الخميس: 22 فبراير، 2018 - 06 جمادى الثانية 1439 - 10:59 صباحاً
ثقافة وفن
الثلاثاء: 19 ديسمبر، 2017

مما لا شك فيه، أن جميع الديانات السماوية والحضارات الإنسانية، قد وضعت لأتباعها نموذجاً لما يمكن أن نسميه بالإنسان النموذج.

ذلك النموذج، مع تغير تجلياته، ظل دائماً حاضراً في الثقافة الجمعية في كل دين أو حضارة، بحيث صار أهل تلك الحضارة دائماً ما ينزعون لتقليده أو متابعته، بغية الوصول لحالة من حالات الاكتمال والسمو، وحتى يتمكنوا من إثبات وجودهم أو نصب أنفسهم كأعلام المشرفة في مجتمعاتهم.

فما هي فكرة النموذج الإنساني في الحضارة العربية الإسلامية؟ وكيف طالته عددٌ من التغيرات العميقة في سياق المنافسات السياسية والفكرية؟ وما هي الطريقة التي استطاع المؤرخون المسلمون بواسطتها أن يقدموا صياغات ومقاربات توفيقية للحفاظ على مصداقية وشرعية تلك النماذج في الكثير من الحالات؟

في مرحلة صدر الإسلام: عندما اجتمع الدين والسياسة في نموذج واحد

منذ البدايات الأولى للإسلام، جرى التأكيد على وجود فصل تام ما بين الله، من جهة والبشر وجميع المخلوقات من جهة أخرى، وتناغم ذلك مع مفهوم الوحدانية المطلقة، ذلك الذي انفردت به الرسالة الإسلامية عما سبقها من أفكار ومعتقدات دينية، تحمل في طياتها أبعاداً تشبيهية للإله، مثل تلك التي ظهرت بشكل أو بأخر في اليهودية أو المسيحية.

ذلك الفصل تم التعبير عنه في القرآن الكريم، في العديد من الآيات، منها الآية في سورة الشورى: “ليس كمثله شيء”، وما ذكر في سورة النحل “ولله المثل الأعلى”، والذي علق عليه القرطبي في تفسيره، بقوله: “فلا تضربوا لله الأمثال أي الأمثال التي توجب الأشباه والنقائص، أي لا تضربوا لله مثلاً يقتضي نقصاً وتشبيهاً بالخلق، والمثل الأعلى وصفه بما لا شبيه له ولا نظير، جل وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً”.

من هنا ظهر ما يُعرف—تجاوزاً—بالكمال البشري، وهو ذلك الذي مُدح به الرسول الكريم، في سورة القلم عندما وصف بأنه “على خلق كريم”، وهي الآية التي اعتبرها المفسرون المسلمون على كونها تدل على كون الرسول قد بلغ أقصى غاية الكمال البشري فهو أتقى البشر وأعلمهم بالله، كما جرى التأكيد على ذلك، في قول الرسول نفسه، في حديث البخاري “إن أتقاكم وأعلمكم بالله لأنا”.

الاتفاق على حالة الكمال البشري التي وصل إليها الرسول ومن سبقه من أنبياء الله ورسله، سرعان ما انتهت بعدما توفي الرسول في العام الحادي عشر من الهجرة، حيث ظهر في ذلك الوقت سؤال مهم، وهو ذلك الذي استفسر أصحابه عمن يستحق خلافة الرسول في منصبه السياسي وقيادته الروحية لجماعة المسلمين.

 

ومع وصول أبي بكر الصديق لسدة الخلافة، بدأت الثقافة الإسلامية تتأقلم وتطور الاعتقاد بأن خليفة الرسول، هو الشخص الذي يستحق أن يرثه، ليس فقط في زعامته، ولكن أيضاً في كونه النموذج الأصلح الذي يجب الاقتداء به.

من هنا، نستطيع أن نفهم التراث الضخم من الأحاديث والآثار النبوية التي أكدت على مناقب الخلفاء الأربعة الأوائل، ذلك أن المخيلة الجمعية قد عملت على جمع تلك الأحاديث التي قيلت في أوقات مختلفة وظروف متباينة، للاستشهاد بها على اعتبارية الأشخاص الأربعة، كنماذج معيارية تدل على الكمال البشري، وإن كان بشكل أقل من نظيره الذي حظي به الرسول الكريم.

في الحقيقة، كانت سيرة الخلفاء الراشدين نفسها، قد صبت في مصلحة تدعيم ذلك النموذج، حيث عُرفوا بصفات الزهد والورع والتدين والحرص على طاعة الله والبعد عن المعاصي والموبقات، مع حسن السياسة والتدبير والحزم مع الولاة والشفقة على الرعية، مما جعل من سيرتهم الحياتية نموذجاً فعلياً للمسلمين على مر الأجيال والعصور، وذلك فيما يخص الدين والسياسة معاً.

لعل هذه الخلفية توضح الرفض المطلق لانتقاد الخلفاء الذي لا نزال نلحظه حتى اليوم، وكأن سيرتهم السياسية تتماهى مع هذه السردية التي تفترضهم نموذجاً للكمال الأخلاقي.

كيف افترق النموذجان؟

إذا كان النموذج السياسي مجتمعاً مع النموذج الديني، طوال فترة الخلافة الراشدة، والتي امتدت على مدار ما يقرب من الثلاثين عاماً، فإن ذلك الاجتماع والتماهي قد تعرض للتمزق والتفسخ بشكل عنيف بدءاً من عام 41هـ/661م.

ففي ذلك العام تحديداً، تم الاتفاق على الصلح ما بين الحسن بن علي ومعاوية بن أبي سفيان، وانتهت الحرب الأهلية ما بين المسلمين وبعضهم البعض، بعد أن تم تنصيب معاوية كخليفة، لتبدأ حقبة الخلافة الأموية.

في الواقع أن هذا العام، والذي عُرف باسم عام الجماعة، قد شهد انفصالاً ما بين النموذجين السياسي والديني عند المسلمين، وكان السبب في ذلك أن السلطة الأموية لم تكن تنظر إلى الحكم بنفس النظرة التي نظر بها الخلفاء الراشدون من قبل.

فإذا كان الراشدون قد اتخذوا من السياسة هدفاً لخدمة الدين ورعاية مصالحه، فإن الأموين اتخذوا سبيلاً مخالفاً، عندما جعلوا من الحكم في حد ذاته هدفاً وغاية، والتمسوا في سبيل ذلك مختلف الطرق، حتى تلك التي تعارضت مع أصول الدين وثوابته.

الفارق ما بين الراشدين والأمويين، تجلى بشكل واضح في خطابهم السياسي، ففي الوقت الذي وجدنا فيه ابن هشام في سيرته، يذكر أن أبا بكر قد خاطب المسلمين عقب استخلافه بقوله الشهير “أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم”، فإن ابن كثير يذكر في كتابه البداية والنهاية أن معاوية بن أبي سفيان لما دخل الكوفة بعد مبايعته بالخلافة، قال لأهلها “ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلوا ولا لتحجوا ولا لتزكوا، قد عرفت إنكم تفعلون ذلك، ولكن إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم ، فقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون”.

ذلك الانتقال الحاد، من الخلافة الراشدة إلى الخلافة الأموية، أدى إلى إثارة عدد من الثورات والاعتراضات في أوقات متباينة، حيث جرت بعض المحاولات للعودة لنموذج الخليفة الراشد الذي تمتزج في شخصه القيم الدينية والسياسية، ولكن لما كانت القبضة الأموية، ومن بعدها العباسية قد استطاعت أن تفرض سطوتها على مراكز القوى في الدولة، فإن تلك المحاولات الطوباوية قد آلت جميعها إلى الفشل الذريع.

هنا، وفي تلك الظروف تحديداً، جرى الفصل ما بين النموذجين، حيث جرى اعتماد نموذج للأخلاق السياسية، وتمثل هذا النموذج في شخوص الخلفاء، بينما في الوقت نفسه، اُعتبر أن هناك نموذجاً أخر فيما يخص الدين والقيم الأخلاقية المجتمعية، وكان العلماء هم ممثلي ذلك النموذج وحاملي رايته.

من هنا، من الممكن أن نفهم السبب الذي جعل مصطلح الإمام، والذي كان يتطابق تماماً مع مصطلح الخليفة في عصر الراشدين، يتغير ويتطور في عهد الأمويين والعباسيين، حيث نجد أن حاكم الدولة قد استمر محافظاً ومستأثراً بلقب الخليفة، بينما انسحب لقب الإمام شيئاً فشيئاً، ليرتبط بعدد من العلماء الذين تباينت علومهم ما بين الفقه والعقيدة وأصول الدين.

كيف علق المؤرخون على الصراع ما بين النموذجين؟

هكذا حدث الانفصال النموذجي في التاريخ الإسلامي، وصار هناك صراعٌ يحدث ما بين الخلفاء والأئمة، وتباينت درجات ومراحل هذا الصراع بحسب الظروف الاجتماعية والاقتصادية والفكرية السائدة.

أحد أهم التجليات الأولى لذلك الصراع، كان التسابق ما بين الطرفين على الاستئثار بأحقية ولاية الأمر، حيث جرت محاولات عدة لتفسير ما ورد في سورة النساء من قوله تعالى “يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم”، حتى جرى–بشكل ضمني–الاتفاق في النهاية، على أن العلماء والأمراء، كل على حدة، هم المقصودون بأولي الأمر الذين تقصدهم الآية.

ولما كانت السلطة في حد ذاتها، تستلزم في الكثير من مراحلها، خروجاً عن النهج القويم الذي اختطته المبادئ والقيم الدينية، فقد كان من الطبيعي أن تمتلئ المصادر التاريخية بأخبار الصدام ما بين النموذجين السياسي والديني، وهي الأخبار التي حاول المؤرخون أن يتناولونها من خلال صياغة توفيقية تعمل على الحفاظ على قدسية الطرفين ودون الوقوع في إشكالية التخلي عن أحدهما.

من ذلك حادثة قتل الحسين بن علي، في خلافة يزيد بن معاوية، حيث عمل بعض المؤرخين، وعلى رأسهم ابن كثير، على دفع التهمة عن يزيد، وأظهروه وقد ندم على ما وقع، وأنه قال بعدها: “وما كان عليّ لو احتملت الأذى، وأنزلته في داري، وحكّمته فيما يريده، وإن كان عليّ في ذلك وكف ووهن في سلطاني؛ حفظاً لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ورعايةً لحقّه وقرابته”. 

أما رجل الأمويين القوي الحجاج بن يوسف الثقفي، والذي تواترت أخبار جرائمه في الكتب والمصنفات، وذبحه لعدد من خيار علماء الأئمة، من أمثال عبد الله بن الزبير وسعيد بن جُبير، فقد عمل المؤرخون على دفع التهم عنه بطريقة مختلفة، عندما أكدوا على حسن أخلاقه وكثرة عبادته، فنجد ابن كثير مثلاً، يذكر: “أنه كان يقرأ القرآن كل ليلة”، وفي موضع أخر من كتابه يؤكد على أنه “كان مشهوراً بالتدين وترك المحرمات مثل المسكر والزنا ويتجنب المحارم… وكان فيه سماحة بإعطاء المال لأهل القرآن”.

أما الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، فقد وجد من يعتذر له على تنكيله بالإمام أبي حنيفة النعمان عندما رفض الأخير ولاية القضاء له، حيث ذكر بعض المؤرخين، أن المنصور قد ندم على فعله، وقال “من يعذرني من أبي حنيفة حياً وميتاً”، وأنه قد زار قبره بعد ذلك باكياً.

ومن الأمثلة المشهورة في سياق الدفاع عن النموذج السياسي، الأخبار المتعددة التي أوردها المؤرخون في خبر محنة الإمام أحمد بن حنبل على يد الخلفاء العباسيين، حيث ذكر ابن كثير ما وقع في تلك المحنة زمن المعتصم، وكيف أن ابن حنبل قد ضُرب بالسياط ثمانين جلدة، حتى تقطع لحم جسده، ولكنه بعدها يعود مستدركاً، ليؤكد ندم المعتصم على فعلته وإطلاقه سراح ابن حنبل، ويذكر بعد ذلك أن إمام أهل السنة قد سامح جميع من ظلموه من الحكام وأعوانهم، باستثناء أهل البدعة من المعتزلة فحسب.

والحقيقة، أن الأمثلة التي ضربناها في السطور السابقة، تتوافق تماماً مع الاتجاه التوفيقي الذي أشرنا إليه، فلما كان الخلفاء نموذجاً يُحتذى فيما يخص السلطة الزمنية وإدارة الدولة من جهة، ولما كان الأئمة هم القادة الروحيون وناقلو العلم الشرعي والديني من جهة أخرى، فكان يلزم أن يظهر النموذجان بمظهر مشرف، وكان يلزم أن يبدو الخلفاء والأمراء، وقد تراجعوا عما انغمسوا فيه من ظلم بحق علماء الأئمة وأئمتها.

ولم تكن المخيلة الإسلامية بقادرة على الغضب المُطلق من الحجاج وهو الذي أمر بتنقيط المصاحف، وكذلك لم يكن في إمكان المؤرخين المسلمين، أن يُظهروا كره المعتصم، فاتح عمورية، وهو الذي حرك جيوشه استجابةً لنداء امرأة مسلمة واحدة أسيرة في بلاد الروم.

صورة المقالة: نحت على العاج من مصر في القرن الـ11 ميلادي، القطعة من مقتنيات المتحف الوطني في بريلين.