السبت: 31 أكتوبر، 2020 - 14 ربيع الأول 1442 - 07:14 صباحاً
ثقافة وفن
الأثنين: 9 يناير، 2017

هبة أحمد حسب
كانت تقف في حديقة دار المسنين ممشوقة الظهر رغم تجاعيد الزمن التي لم تبرح وجهها. ترتدي معطفاً أبيض وبنطالاً من الجينز أبيض أيضاً، وهو ما عرفت فيما بعد أنه لونها المفضل، وأنها لا ترتدي إلا الأبيض ويسمونها في الدار “الحاجة وِصال البيضا”، وهو ما يحيله البعض إلى بشرتها البيضاء المشرّبة بحمرة خديها وزرقة عينيها.
“كان المرحوم فريد بك الأطرش المُغني المعروف صاحب والدي، كان بيزورنا في البيت وكنت بقوله غنيلي مخصوص، ده أيام ما كان ليا بيت قبل ما ولادي يسيبوني هنا” تقول الحاجة وِصال البيضا وهي تنفث دخان سيجارتها بأناقة هانم عاشت أزهى عصور الخمسينات والستينات.
تقف أمام البوتاجاز الموضوع خصيصاً في الحديقة لكي يعدّ ساكنو الدار فناجين القهوة والشاي لأنفسهم، إذ دائماً ما يجد كبار السن متعة خاصة في ذلك. ويجلس إلى المنضدة في انتظار القهوة بطلُ حكايتها “صلاح”، الرجل السبعيني الذي انتظرته وصال طوال عمرها. كان صلاح جارها أيام شبابهما، وككل أبناء وبنات الجيران وقعا في الغرام، وككل الآباء والأمهات رُفِض الحبيب لمصلحة أحد أبناء العم ذوي الأملاك.
بعد زيجة اعتيادية مرَّ بها كلٌ من وصال وصلاح، وبعد أن دارت الحياة/ القدر دورتها الكاملة، مات الشريك لكل منهما وتزوج من الأبناء من تزوج وسافر من سافر. ولم يكن عصياً على القدر الذي أنهى عوائق كل منهما بهذا البطء على مدار سنوات العمر أن يجمعهما في نفس دار المُسنين، وأن يتزوجا رغم رفض أبنائهما الذين توقفوا عن زيارتهما بعد هذه القرار “المنحرف” حسب تعريف الابن الأكبر لـ”وصال”.
تصل نسبة عقود الزواج بين المُسنين إلى 1.9% من إجمالي العقود حسب نشرة الزواج والطلاق التابعة للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء عام 2014. وربما ترجع هذه النسبة المنخفضة إلى النظرة المجتمعية الظالمة لزواج المُسنين، وكأن عمر الـ60 هو بوابة الموت التي لا يحق لمن يعبرها أن يمارس أياً من طقوس الحياة.
“طبعًا مش هوافق أن أمي تتزوج، هي وقفت حياتها علينا أنا واخواتي البنات بعد ما والدي هرب من زمان وسابنا صغار، هي اختارت كده ومش من حقها دلوقتي تعيد الاختيار لأن دي مبقتش حياتها لوحدها”، هكذا كان رد “سيد.ع. (28 سنة)، الأخ الأكبر لثلاث شابات هجرهن أبوهن مذ كان سيد يبلغ 9 سنوات.
وبعد أن كبر الأبناء وتخرجوا في كلياتهم ووضعوا أطراف أصابعهم على سلم الحياة، وبعد أن وجدت الأم من يشاركها الأيام والسنوات الباقية في العُمر، رفض الأبناء أن تعيش أمهم حياتها كما يحلو لها وخيَّروها بين أن تعيش لهم وحدهم أو أن يتركوها ولتهنأ بزوجها الجديد بعيدًا عنهم.
والأم المصرية دائماً في مثل هذا الموقف تكون كما “فاتن حمامة” في إمبراطورية ميم، الأم التي توفِّق بصعوبة بين عملها وبين أبنائها الكثيرين بمتطلباتهم المتعددة، وتضع نفسها – إن وضعت – في ذيل القائمة.
قصة حب فاتن حمامة في إمبراطورية ميم دائماً مؤجَّلة تحت ضغط منها وصبر طويل من الحبيب – أحمد مظهر – ووعود مشتركة من كل منهما بالاستمرار والثبات للوصول إلى الحياة الحالمة التي يبغيانها. ولكن في نهاية القصة (كل قصة) تضع الأم أبناءها فوق أي خيار آخر. تضع نفسها في النقطة المركزية لدوائرهم الصغيرة الممتلئة بالتفاصيل وتدور معهم داخل الدوائر وتنسى ما عداهم، أو تتناساه.

ولا يختلف الحب بين الكبار داخل دور المسنين عن خارجها. فحب الكبار واحد، حب الأفعال الخالية من الكلمات الناعمة وباقات الورود ورسائل منتصف الليل، حب يُعبَّر عنه بكوب من الماء وقرص الدواء في الميعاد المخصص له وصُحبة رقيقة إلى طبيب العظام ثم حديث دافئ في المساء بينما يشاهدان نشرة الأخبار. فالحب لدى المتزوجين من كبار السن يتمتع بملامح ومشاهد خاصة ربما لا تجدها لدى المتزوجين حديثاً من الشباب.
حسن وصفية
جمعهما العمل في إحدى المصالح الحكومية وجمعهما الحب أيضاً. كانت صفية منتدبة للعمل في محافظة محلية حين هاتفها أخوها “الصعيدي” ليبلغها أن خطبتها ستتم على شخص “لا تعرفه” في الأسبوع المقبل. كانت صفية تبكي حين رآها حسن لأول مرة. وحين سألها هذا الغريب عن سبب بكائها لم تعره رداً ولا جواباً حتى عرف القصة من زميلاتها، وما كان منه إلا أن توجَّه إليها في اليوم التالي موجهاً إليها سؤالاً واحداً: “تتجوزيني؟” وكان ردها: “طبعًا لأ.. هتجوز واحد معرفهوش؟”
كان ذلك في أواخر خمسينيات القرن الماضي، حينها لم يأبه حسن لرفضها واستقل أول قطار إلى الصعيد ليطلبها من أخيها. طوال نحو أربعين عاماً من الزواج لم يتبادل الزوجان كلمة جارحة، بل على العكس كان أحدهما ينادي الآخر بـ”حضرتَك وحضرتِك”، وكان هذا يثير تساؤلي تجاه هذه العلاقة المنمقة أكثر من اللازم. كانت “الحاجة صفية” (وقد تعرفت عليهما في سنوات حياتهما الأخيرة) تنصحني دائماً بأن الست الشاطرة هي التي لا تقف أمام زوجها في نوبات غضبه حتى لا تسمع منه ما لا يرضيها، لكنها أيضاً لا لا تسمح له بجرح كرامتها ولا شخصيتها، وإن أخطأ بحقها فلا بد أن يعتذر وأن تستشعر منه الندم الحقيقي على جرحه لها. وكانت جملتهما المفضلة دائمًا “الأيام بتداوي”.
وخلال صداقتي القريبة بالحاجة صفية والحاج حسن رأيت نوعاً من الحب الهادئ الذي لا يعلو فيه صوت كلمات الغزل أو المداعبات، وكما لم يكن لأحد أن يشاهد لحظات الرومانسية بينهما، فإن أحداً لم يشاهد قط لحظات الاختلاف والعراك، حتى الأبناء. حتى حين اختاره الموت لم تبكِ هي بجنون أو دون وعي، إنما بدت قوية متماسكة شديدة البأس، لكنها ما لبثت أن لحقت به بعد عام واحد.
أنور وهدى
على الرغم من أنه اختارها بنفسه للزواج في السبعينيات فلا يذكر أنه قد قال لها أي كلمة محبة أو مغازلة، ربما لأنه الرجل الصعيدي القوي الذي لا يرى في النساء إلا أمهات الأولاد. وحين ينفعل على أحد أبنائه أو يقوم بمهمة تأديبية تجاهه، وتسمعه يقول كما في المسلسلات التليفزيونية “قبر يلمَّك”. ولا تختلف تلك اللغة عن تلك التي يستعملها مع زوجته. كان أنور رجلاً جامداً لا يُثني على الطعام الذي تقدمه هدى ولا يفاجئها بهدية ولا باحتفال لأي مناسبة كانت، حتى مرضت فجأة!
كان بالكاد يقف على قدميه بينما هي في غرفة العمليات تخضع ليد جراح ماهر يستأصل 4 أجزاء مسدودة من قلبها الضعيف. كان أنور آنذاك يسير متهاوياً كما ترى أرجل العرائس المتحركة ذات الخيوط الرفيعة، وعلى طريقة حب “ابن زيدون” لولَّادة بنت المستكفي، أصبح هذا الحب القديم وجوداً والحديث هو حديث الساحة بين أفراد العائلتين، تتهامس به الفتيات الصغيرات ويتمنين حباً مثله، وتتندر به قرينات هدى من النساء المتمرسات في الحياة بعدما خبرنها جيداً ويعلمن أن هذا هو الحب، و”العِشرة” بحسب قولهن.
هل اختبار الحياة هو ما يجعل للحب هدوءاً وثِقلاً؟ أم أن تعرضنا للكثير من دفقات الحب خلال الحياة يجعلنا نعبّر عنه كلما كبرنا تعبيراً أعمق وأقوى؟ ليست هناك حقيقة ثابتة إنما هي مشاهد جلية لا يسعك أمامها إلا أن تبتسم.