الثلاثاء: 19 نوفمبر، 2019 - 21 ربيع الأول 1441 - 12:01 صباحاً
اقلام
الثلاثاء: 8 أكتوبر، 2019
· 
بقلم سهيل سامي نادر
كانت الجملة الأخيرة من الفلم التسجيلي الذي أعدّه علي بدر وأخرجه وصوّره زياد تركي عام 2007 من حصتي.
قلت : في الماضي كان النظام السياسي يركب الدولة ، الآن وقد ماتت الدولة ، لم يبق غير الركوب!
ضحك الحضور في صالة العرض . لكن الجملة وإن بدت تخريجاً كلامياً ، وصَفَت حقاً ما حدث ويحدث منذ عام 2003 .
فأولئك السياسيون الغامضون الذين ظهروا راكبين سيارات الدفع الرباعي، في مواكب مسلحة تقطع الشوارع وتشيع الخوف بين المواطنين ، تقاسموا في ما بعد ركائب تدرّ ذهباً .
وأولئك الذين صاغوا المطالب والسياسات باسم المظلومية والدين ، حوّلوا بقايا الدولة ، المؤسسات ، العقود، الأفكار، عوائد النفط ، الطوائف ، إلى مراكب تبحر في بحور من الدم والدموع والمال الحرام.
إن أحد أفضل الركائب التي مكنت جماعة 2003 من ركوب كل شيء هي الديمقراطية، فبواسطة صندوق الانتخابات وحده ، أمكن بناء سلطة لا تجد فيها “ديمقراطيين”، ويتبارون على ركوبها.
أقول سلطة وليس دولة ، مجرد سلطة، مجرد بئر نفط ، مطعم كبير، بنك، مول، ملهى، تلخانات. جماعة 2003 ليسوا بناة دولة بل راكبو سلطة، راكبو أبنية، وإذا ما بنوا شيئا فليس لكي يبقى وينتفع منه الناس ، بل لكي يُستثمر لمصلحتهم . تسجيل ملكية شخصية من مال حرام.
ما الذي بقى لم يركبه هؤلاء الذين ركبهم الشيطانان الأكبر والأصغر؟ ركبوا البرلمان ، الحكومة، البنك المركزي، سيارات الدفع الرباعي، الطائرات.
الآن يريدون ركوب الجماهير. ركوب الموجة لتحويلها الى رجفة. ركوب الغضب لتحويله إلى سوء فهم، ركوب القضايا العادلة لكي تصبح مماطلة وتسويف.
يعترفون بعدالة المظاهرات ويطلقون عليها النار. يدافعون عن المتظاهرين ويرسلون البغاة الملثمين لاصطيادهم . يقتلون ويعدون القتلى شهداء. يهدمون البيوت ويعدون أصحابها بتوزيع الأراضي.
المرتشون لا يعرفون من السياسة غير تبادل الرشا والمنافع .
لقد اعتاد الإسلام السياسي رؤية الديمقراطية كمرض غربي ، فإذا به يركبها ويحولها إلى عاهر مغناج!
الآن يعترف رئيس الجمهورية – مشكورا- أن لا الحكومة ولا القوات المسلحة أصدرت أمرا بإطلاق النار. هو لا يقول من أطلق النار لكنه يطلب التحقيق بالأمر ومعاقبة الفاعلين.
لكن الحكومة نفسها سحبت الجيش من مدينة الثورة لأنه، باعترافها، أفرط في استخدام القوة، واستبدلته بالشرطة الاتحادية المشهورة بتوزيع الحلوى!.
خطاب رئيس الجمهورية جيد جدا ويتضمن برنامجاً، لكنه إذ يصف المشكلة بفصاحة ينسى وجود خطاب آخر للسلطة ينافسه ويبدد مضامينه. ينسى كذلك أن لا دولة في العراق، بل سلطات لا سلطة واحدة، وعدد من المليشيات المرتبطة بعدد من السلطات. إنها اللادولة ذات الركوب المزدوج . طاسة داخل طاسة داخل طاسة وبحر الظلمات غطاسة، شيزوفرينيا، مستشفى أمراض نفسية مقلوبة لا نميز فيها بين المريض والطبيب، من يمسك بالابرة ومن يمسك بالرزة المزدوجة!
بسبب مسألة الركوب والراكبين أقترح على الرئاسات الثلاث أن تلتفت خلفها!