السبت: 31 أكتوبر، 2020 - 14 ربيع الأول 1442 - 07:27 مساءً
دفاتر
الأحد: 29 يناير، 2017

وصل رئيس الوزراء التركى «عدنان مندريس» إلى العاصمة العراقية بغداد يوم 12 يناير 1955، وفى اليوم التالى «13 يناير» تم الإعلان عن أن البلدين قررا عقد اتفاق عسكرى بينهما، يرمى إلى «تحقيق التعاون وكفالة الاستقرار والأمن فى الشرق الأوسط»، وكان ذلك بمثابة المرحلة الأخطر فى معركة «حلف بغداد»، وهو الحلف الذى طرحته «بريطانيا»، وقاومته مصر بشدة وصممت على إجهاضه.

 

 

حمل هذا الإعلان معنى أن العراق دخل فى حلف عسكرى مع تركيا وباكستان، وخرج من النطاق العربى، حسب تأكيد محمد حسنين هيكل فى كتابه «ملفات السويس»، مما أدى إلى ردود فعل غاضبة فى دوائر عربية يرصدها «هيكل» فى «اندلاع مظاهرات عنيفة فى سوريا قادها حزب البعث السورى ضد سياسة الأحلاف، وإصدار أحزاب المعارضة فى العراق بيانا تعارض فيه انضمام العراق إلى حلف غير عربى، وأصدر الملك سعود من الرياض نداء إلى نورى السعيد، رئيس وزراء العراق، يناشده فيه الإبقاء على وحدة العرب، وفى مصر صدرت دعوة لرؤساء الحكومات العربية بالاجتماع فى القاهرة لبحث الموقف، وتحدد يوم 22 يناير «مثل هذا اليوم» عام 1955 موعدا للاجتماع لبحث الموضوع».

 

 

قالت مصر فى بيان دعوتها للاجتماع: إن انفراد العراق بالدخول فى حلف عسكرى خارج إطار الدول العربية يهدد كيان الجامعة العربية، وأنها تدعو إلى الاجتماع لأنها لا تزال تؤمن بالتعاون مع العرب جميعا، وبعيدا عن النفوذ الأجنبى المتمثل فى سياسة الأحلاف.

 

 

استشاط نورى السعيد غضبا من الدعوة المصرية، فرد من بغداد عليها بأنه لن يحضر اجتماع رؤساء الحكومات العربية، الذى دعت إليه الحكومة المصرية فى مقر الجامعة العربية، وكانت حجته «أن هذا الاجتماع تدخل فى الشؤون الداخلية للعراق وحجر على استقلاله وحريته فى التصرف»، وفى يوم 22 يناير حضر المدعوون جميعا إلى القاهرة، وقاطع العراق.

 

 

ظل الاجتماع منعقدا أسبوعين من «22 يناير حتى 6 فبراير»، ووفقا لـ«هيكل»: «كانت وقائعه صفحة من أعجب صفحات التاريخ العربى الحديث، كما أن مناقشاته عكست صورة حية للتيارات الظاهرة والخفية فى العالم العربى وقتها، وكانت متصارعة ومتداخلة واضحة وملتوية فى نفس الوقت».

 

 

كان جمال عبدالناصر هو رئيس الوفد المصرى، وبالتالى كان عليه رئاسة المؤتمر، وحسب هيكل: «قبل موعد الجلسة الأولى بساعة واحدة، تلقى برقية من نورى السعيد تخطره باعتذاره عن الحضور بسبب مرضه، ويبدو أن «نورى» كان لا يتوقع إمكانية انعقاد المؤتمر أصلا فى غيبة العراق، وفى ظل ضغوط مكثفة مارستها لندن ومعها واشنطن فى عواصم عربية عديدة، حتى تقاطع هى الأخرى المؤتمر وتمتنع عن حضوره، فلما اجتمع المؤتمر فعلا لم يجد «نورى» مفرا من التعلل بالمرض».

 

 

وفى الافتتاح دخل الوفد اللبنانى القاعة يحمل رسالة من الرئيس اللبنانى كميل شمعون يخطر فيها المؤتمر بغياب «نورى السعيد»، ويقترح تفويض وزير خارجيته «فاضل الجمالى» للحضور بدلا منه، وبعد مناقشات ومداولات تقرر الموافقة على اقتراح «شمعون»، وبعد مشاورات واتصالات وصل وزير خارجية العراق، وحضر جلسات المؤتمر، ليقول أمامها: إنه ليس مفوضا بأكثر من إبلاغ المؤتمرين بوجهة نظر العراق وهى أن العراق يركز بشدة على حقه فى أن يرى بنفسه نوع المخاطر التى تتهدده، وأن له الحرية فى عقد اتفاق مع من يشاء من أطراف وكما يشاء.

 

 

فى المقابل شرح «عبدالناصر» آراء مصر فى الدفاع عن العالم العربى ضد الأخطار التى تهدده تفصيلا، وروى للمؤتمر وقائع اجتماعاته مع نورى السعيد، وكيف أنه فشل فى الوصول معه إلى حل يصون الحد الأدنى من وحدة العمل العربى، وكان الأمير فيصل بن عبدالعزيز يرأس وفد السعودية، واشترك مع عبدالناصر فى توضيح وجهة النظر العربية فى عدم جواز انفراد أى دولة عربية وحدها بموقف يضر بمصالح المجموعة، أما الوفد السورى برئاسة «فارس الخورى» رئيس الوزراء، فظل حائرا بين مصر والسعودية من جانب وبين العراق من جانب آخر، وكان يريد أن يرفض سياسة الأحلاف، ولكنه لم يستبعد كما قال أن تجىء حكومة أخرى بعد حكومته لتقرر أمرا آخر، وانتهى المؤتمر فعلا بعد خمس عشرة جلسة بغير نتيجة.