد والترقي” التي تحيّزت للعنصر التركي، وتبنت خطاباً عنصرياً ضد القوميات الأخرى، كما ذكر الحميدي.

وهيمن خطاب القوميات، والدعوة للتحديث، وبزغت القوميات العديدة في الدولة العثمانية، ثم لاحقاً مع الغزو الأجنبي، انحصرت الدولة العثمانية في تركيا الحديثة، وتبنت خطاباً قومياً تركياً صرفاً.