الثلاثاء: 11 ديسمبر، 2018 - 01 ربيع الثاني 1440 - 10:09 مساءً
دفاتر
الخميس: 6 ديسمبر، 2018

عواجل برس/متابعة

“بغداد مبغى كبير” بهذه الجملة الشعرية الصادمة يفتتح الشاعر بدر شاكر السياب قصيدته «المبغى» مُؤسسًا – وبجرأة غير معتادة – الهجاء الاجتماعي لمدينة طالما تغنى بها الشعراء وأرّخوا لها بقصائد خالدة.

لكن هل كانت بغداد يومًا ما مبغىً كبيرًا بالمعنى الاجتماعي، لا الشعري لجملة السياب؟ نحاول الكشف عن وجه بغداد الآخر وتاريخها – المسكوت عنه – في البغاء والدعارة في رصد تاريخي اجتماعي لتلك الظاهرة التي كانت جزءا من تاريخ الحياة في بغداد القديمة.

الدعارة في بغداد برعاية بريطانية

مع دخول الجيش البريطاني إلى بغداد عام 1917 انتقلت مهنة الدعارة إلى المرحلة العلنية، وصار للـ«عاهرات» تجمعات سكنية عُرفت عند البغداديين بــ«الدرابين» أي الأزقة الضيقة ذات المدخل الواحد، ونظّم الاحتلال البريطاني عمل «العاهرات» بقوانين، وأصدر لهنَّ هويات خاصة، وإجازات رسمية، كما ألزمهنَّ بإجراء فحوصات طبية دورية.

أمّا «القوّاد»، أو «السمسير» كما يُعرف باللهجة العراقية، فكانت تقع عليه غرامة مالية إن هو قام بتشغيل «عاهرة» لا تملك هوية دعارة، أو فحصًا طبيًا، وأكثر من ذلك؛ فقد فرضت سلطة الجيش البريطاني ضريبة على الداخلين إلى أماكن الدعارة؛ حيث يُعطى الزبون وصل مرور يسميه العراقيون «باص»، وهو مأخوذ من الكلمة الإنجليزية «pass»

الكلجية أو كوك نزر هما اسمان لمحلة واحدة تعد أشهر أماكن الدعارة في بغداد؛ حيث تتوسط هذه المنطقة ساحة الميدان الشهيرة، وينتهي عندها أهم شارعين رئيسين في بغداد، هما: الرشيد والجمهورية، كما أنها كوك نزر أو الكلجية، تقابل مبنى وزارة الدفاع القائم الآن.

الكلجية، كما يورد الدكتور معتز محيي عبد الحميد في بحثه الموسع عن تاريخ البغاء السري والعلني في بغداد، هو اسم لأحد تشكيلات جيش هولاكو التي اتخذت من ذلك المكان مقرًا لها بعد اجتياح بغداد. أما كوك نزر فيعود أصل التسمية إلى قائد المدفعية الأرمني في الجيش العثماني لازار الذي طلب من السلطان مراد الرابع عند دخول بغداد قطعة أرض لبناء كنيسة للأرمن الأرثوذكس، وبالفعل تم له ذلك؛ فسُميت المحلة بـكوك لازار: أي قطيعة لازار.

أشهر القوادين في تاريخ بغداد

أشهرهن هي حسنة ملص، وذاع صيتها في أربعينات القرن الماضي باعتبارها أشهر قوّادات محلة كوك نزر، كما أنَّ اسمها قد ارتبط بالخلاف بين القوميين الناصريين في العراق والشيوعيين؛ حيث يتداول العراقيون حادثة طريفة في عهد زعيم الجمهورية الأولى الشيوعي عبد الكريم قاسم، عندما تبادل القوميون والشيوعيون الشتائم في الصحف وأجهزة الراديو؛ فأرسل الشيوعيون رسالة إلى إذاعة صوت العرب في مصر مفادها أنَّ الشيوعيين اعتقلوا المجاهدة حسنة ملص ونكلوا بها، فخرج المذيع الشهير أحمد سعيد آنذاك – دون أن يعرف حقيقة حسنة ملص – وهو ينادي عبر إذاعة صوت العرب: «إذا ماتت حسنة ملص.. فكلنا حسنة ملص».

صورة من حيّ كوك نزر، يُرجح أن الجالسة إلى اليسار هي حسنة ملص، المصدر: موقع الإعلام العراقي

هناك كذلك من يعرفن ببنات مراد، وهنَّ أربع أخوات قوّادات، ريجينه ومسعودة وروزة وسليمة، أشهرهنَّ وأكثرهنَّ ثراءً وسطوة هي ريجينة، حيث كان يرتاد بيت الدعارة الخاص بها وببناتها بعض ساسة العراق آنذاك، أما سليمة مراد، أو سليمة باشا، فقد تزوجها الفنان العراقي ناظم الغزالي قبل وفاته بثماني سنوات، وهنالك شكوك ما زالت قائمة حتى الآن حول قيام سليمة مراد مع إحدى أخواتها بقتل ناظم الغزالي بالسم.

بعد أن نظمت وزارة الشؤون الاجتماعية في العراق عمل «العاهرات» وسنت لذلك قوانين واشتراطات لمن تريد إجازة رسميةً من الدولة لممارسة الدعارة، شرَّعت أيضًا قوانين لمن يريد العمل قوادًا، واشترطت على كل متقدم للحصول على مهنة قواد أن يكون حسن السلوك، ولا يمتلك سجلًا إجراميًا، أو متهمًا بقضية جنائية، أو عليه جنحة.

وقد يكون داود اللمبجي النموذج الأمثل للقوّاد المثالي بالنسبة لوزارة الشؤون الاجتماعية؛ فداود هذا كان موظفًا في الدولة العراقية، وجاءت كنيته «اللمبجي» من عمله في البلدية، وتخصصه في إنارة مصابيح الشوارع بالليل، حيث يخرج كل مساء ليملأ مصابيح الأزقة أو «اللمبات» كما تسمى باللهجة العراقية، يملؤها بالزيت ثم يشعلها، أما بالنهار فهو يدير شؤون «العاهرات» وينظم مجيء الزبائن ودخولهم إليهن.

وهناك كذلك رور، وهو قوّاد آخر ذاع صيته في بغداد، وأصبح مختارًا لمنطقة الكلجية، ومن أخباره أنَّه كان يتجول في أحياء بغداد مرتديًا الزي العربي – الغُترة والعقال – متشبها بشيوخ قبيلة الدليم؛ حيث تنحدر أصوله من بلدة الصقلاوية في محافظة الأنبار التي كانت تُسمى حينها بلواء الدليم.

حين مات داود اللمبجي لم يخرج أحد في جنازته غير «العاهرات»، وعندما مرَّ موكب التشييع من أمام أحد مقاهي بغداد سأل رجل كان يجلس في المقهى عن الجنازة وغرائبيتها، فحدثه الناس عن الميت والمشيعين. السائل كان عبود الكرخي أشهر الشعراء الشعبيين في العراق حينذاك، فكتب قصيدة يرثي بها القوّاد داود اللمبجي، ويصف حال زوجته فطومة الصمنجي. وفطومة هذه كانت في ثلاثينات القرن الماضي عشيقةً لكاتب عدل مدينة بغداد حسين فخري، وكانت إحدى مومسات بغداد أيضًا. أما قصيدة مُلا عبود الكرخي فقد صارت من التراث الشعبي للبلاد، وغناها قارئ المقام الشهير يوسف عمر

السياسة لا تغيب عن أسرة «العاهرات»

انتقال العراق من الملكية الى الجمهورية وتتابع الانقلابات، ثم الحروب؛ أثّر على هوية «العاهرات»، وجعلهن يتنبهن لوضع الدولة الجديد، فبعضهن غيرن أسماءهن تماشيًا مع العهد الجديد، فمثلًا: يذكر خضير فليح الزيدي في كتابه «شاي وخبز» أنَّ «عاهرة» قابلها وتعرف عليها في بغداد بعد إعلان الجمهورية الأولى سنة 1958 – والذي جاء نتيجة لانقلاب الضباط الشيوعيين على العائلة المالكة – كانت تسمي نفسها جمهورية تيمنًا بالجمهورية العراقية، وتحدَّث خضير عن وقاحة جمهورية وتسلطها على زبائنها، وكيف كانت تشتمهم على السرير وتحتال عليهم؛ حتى انتهى بها الأمر قتيلة في فراش الدعارة.

الحرب العراقية الإيرانية كان لها أثرها أيضًا على أسماء «العاهرات» وألقابهن؛ فالجنود العائدون من جبهات القتال بعضهم كان يتردد في إجازته إلى بيوت الدعارة، وعندما أصبح ذلك شائعًا بين الجنود، صار الناس يطلقون الألقاب العسكرية على «العاهرات» اللاتي يتردد إليهن الجنود، فمثلًا كانت «صبيحة مقاتل» «عاهرةٌ» شهيرة في منطقة أبوغريب، وأخرى كانت تدعى أم خليل نسبةً إلى اللقب الذي يطلقه العراقيون على الجندي في الجيش العراقي «أبو خليل».

لم تكن بغداد مهيأة لفيضان نهر دجلة عام 1938، وعندما حدث ذلك بالفعل، وتسبب الفيضان – في إحدى ليالى العاصمة – بانهيار سدة ناظم باشا في مدينة الوزيرية، كانت بغداد على وشك الغرق، وعن هذه الحادثة يروي معاون قائد شرطة بغداد عدنان محيي الدين كيف أن قائد الشرطة بهجت الدليمي طلب منه استنفار الناس من البيوت والشوارع لترميم السدة بالتراب والطين قبل حلول الكارثة.

ولأنَّ لا أحد كان في الشوارع، فقد توجه مباشرة إلى أزقة كوك نزر حيث تعج بـ«العاهرات» والزبائن، وحملهم بسيارات الشرطة إلى موقع السدة، وبالفعل تمكنت «العاهرات» وزبائنهن من إغلاق الثغرة بالتراب، ونجت العاصمة من الفيضان. وقد استدعى هذا العمل البطولي أن يوجه قائد الشرطة كتاب شكر لـ«عاهرات» كوك نزر.

إلى السرية مرة أخرى

لم يدم مجد «العاهرات» طويلًا في بغداد؛ فبعد أن امتدت ظاهرة أحياء الدعارة إلى مدن أخرى مثل البصرة والموصل أوصى الشيخ جلال الحنفي في برقية إلى الحكومة عام 1943 بعد زيارة له إلى مبغى البصرة بإغلاق بيوت الدعارة في المدن الثلاث.

واصل الشيخ الحنفي حملته ضد الدعارة وسماسرتها، واشتدت الحملة عام 1946، بعد أن انضم إليه وزير الخارجية آنذاك الدكتور محمد فاضل الجمالي، لكنَّ الضربة القاضية جاءت بعد أن أصبح الجمالي رئيسًا للوزراء عام 1953؛ حيث أمر الجيش بهدم بيوت «العاهرات» وإزالة محلة الكلجية، وقد تم ذلك بالفعل ومُنع البغاء رسميًا عام 1955 مع انضمام العراق إلى اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بمنع الإتجار بالبشر.

مهدت إحصائيات جمعية الخدمات الدينية والاجتماعية لنكبة «العاهرات»؛ ففي كرّاس لها نشرته عام 1952 ذكرت أنَّ جميع «عاهرات» حي كوك نزر البالغ عددهن 314 «عاهرة»، مصابات بأمراض جنسية مختلفة، أهمها الزهري، وشرحت في الكرّاس حالة الحي القذر الذي يفتقر إلى المرافق الصحية والمراحيض العامة، حيث الناس تتبول في الأزقة ومجاري المياه الآسنة التي تفيض بها شوارع الحي.

ليس هذا وحسب؛ ففي سجلات مركز الوقاية الصحية الخاص بمبغى كوك نزر ولعام 1939 فقط وثقت وزارة الصحة زيارة 1,049,670 زبونًا إلى المبغى، أي ما يعادل 87,472 زبونًا في الشهر، وهذا يعني أنَّ 2,915 يدخلون بيوت الدعارة يوميًا، والبالغ عددها 100 بيت، وبحسابات رياضية بسيطة نكتشف أنَّ كل «عاهرة» من 314 تضاجع ما متوسطه تسعة رجال يوميًا، هذا كله في 12 ساعة، وهي ساعات العمل المسموح بها في المبغى.

عادت الدعارة مجددًا إلى المرحلة السرية بعد العقد الذي تلا إعلان الجمهورية الأولى وتوالي الانقلابات، واتخذت «العاهرات» طرقًا بديلة لممارسة البغاء، منها الحفلات والدعوات الخاصة إلى البيوت، واللجوء إلى النوادي الليلية، ومن أشهر هذه النوادي مقهى السبع الذي شُيّدَ في منطقة الميدان قريبًا من محلة كوك نزر، واشتهر المقهى بعد حادثة قَتل وقعت فيه عرُفت في الصحافة بـ«فاجعة نعيم»، وحيث كان القتيل شابًا حلبيًا اسمه نعيم، جاء به من حلب إلى بغداد رجل يهودي يدعى سليم  ليرقص في مقهى سبع، ويمارس الجنس مع رواد المقهى المثليين، غير أنَّ سليم أطلق النار على نعيم في ليلة ماجنة وأرداه قتيلًا، فرثاه الشاعر معروف الرصافي بقصيدة عنوانها «اليتيم المخدوع» يقول في مطلعها:

قضى والليلُ معتكرٌ بهيمُ

ولا أهلٌ لديهِ ولا حميمُ

قضى من غيرِ باكيةٍ وباكٍ

ومن يبكي إذا قُتلَ اليتيمُ

قضى غض الشبيبة وهو عفٌ

مطهرةٌ مآزره كريمُ

ظلت الدعارة سريةً بعد هذا، غير أنَّ الدولة في عهد حزب البعث منعت تداول المعلومات بشأن مواخير البغاء، ووفر قادة كبار وقيادات في الحرس الجمهوري الحماية والتغطية لبعض المناطق التي تنشط فيها ظاهرة الدعارة، مثلشارع البتاوين في وسط بغداد، وقضاء أبوغريب الذي يقع فيه السجن الشهير (سجن أبوغريب).

بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 ظلت الدعارة سريةً، وفي أماكن معلومة عند العراقيين، كشارع البتاوين، ومنطقة الطوايل التي كانت قبل الاحتلال إسطبلات للخيول؛ فتحولت إلى موطن للغجر الرُحّل، وهي الآن شبيهة بكوك نزر، غير أن الدعارة فيها ليست مُعلنة، ودخولها يتطلب ترتيبات سِريَّة عالية

البغاء «طقس ديني» في العراق القديم

في العراق القديم كان على كل امرأة مولودة في بابل أن تدخل إلى فناء هيكل الإلهة ميليتا مرّة في حياتها، وتضاجع رجلاً غريبًا، وكانت النساء الغنيات والمرموقات يأتين في عربات مقفلة مع العديد من الخدم ويتوقفن أمام الهيكل، أما أكثر النساء فكنَّ يجلسن في فناء المكان المخصص للآلهة المفصول بشريط ويتناوبن على  المكان، ويدخلنه معصّبات رؤوسهنّ بشريط من أجل تمييزهنّ.

كان الغرباء يدخلون ويختارون من بين النساء، وكان يُمنع على كل امرأة أخذت مكانًا لها أن ترجع إلى بيتها قبل أن يرمي لها أحد الغرباء بعض المال، فتذهب معه إلى خارج الهيكل في مكانٍ ما، وتستسلم له.

وحين يعطيها الغريب المال يقول لها: «أُصلّي كي تكون الآلهة ميليتا نصيرة لك» ولا تستطيع المرأة أن ترفض أحدًا مهما كان السعر بخسًا؛ إذ كان المال مقدسًا، وحين تترك الغريب بعد مضاجعته تأخذ صكًّا من الهيكل، يؤكد بأنّها قد أتمّت هذا الواجب الديني للآلهة، وتنسحب بعد ذلك إلى بيتها.

وكانت النساء الجميلات يتخلصن من هذا الواجب بسرعة، أما اللواتي لا يتمتعن بالجمال الكافي فكنّ يمكثن طويلًا قبل إتمامه، وربما انتظر بعضهن ثلاث أو أربع سنوات.