الأربعاء: 27 مايو، 2020 - 04 شوال 1441 - 03:29 مساءً
ثقافة وفن
الجمعة: 16 ديسمبر، 2016

رحل المفكر السوري الكبير صادق جلال العظم في 24 نوفمبر 2016 وذلك في برلين عن عمر ناهز 82 عاما، بعد إصابته بورم خبيث في الدماغ . إن جيل الستينيات يذكر للعظم أنه أول من أقام تركيبا نقديا ما بين نقد هزيمة حزيران ، ونقد الانظمة العربية التي خسرت المعركة إزاء العدو الصهيوني بسبب الفساد والدكتاتورية ، وهو أول من انتقد الفكر الديني وعلاقته بهذه الخسارة والتفسيرات التي ساقها هذا الفكر لكي يبرر هذه الهزيمة بطريقة ميتافيزيقية .
صادق جلال العظم أكاديمي و مفكر مخضرم، تعتبر كتبه وآرائه مثيرةً للجدل . ولد في دمشق عام 1934, أتم دراسته الابتدائية في دمشق وتابع الثانوية في المدرسة الإنجيلية في صيدا (لبنان)، ثم حصل على درجة الليسانس في الآداب بامتياز من الجامعة الأمريكية في بيروت سنة 1957 (اختصاص فلسفة)، وأتم دراسته العليا في جامعة بال في أميركا، ونال درجة الماجستير في الآداب سنة 1959، ودرجة دكتور في الفلسفة سنة 1961 باختصاص الفلسفة الحديثة, شغل مناصب عدة في حياته، من أهمها أستاذ للفلسفة والفكر العربي الحديث والمعاصر في جامعة نيويورك والجامعة الأمريكية في بيروت, ثم عاد إلى دمشق عام 1962 ليعمل أستاذاً في جامعتها، قبل أن ينتقل للتدريس في الجامعة الأردنية في عمان، ثم أصبح سنة 1969 رئيس تحرير مجلة الدراسات العربية التي تصدر في بيروت،وشغل منصب رئيس قسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية في كلية الآداب بدمشق (بين عامي 1993-1998). عمل أستاذاً في جامعتي برنستون وهارفارد في أميركا، وفي جامعات هامبورغ وهومبولت وأولدنبورغ في ألمانيا، وفي جامعة توهوكو في اليابان وفي جامعة أنتويرب في بلجيكا، عضو في أكاديمية العلوم والآداب الأوروبية. حاز على جائزة ليوبولد لوكاش للتفوق العلمي سنة 2004 والتي تمنحها جامعة توبينغن في ألمانيا .
من أهم مؤلفاته : – الحب والحب العذري ، فلسفة الأخلاق عند هنري برغسون، دراسات في الفلسفة الغربية الحديثة، النقد الذاتي بعد الهزيمة ، نقد الفكر الديني (1969) ، دراسات يسارية حول القضية الفلسطينية، الصهيونية والصراع الطبقي ، زيارة السادات وبؤس السلام العادل، الاستشراق والاستشراق معكوساً (1981)، الآيات الشيطانية عند سلمان رشدي في سياقها الإسلامي (باللغة الإنكليزية) ، عسر الحداثة والتنوير في الإسلام (باللغة الألمانية)، هل يقبل الإسلام العلمنة (باللغة الفرنسية)، الأصولية الإسلامية، إعادة نظر (باللغة الإنجليزية)، المشهد من دمشق: سورية وعملية السلام مع إسرائيل (بالإنكليزية)، الإسلام والغرب اليوم (بالإنجليزية والألمانية) ، الآيات الشيطانية بعد أن هدأت الضجة (بالإنكليزية)، الإسلام والعلمانية ، دفاعاً عن المادية والتاريخ، ذهنية التحريم (1992) ، ما بعد ذهنية التحريم ، ما العولمة؟
هذا وترجم العديد من أعماله إلى اللغات الفرنسية والفارسية والتركية والإيطالية والألمانية والهولندية والسويدية والنرويجية والإنكليزية .
في ما يلي نقدم للقراء ما كتبه صادق جلال العظم عن نفسه :
“كثيراً ما طُلب مني تقديم معلومات عن نفسي لأسباب شتى، منها المهني ومنها العلمي ومنها الأمني، لكن هذه هي المرة الأولى التي يتوجه إليّ أحد بطلب لأقوم بتقديم نفسي بنفسي إلى الآخر. وجدت في الطلب تحدياً لا بأس به، لأنني سأكون أنا الذات والموضوع في اللحظة ذاتها. لن أقدم نفسي على طريقة البوح بمكنونات النفس وأسرار الحياة، أو بسرد الاعترافات بكل ما هو حميم وشخصي وخاص، أو عبر الجرأة الزائدة على الذات. هذا ليس أسلوبي وأريد أن أحتفظ بالكثير لنفسي ولذاتي بعيداً عن أعين الغرباء؛ وإلا فما معنى أن أكون ذاتاً لنفسها وليس لغيرها فحسب؟ فإذاً: لا بوح، لا اعترافات، لا وجدانيات، لا غراميات، لا وشوشات، لا استغابات، لا نسائيات، لا نميمة، لا عواطف أو انفعالات، بل شخصية عامة تحتفظ لنفسها دوماً وللأقربين أحياناً بخصوصياتها وحميمياتها واستمتاعاتها وطرائفها وسقطاتها ومباذلها.
أعيش كمفكر ومراقب وناقد في الحاضر بكل كثافته وتحولاته ومشاريعه. ولذا، لا أحن إلى خـبز أمي، لأنني راشد قطع حبل السرة منذ زمن بعيد، وقتل الآباء جميعاً في داخله لحظة الرجولة والنضج، وقبل تحدي كسب خبزه اليومي بجدارة وثقة بالنفس، وفضّل المسؤولية الفردية، بكل قلقها وأعبائها، على أمن الجمـاعة، كما فضّل الحرية الشخصية، بجليدها ومجازفاتها، على العــودة إلى دفء الرحم الأول.
لا أبكي على الأطلال لأنني ابن عصري بإنجازاته وانهياراته، بفتوحاته وجرائمه، باكتشافاته وشناعاته، باختراعاته ومباذله. ولا أمشي برأس «مندارة» إلى الوراء لأنني أحيا زمني، وزمني هو الذي يعطي المعنى للتطلع إلى الوراء، وإلا فلا طائل أو نفع أبداً من هذا الوراء. ولا تملأ رائحة الياسمين خياشيمي حين أزور باريس لأنني أصر على التمتع حتى الثمالة بباريس وروائحها الحية تاركاً ورائي كل ما هو غير باريس في تلك اللحظة. ولا تشتعل نار ما في رأسي حين أتبختر في شوارع نيويورك ـ ومانهاتن تحديداً ـ لأن غرضي هو التجربة الأولى في حاضرة العالم الحي اليوم والإحساس الأفضل بالحضور في عاصمة المعاصرة. ولا ألعب أبداً لعبة اشتقاق الحلول لمعضلات عالمي العربي الراهن مما يسمى بـ«التراث»، لأن علوم زمني وثقافة زمني وأفكار زمني ومشاريع زمني هي التي تفسر التراث وتحتويه وتعطيه معناه وتقدم الحلول لمشكلاته، وليس العكس على الإطلاق.
يعني هذا أيضاً أنني شخص أممي، أي «كوزموبوليتي» بالمعنى اليوناني الأصلي للعبارة، كما قصد إليه الفيلسوف القديم ديوجينوس، أي «المواطن العالمي»، أو الإنسان الذي يشعر حقاً بأن عالم الإنسان كله هو وطنه بلا ضفاف أو حدود، وذلك لأسباب فلسفية وثقافية وعلمية كلية جامعة تسمو فوق القبيلة والعشيرة والمدينة والدين والمذهب والطائفة وسجن اللغة والمحلة، وقبل كل شيء فوق صدفة مكان مسقط رأسي وزمانه ومكانته.
هذه فكرة إنسانية قديمة هائلة وعظيمة، ويبدو أن زمانها قد جاء أخيراً وحان تدريجاً في عصرنا الحاضر، وأنا جزء واع كل الوعي من هذا العصر. كوزموبوليتيتي هذه تحمي وطنيتي المحددة ومواطنيتي المتعينة من التعصب والعماء، ومن أمراض التضخم الأجوف للذات الفردية والجماعية، كما إن وطنيتي هي التي تحمي كوزموبوليتيتي من أخطار التجريد المتعالي إلى حدود الفراغ. وأنا على استعداد، بالتالي، للانتماء براحة وسهولة وألفة إلى مجتمع مدني عالمي أو دولي، إن هو تشكل وأخذ أبعاده الحقيقية، إلى جانب انتمائي العفوي والتلقائي والطبيعي إلى بلدي ومدينتي وثقافتي المعروفة كلها.
أقدم نفسي كمثقف ومفكر وكاتب حاول ما استطاع الاقتداء بالحكمة السقراطية القائلة بأن الحياة غير المفحوصة جيداً غير جديرة بأن تعاش أصلاً، علماً بأن عملية الفحص هذه لا تنحصر في حياة الأفراد والأشخاص والنخب وحدها، بل تتعدى ذلك لتشمل حياة الجماعات والمجتمعات والثقافات والمؤسسات التي ما زال فيها شيء من حراك، أو بصيص من أمل. أما الأداة السقراطية الرئيسية في عملية الفحص والامتحان هذه فهي العقل بمعناه التساؤلي والنقدي والسجالي والمعياري والأداتي مع رفضي كل محاولة لرفع أي موضوعات، مهما كانت، فوق مثل هذا الفحص، أكان فردياً أم جماعياً، باسم توجه الناس نحو السماء وباسم القداسة والمقدسات، على طريقة الدكتور محمد أركون المعهودة. وجدت بالتجربة كذلك إن عملية الفحص ذاتها كانت، في الواقع، تثير من الأسئلة والتساؤلات وتبرز من المشكلات أكثر مما كانت تزودني به من الإجابات الشافية أو الحلول الناجزة. لكنني قبلت بهذه النتيجة القلقة وعايشتها على الدوام، أولاً باعتبارها من طبيعة واقع الحياة بعيداً من كل خلاصيات ومطلقات وغيبيات ودوغمائيات، وثانياً باعتبارها حافزاً رئيساً على الاستمرار في الفحص والبحث والفهم والنقد والتمعن إلى ما لا نهاية.
أحاول أن أحيا قدر الإمكان حياة العقل والتعقل والعقلانية في شؤوني الخاصة كما في الشأن العام. أما مدى نجاحي أو إخفاقي (أو شيء ما بين البينين) في هذا السعي، فهو مسألة لم أحسمها بيني وبين نفسي بعد، تماماً كما أنني لم أحسم إلى اليوم هل إن هذا النوع من الحياة جدير بأن يعاش ويمتدح حقاً وفقاً لما علّم سقراط؟ أقول هذا عن نفسي لأنه لا رغبة لديّ في مصادرة حق الآخرين، بأي صورة من الصور، في انتقاء أساليب حياتهم وفي تحديد اختياراتهم وفي ابتداع توجهاتهم الخاصة والعامة عند صنع أنفسهم وتحديد مصائرهم في رحلة الحياة.

وجدت بالتجربة الحية أن ممارسة الحكمة السقراطية ذاتياً وعلى العموم تستدعي الحرية والدفاع عنها، وتتطلب النقاش والإقناع والاقتناع وليس الوعظ والتلقين والفرض، وتحتاج إلى حس نقدي عال وإلى محاولة كل فرد منا، ككيان مستقل وكذات عاقلة وكطاقة فاعلة وليس كقطيع، التوصل إلى تشكيل قناعاته الخاصة عبر إجراء محاكماته الشخصية واستخلاص استنتاجاته الملائمة بنفسه. لذا لم أحب أبداً المريدين والأتباع والحفظة وشيوخ الطرق (بعمامة أو من دونها) والمقلِّدين والمقلَّدين والوعاظ وعبدة الشخصيات، وفضلت عليهم دوماً الزملاء والأنداد والخصوم والنقاد والأصدقاء، بخاصة إذا كانوا من أهل البحث والعلم والنقاش والسجال والجدال والمراجعة والاختلاف ورد الصاع صاعين إن اقتضت الحاجة.

في تقديم نفسي هذا الكثير من النمذجة الواعية التي ننشئها عادة من مكونات مجريات الحياة وعناصرها ونثرياتها، لنعود إلى قياس الحياة ذاتها على تلك النماذج، والى امتحان النماذج نفسها مجدداً على مجريات الحياة إياها بكل تطوراتها وتفاعلاتها وتجديداتها. أنا شخص حاول عبر هذه النماذج والتجريدات أن يستوعب العالم الكبير المحيط به وأن يفهمه وأن يفعل فيه فعله أيضاً. كما حاولت في حياتي الشخصية والعملية والمهنية والفكرية والثقافية والكتابية أن أقترب من هذه النماذج وأن أتشبه بها وأن أتفاعل معها وأن أحاكمها وأنتقدها أيضاً، كما عملت على أن أحياها، إلى هذا الحد أو ذاك، ممارسة وتطبيقاً وفعلاً. أعتقد أني نجحت إلى حد معين في مسعاي ـ وأترك تقدير منسوب ذلك الحد ومستواه إلى الغير ـ كما أعتقد أني بعيد كثيراً عن أن أكون قد أخفقت إخفاقاً كاملاً على هذا الصعيد، وبالتأكيد لا أعتذر عمّا فعلت”.