الخميس: 25 فبراير، 2021 - 12 رجب 1442 - 10:36 مساءً
ملفات
الأربعاء: 26 أبريل، 2017

عواجل برس _ متابعة

 

وحيد غانم

 
ينتشر السماسرة أو “الدلّالون” كما يطلق عليهم في تقاطعات الطرق بين عيادات الأطباء والصيدليات والمختبرات يرقبون المارّة ويعرضون خدماتهم متصيّدين المرضى لصالح من يدفع لهم المال من الأطباء.
فجأة وجد طبيب أخصائي في العظام ومعالجة الكسور نفسه ميتا دون أن يعلم بالأمر، إذ كان في رحلة خارج العراق، ولكنه مات في نظر مراجعيه والمرضى الذين يقصدون عيادته في منطقة العشّار، ولم يعد له وجود، ما اضطرهم إلى متابعة العلاج لدى طبيب آخر.
يقول الطبيب الذي حبّذ عدم ذكر اسمه خشية انتقام السماسرة منه لموقع “نقاش” حول ما حدث “زارني أحد مرضاي ولديه موعد دوري كل شهرين وبدا مشدوها لأني ما زلت على قيد الحياة، قال إن أحد الدلالين أخبره بوفاتي منذ شهر وعرض عليه الذهاب إلى عيادة طبيب آخر، لكنه فضّل الاستفسار في المستشفى الذي أعمل فيه وتأكد هناك من عدم صحة الخبر”.
ويضيف “هذه ظاهرة سلبية ليس لها مثيل في بقية المحافظات، فالدلّالون ينتشرون بين عيادات الأطباء ويتلقفون المراجعين من الشارع، فإذا أخبرهم المريض أنه قادم لمراجعة الطبيب الفلاني يوهمونه بعدم وجوده وأنه انتقل إلى عيادة أخرى عنوانها مجهول وهم لا يترددون في تشويه سمعة الطبيب الذي لا يدفع لهم بترويج شائعات عن عدم كفاءته، مستغلين جهل الناس البسطاء فيرسلونهم إلى طبيب آخر ويحصلون على نسبة من أجور الفحص”.

ظاهرة سلبية
يقول عبدالله قاسم وهو مضمد إن الأطباء يستعينون بمن يعملون معهم في المستشفيات لمساعدتهم في عياداتهم واستدراج المرضى، ويبرر ذلك بالقول “هناك تنافس محموم بين الأطباء في المناطق المكتظة فإذا كانت أجرة الكشف لدى أخصائي الباطنية 25 ألف دينار فإنه يعطي للدلّال عشرة آلاف دينار من أجل جلب مريض إضافي”.
ويضيف “الأمر لا يقتصر على الأطباء الجدد بل يتعداه إلى الأطباء المعروفين، أنا شخصيا أعرف جراحا أخصائيا يعطي أجرة الكشف كلها إلى الدلال ويستعيدها من المريض بطرق أخرى”.
يقول أخصائي الباطنية الدكتور عبدالحميد عبدالمجيد إن هناك طرقا غير إنسانية يستخدمها بعض الأطباء ويؤكد “معظم ضحايا الدلّالين هم من الفقراء وسكان أطراف المحافظة والقرى النائية وأحيانا يستغل الطبيب جهلهم ويخبرهم بتشخيص غير صحيح لغرض إجراء فحوصات إضافية كالأشعة والسونار والفحوصات المخبرية ويكون على اتفاق مسبق مع تلك المختبرات وله نسبة ربح معينة يعوّض بها ما يدفعه للسمسار”.
يكشف عبدالمجيد بعض أساليب السماسرة في إقناع المرضى ويقول “إنهم يروّجون أكاذيب عديدة لإبعاد المرضى عن طبيب معين وجذبهم إلى آخر يجزي لهم الدفع، كالقول إن الطبيب الفلاني متقاعد ولا يعمل في مستشفى، بينما الآخر طبيب ممتاز ويعمل في اللجان الطبية التي من صلاحيتها منح الإجازات إلى الموظفين”.
ينتشر معظم السماسرة في منطقة العزيزية بالعشار التي تضم عيادات الأطباء والمختبرات والصيدليات، ومع أن الجهات الأمنية قامت بحملة اعتقالات لهم بعد تصاعد شكاوى الأطباء إلا أنه سرعان ما أخلي سبيلهم بسبب تدخل جهات حزبية وشيوخ عشائر وأطراف نافذة.
يقول الصيدلي شوقي صادق إن المكان مختنق بعد قطع أوصال المنطقة بالمفارز الأمنية ومنع مرور العربات منذ سنوات لدوافع أمنية ما أثر على عملهم.
ويوضح، “تراجع عملنا بنسبة 60 بالمئة عما كان من قبل، وفي المقابل ازدادت الضرائب علينا. نحن ندفع حاليا أكثر من 4 ملايين دينار سنويا، كما تضاعفت تكاليف الإيجار، وهو ما دفع بعض الأطباء وأصحاب المختبرات والصيادلة إلى الاستعانة بالسماسرة لزيادة أرباحهم”.

معظم ضحايا الدلّالين هم من الفقراء
ويتعذر على المرضى المتعبين قطع الشوارع المغلقة سيرا على الأقدام، لذلك اضطر الكثير من الأطباء ولا سيما المعروفين منهم إلى الرحيل، وبعضهم حصل على عروض مغرية من الصيادلة للانتقال إلى منطقة الساعي التي تمتاز بشوارع واسعة وبنايات حديثة، وتتمثل هذه العروض في دفع إيجار عياداتهم مقابل احتكار وصفة العلاج التي يوصي بها الطبيب لمرضاه.
مع ذلك مازالت تنتشر في منطقة العزيزية أكثر من مئة صيدلية وعدد لا يستهان به من عيادات الأطباء والمختبرات وعيادات الأشعة رغم تراجع أعداد المرضى نتيجة غلق المنطقة.
وفي مقابل السماسرة انتشرت ظواهر أخرى كاعتماد بعض الأطباء في عياداتهم على أجهزة أشعة أو سونار أو مفراس دون أن يكونوا مختصين في ذلك، ما أثر سلبا على عمل اختصاصيي المختبرات والفحوصات إضافة إلى عواقب التلوث.
ويعزو رئيس نقابة الأطباء الدكتور مشتاق أبوالهيل تلك الممارسات التي وصفها بـ “اللاأخلاقية والمخجلة ” من بعض الأطباء وجهات أخرى إلى غياب دور النقابة منذ عام 2003 ، وانفصالها عن المركز العام في بغداد وعدم دعمها من الحكومة المحلية.
الدكتور أبوالهيل الذي جرى انتخابه في نهاية 2016 يؤكد على اتخاذ إجراءات رادعة في حق الأطباء المخالفين للقوانين ويقول “عممنا تبليغا بالالتزام بقانون الأطباء والمادة 15 وخاصة الفقرة الثالثة منه، التي تمنع منعا باتا التعامل مع السماسرة ويتحمل الطبيب المخالف المسؤولية التي تصل إلى حدّ إغلاق العيادة”.
ويضيف حول ظاهرة السماسرة “نلقي باللائمة أولا على الأطباء، ونحن نعرف أسماء الذين يستخدمون سماسرة وقد وجهنا لهم إشعارا مفصلا، وسنستعين بسلطة الحكومة المحلية لاتخاذ ما يلزم من أجل ردع الأطباء والسماسرة على السواء”.
في ساعة الذروة عند المساء يتحرك بعض السماسرة بخفة معترضين سبل المرضى عارضين عليهم المساعدة، وغالبا ما يكونون شبابا متعلمين، معتنين بهندامهم ويمتلكون قدرة على الإقناع، لكنهم خلف لباقتهم لا يسمحون بشيء حتى من الأطباء في اعتراض رزقهم، مثلما فعل السمسار الذي بث خبر وفاة طبيب معالجة الكسور الذي فوجئ بخبر وفاته من مرض.