الخميس: 22 أكتوبر، 2020 - 04 ربيع الأول 1442 - 09:43 مساءً
دفاتر
الأحد: 25 ديسمبر، 2016

تأليف/ فايز الخفاجي
عرض / د. مزاحم مبارك مال الله
دراسة تاريخية – سياسية لأول تجربة دموية قادها حزب البعث العراقي ضد خصومه السياسيين. يبرر المؤلف اختياره لموضوع (الحرس القومي) وأيامه الـ 285 (8/2/1963– 18/11/1963)، بـ “عدم كتابة أي كتاب عنه بسبب الظروف السياسية قبل 2003، إضافة الى أن الحرس القومي، يعدّ أخطر ميليشيا ـ شبه عسكرية ـ دموية مرت على تأريخ العراق المعاصر”.
أهم الوثائق غير المنشورة التي حصل عليها المؤلف، كانت من الطبيب وائل، نجل الحاكم العسكري العام آنذاك (رشيد مصلح التكريتي)، والتي توضح حجم الانتهاكات التي مارسها أفراد الحرس القومي.
اعترف قياديو البعث باستلامهم مبلغ سبعة آلاف جنيه مصري من مصر لتصفية قاسم. وجراء الأوضاع التي سادت بعد محاولة الاغتيال الفاشلة، بادر البعث في نهاية 1961 الى أنشاء خلايا عسكرية (باقتراح من القيادي البعثي حازم جواد). تتدرب في سوريا وتعود الى العراق وكان المسؤول عنها في العراق، عضو قيادة فرع بغداد لحزب البعث أبو طالب الهاشمي، ويؤكد صباح المدني (أحد قيادي الحرس القومي): “أن هذه الخلايا التي أشرف على تدريبها الهاشمي، عبارة عن مجموعة من المسلحين الشباب الذين كان أسلوبهم أقرب الى أسلوب العصابات الشقاوات”.
وفي عام 1962 تحولت تلك الخلايا المدرّبة الى”لجان إنذار”، مهمتها أن تكون قوة ساندة ومساعدة لقوات الجيش للإطاحة بقاسم.
وكان أول ظهور مسلح لهذه اللجان في أوائل 1962 مع تظاهرات مرت في شارع الرشيد – الشورجة – البنك المركزي – مصرف الرافدين، وكان أعضاء هذه اللجان يخفون مسدساتهم تحت ملابسهم ومبلغون بإطلاق النار على الشرطة إذا أقتضى الأمر.
في المؤتمر القطري الرابع في آذار 1962 والذي عده الباحثون (تهيئة لانقلاب شباط الأسود 1963)، تقرر القيام بعدد من الإنذارات التجريبية لغرض فحصها”.
في نهاية كانون الثاني 1963 أطلق على لجان الإنذار تسمية “الحرس القومي”، فضم بين صفوفه الكثير من قيادات وكوادر البعث الذين يجيدون استعمال السلاح وقتال حرب الشوارع التي تعلموها في سوريا. كان أفراد الحرس القومي يرتدون ملابس خاكية وغطاء رأس مع شارة خضراء توضع على الذراع مكتوب عليها ((ح.ق)).
مساء 7 شباط 1963 عقد اجتماع في بيت (أبو طالب الهاشمي) في شارع فلسطين تم فيه تقسيم المهمات مع توقيت توزيع رشاشة (بور سعيد) المصرية، وكانت هذه الأسلحة مخزونة في بيت (مائدة العزاوي) في الأعظمية مع توزيع الملابس والشارات، قبل ساعتين من موعد التنفيذ. الخطة تقضي بقطع الطرق الرئيسة في بغداد والسيطرة على الساحات والمراكز والمعسكرات مع نصب كمائن لموكب عبد الكريم قاسم مع قيام عناصر (محددة) باغتيال كبار الضباط كجلال الأوقاتي قائد القوة الجوية، مع السيطرة على مرسلات الإذاعة واعتقال الشيوعيين (تم تجهيز قائمة بأسماء 70 قيادياً شيوعياً) والقيام بتظاهرات تأييداً للانقلاب.
يوضح المؤلف في المبحث الثاني من الفصل الثالث (ص80-98)، تفاصيل دور (ح.ق) في تنفيذ الانقلاب ابتداءً من (محمد ثامر) وهو دليل المجرمين لمنزل الشهيد جلال الأوقاتي، حيث حاصرته المجموعة المكلفة باغتياله (ماهر الجعفري، غسان عبد القادر، عدنان داود القيسي، كريم الأسود ومجيد رجب)، في إحدى الشوارع الفرعية القريبة من داره في منطقة كرادة مريم وقتلته، وعُدّ اغتيال الأوقاتي ساعة الصفر للانقلابيين.
توزعت مجموعات من (ح.ق) على دور الضباط الكبار، أحداها بإمرة طارق عزيز (دار المهداوي) والأخرى بإمرة صلاح صالح (دار عبد الكريم الجدّة)، وفشلت ثالثة في اغتيال العقيد سعيد مطر.
ثم يضيف المؤلف وهو يصف أحداث تلك الساعات الدامية قائلاً: “وتحركت مجموعة من (ح.ق) في الكرادة الشرقية اتجاه معسكر الرشيد، فوضعوا عددا من السيارات الأهلية في الشارع قرب بوابة المعسكر بعد أن اجبروا أصحابها على النزول منها فجعلوها متاريس”.ص86.
في الساعة 9,20 صباحاً بدأ قصف وزارة الدفاع، وفي الساعة 9,30 سيطروا على مبنى الإذاعة والتلفزيون(في الصالحية)، وقبلها تمت السيطرة على معسكر الرشيد، كما قام (ح.ق) باعتقال وزير الداخلية (أحمد محمد يحيى) ومدير الشرطة العام (ناظم رشيد)، كما شاركوا قوات الجيش في محاصرة وزارة الدفاع وفي داخلها عبد الكريم قاسم وعبد الكريم الجدة وطه الشيخ أحمد وفاضل عباس المهداوي ووصفي طاهر وقاسم الجنابي وكنعان خليل.
ويقول المؤلف: “أن (ح.ق) هو أول قوة (شبه عسكرية) من خارج المؤسسة العسكرية في العراق تسهم مع الجيش في الإطاحة بأول نظام جمهوري ولولا مشاركته في انقلاب 8 شباط 1963، لكان هذا الانقلاب عبارة عن مجازفة يقوم بها الجيش ضد عبد الكريم قاسم” ص95، وهذه أشارة واضحة الى الدور القذر الذي لعبه (ح.ق) في اغتيال ثورة 14 تموز1958.
في الساعة 10صباح يوم 8 شباط 1963، اصدر ما يسمى المجلس الوطني لقيادة (الثورة) البيان رقم (3) الخاص بتشكيل الحرس القومي، ليتبعه بيان رقم (4) والخاص بتشكيل القيادة العامة للحرس القومي بموجب تعيينات من ستة أشخاص.
تعاقب على موقع القائد العام للحرس القومي ثلاثة أشخاص، وكان أفراد هذا التشكيل يؤمنون أن درجتهم الحزبية أعلى من أي ضابط عسكري ما دفع أول قائد عام له الى أن يقدم استقالته بعد سبعة أيام فقط من تعيينه، وهو العقيد الركن عبد الكريم مصطفى نصرت.
ثلاثة أشخاص كانوا هم المؤثرون والذين يقودون الحرس القومي بصورة فعلية من يوم 8 شباط وحتى 18 تشرين الثاني 1963 وهم:
1. صباح محمد باقر المدني.
2. نجاد محمود الصافي.
3. أحمد العزاوي ابو الجبن.
وبعد يوم 8 شباط أصبح كل البعثيين (حرس قومي) إضافة الى الكثير من القوميين انتموا الى صفوفه، وأصدرت قيادته العامة عددا من البيانات فتحت بموجبها مراكز الحرس القومي في مختلف أنحاء بغداد وطلبت من الشرطة التعاون مع تلك المراكز.
توالت البيانات والتي جميعها تهدف الى (شرعنة) ما سيقترفه (ح.ق) لاحقاً، ومنها منح رتب عسكرية (ضباط) لقادته.
كما أصدر صالح مهدي عماش وزير دفاع انقلاب شباط 1963 بياناً منح بموجبه (ح.ق) صلاحيات التدخل في شؤون كافة الأجهزة المعنية بإدارة شؤون البلاد.
وفي 22/5/1963أصدر المجلس الوطني لقيادة (الثورة) قانون (ح.ق) رقم (2)، وجاء في الفقرة(ت) من المادة الرابعة ما يلي ” يشترط في المتطوع أن لا يقل عمره عن خمس عشرة سنة ولا يزيد عن الستين عاماً” وهذا من الناحية العملية، يعني أن الشباب المراهقين كانوا يحددون مصائر الناس وفق الصلاحيات الفاشية الممنوحة لهم، كما أن القانون عُدّ نافذاً ابتداءً من 8/شباط، اي بأثر رجعي من حيث الحقوق التي تمتع بها (ح. ق).
موقف (ح. ق) من الثقافة والمثقفين
مارس (ح. ق) دورين هما:
• العنف ضد النخبة المثقفة في العراق.
• السيطرة على المؤسسات الثقافية بعد إفراغها من كوادرها.
فمن (انجازاتهم)على الصعيد الثقافي:
1. اعتقال الشعراء والأدباء.
2. حرق مكتبات الأدباء والمثقفين الخاصة الذين تم اعتقالهم.
3. شن حملة اعتقالات واسعة على المؤسسات التربوية (أساتذة وطلاب).
4. فصل آلاف المدرسين والمعلمين، ما أضطرهم الى التعاقد مع مدرسين من البلدان العربية لتعويض المفصولين والمسجونين والهاربين من بطشهم.
5. طرد الأساتذة الجامعيين من جامعة بغداد، وجميعهم حاصلون على شهادات عليا من أرقى الجامعات في العالم وبمختلف الاختصاصات، ومن بينهم العالم الفيزياوي عبد الجبار عبدالله/ رئيس جامعة يغداد، وكذلك إبراهيم كبة، صفاء الحافظ، عبد الكريم الخضيري، روز خدوري، مهدي المخزومي، علي جواد الطاهر وغيرهم بالمئات.
6. فصل كل الشيوعيين العاملين في وزارة الإرشاد (الأعلام).
ويقول الكاتب الأميركي إريك دافيس في كتابه (مذكرات دولة)، “وبذلك تسببت هذه الاعتقالات في تحجيم دور العديد من مثقفي العراق، وتم إنهاء العديد من الإصلاحات الاجتماعية والثقافية التي تحققت في عهد عبد الكريم قاسم”.
أما الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر فينتقد أعمال العنف هذه قائلاً “لقد أظهر الحكم الجديد منذ البداية وجهه الدموي، فكانت سياسة مبنية على اغتيال خصومه حتى القضاء على أخر واحد منهم”.
أما على مستوى الإعلام فقد أستثمر (ح. ق) صحف “الجماهير” و “الطليعة”، وأصدروا (مجلة الحرس القومي)، إضافة الى تأسيسهم لـ (الفرقة الفنية لحرس القومي).
في الفصل الرابع والذي جاء تحت عنوان:”دور (ح. ق) في تصفية الحركة الشيوعية في العراق”، فقد تناول المؤلف ثلاثة مباحث:
الأول/ حول البيان رقم(13)
• صدوره: أذاعته هناء العمري (زوجة علي صالح السعدي)، بصورة متشنجة ومحرضة تتخلله موسيقى حماسية وأناشيد مصرية، والبيان كان بتوقيع”رشيد مصلح”، وما يلفت في هذا البيان، أنه بدلاً من أن يقول (عبد الكريم قاسم)، قال: (عدو الكريم قاسم)،كشتيمة، وفحوى البيان هو حث الناس على قتل الشيوعيين وكذلك أعطاء الضوء الأخضر لقطعان (ح.ق) بأبادة الناس! وللعلم فقد أختلف قادة الانقلاب على تسمية المسؤول(ين) عن صدور هذا البيان الدموي، فأحدهم يتهم الأخر في أخر محاولة منهم لتزوير التأريخ.
• الآثار السلبية للبيان: تم تزويد عناصر (ح. ق) بنسخة من بيان 13 وبقوائم أسماء الشيوعيين فقاموا بدهم حي بعد حي وشارع بعد شارع وبيت بعد بيت، للبحث عن الشيوعيين وأنصارهم، فأعتقل كل من كان يقرأ صحيفة (اتحاد الشعب)، وقُتل شيوعيون أثناء المطاردات، وفيما يلي بعض صور الأجرام التي مارستها قطعان البعث:
– الذي يشتم عبد الكريم قاسم لا يعتقل، والذي يرفض ذلك يعدم رمياً بالرصاص.
– الفترة (8-15) شباط مورست عمليات الإعدام بشكل عشوائي ضد الشيوعيين.
– تم اعتقال كل من يُشك أو يُشتبه به.
– حصلت محاكمات شكلية ولم تكن لها أية صفة قانونية، ويعترف صالح مهدي عماش: (أنه تم اعتقال في أول يوم 800 ضابط شيوعي منهم 150 طيارا بحيث بقيت المطارات من دون طيارين، وتم اعتقال 4000 شيوعي فقتل الكثير منهم من دون محاكمة!).
– قام (ح.ق) بإبادة أسر بكاملها وتحول يوم 8 شباط 1963الى يوم من أيام الجحيم، فكانت أغلب الإعدامات عن طريق الوشايات والاتهامات الباطلة بسبب العداوات الشخصية والعشائرية والأحقاد الطائفية الدفينة التي وجدت الوقت المناسب لتنفيذها، وتم أعطاء الحق لكل مواطن أن يطلق النار على شخصٍ معين ويقتله وتخلص من الملاحقة القانونية بمجرد أن يقول عنه “شيوعي”، فيتم إعفاؤه من التبعات القانونية بسبب ما نص عليه بيان 13.
– أشار احد قادة الانقلاب: (لم يكن الهدف الرئيس من انقلاب 8 شباط التخلص من عبد الكريم قاسم بل القضاء على الحزب الشيوعي)، حيث أمر صالح السعدي، (ح. ق) باجتثاث الشيوعيين بلا رحمة، وأمرهم (أذبحوهم حتى العظم).
– بلغ العدد النهائي للمعتقلين (120) ألف معتقل حتى تشرين الثاني 1963، ومن كُتبت له الحياة، فُرضت عليه البراءة من الأفكار الشيوعية.
– يذكر المؤلف البعثي “باقر ياسين”، (أن صدور بيان 13 هو من اخطر الأحداث فضاعة في السلوك الدموي في التأريخ العراقي).
الثاني/ دور (ح. ق) في تصفية قيادة الحزب الشيوعي بعد الانقلاب
بالإضافة الى وحشية ودموية قادة البعث وهم قادة (ح.ق)، فهم يمتازون بصفة ذميمة أخرى، الاّ وهي الكذب ومحاولاتهم في أبعاد ما نسبت اليهم من أعمال لا إنسانية ولا أخلاقية.
• فحازم جواد يدعي أن الشهيد سلام عادل (طلب التفاوض)، وهذا ما نفاه شهود العيان في تلك الأيام السوداء.
• كما أن محسن الشيخ راضي ينفي (في مقابلة له مع مؤلف الكتاب)، أشرافه على تعذيب وتقطيع أوصال الشهيد سلام عادل ويدعي أن هذا الكلام قالته الشيوعية (زكية شاكر)، علماً أن زكية شاكر تقول: (شاهدت سلام عادل يوم 26/27 شباط قد شُوه جسده من التعذيب ولم يكن من السهل التعرف عليه، فقد فقئت عيناه وكانت الدماء تنزف منهما ومن أذنيه، ويتدلي اللحم من يديه المقطوعتين ورش الملح والفلفل الأسود فوق جسده، وقد اشرف على تعذيبه بهذا الشكل الوحشي محسن الشيخ راضي).
• أما الشهيد عبد الرحيم شريف، فكسر ظهره وأضلاعه ووضعوه في المياه القذرة، وطلب الماء قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة فلم يعطوه.
• الشهيد محمد حسين ابو العيس اعتقل هو وزوجته سافرة جميل حافظ يوم 24/شباط، وتعرض للتعذيب الشديد وجرحوه بطلق ناري، وبقى الجرح ينزف ليومين فمات ووضعوا جثته في زنزانة واحدة مع زوجته.
• الشهيد حسن عوينة اعتقل يوم 27 شباط فعذبه عناصر(ح.ق) بالكي الكهربائي وقلع الأظافر وسكب الماء الحار عليه وحرمانه من شرب الماء، وضعوه في سطح قصر النهاية عارياً يعاني البرد القارص، ثم أنزلوه الى سرداب المياه القذرة وهو فاقد الوعي فمات يوم 6 آذار، فأعلن الحاكم العسكري رشيد مصلح في البيان رقم51 عن وفاة (سلام عادل ومحمد حسين ابو العيس وحسن عوينة) يوم 6/3/1963، وكتب الطبيب البعثي (صادق حميد علوش) في تقريره الشرعي، ” أنهم ماتوا بالسكتة القلبية”!!
• يقول طالب شبيب وزير خارجية حكومة البعث في تلك الفترة في مذكراته: “انتهى موتهم خطأً أو جهلاً فغطينا على وفاتهم بقرارات رسمية”.
• وتضاف شهادة أخرى من المعتقلة الشيوعية (ابتسام الرومي) بخصوص الطبيب البعثي(تحسين معلة)،قائلة: “أنه كان قاسياً جداً متحجر القلب فحينما يفحص من يُغمى عليه جراء التعذيب الوحشي، يعطي قراره بأن هذا المعتقل يتحمل جولات أخرى من التعذيب”.
• وكذا الحال ما تعرض له الشهيد جمال الحيدري ومحمد صالح العبلي وعبد الجبار وهبي الذي قُطعت رجلاه بآلة نشارة من تحت الركبة.
• جرى تعذيب قادة الحزب في قصر النهاية الذي افتتح كمقر للتعذيب يوم 20 شباط وتركز التعذيب في ثلاثة أماكن من القصر وهي السرداب (وفيه ثلاث ردهات والردهة الأخيرة لتجميع المياه القذرة، أرضيته من الأسمنت وشبابيكه أغلقت بالطابوق وفي سقفه أماكن للتعليق من اجل التعذيب)، الطابق الأعلى(مورس فيه التعذيب في غرفه الثلاث وكان مقر الهيئة الخاصة وهي أعلى هيئة للتعذيب في جميع أنحاء العراق)أما الطابق الثاني فهو للجنة التحقيق.
• مارس البعثيون التعذيب ضد الشيوعيين في أقسى ما تعرض له بشر في كافة مدن العراق، ومنهم الشهيد (طالب عبد الجبار) سكرتير محلية الموصل الذي كان أفراد (ح.ق) يتلذذون بتعذيبه فيضعون قصاصات ورق بين أصابع قدميه ويشعلون النار فيها، وتم تعليقه في السقف متدلياً، ويُضرب في حديقة مقرهم ضرباً مبرحاً، ثم لفوا أصابعه وأذنيه بالقطن المبلل بالنفط ويشعلونها بالنار، فمات جراء التعذيب الوحشي.
الثالث/ (ح. ق) يصفي جسدياً قاعدة الحزب الشيوعي الجماهيرية
أعترف هاني الفكيكي وهو قيادي بعثي فقال:”كنا نتردد على مراكز اعتقال الشيوعيين وكنا نعلم إن الاعترافات تؤخذ عن طريق التعذيب الذي كان يمارس على المعتقلين وإن إذلال الخصم وإبادته كانت من صميم العقيدة البعثية”.
• كانت قوائم إعدام الشيوعيين تصدر بالأعداد من دون تشخيص فيذهب صالح مهدي عماش الى قصر النهاية والمعتقلات الأخرى التي يتواجد فيها الشيوعيون فيطلب مجاميع منهم ويصدر أوامره بإعدامهم، وبعد التنفيذ، يحصل على قرار الموافقة من (المجلس الوطني لقيادة الثورة)!.
• أما آمر معسكر الرشيد حازم الصباغ فكان يأتي ليلاً سكران فينتقي بعض الشيوعيين ليعدمهم على الساتر الترابي.
• لم تتسع السجون للمعتقلين الشيوعيين فتم تحويل النوادي الرياضية (الأولمبي، النهضة، قريش) الى معتقلات، كما (استأجروا!)عمارة في شارع الكفاح فيها دار سينما في الطابق الأرضي وباقي البناية كمركز للاعتقال، وغيرها العديد من الأقبية والأماكن.
• وما حصل في بغداد جرى مثله في باقي الألوية(المحافظات).
• مارس البعثيون شتى صنوف التعذيب(حفلات التعذيب)، ضد الشيوعيات والشيوعيين، بل ابتكروا أساليب يندى لها جبين الإنسانية، كالاغتصاب(وكانت الطبيبة لميعة البدري تفحص المعتقلات وتنفي حصول حالات اغتصاب، وبذلك خالفت القسَم الطبي)، وتثقيب الأذن بكابسة الكتب، المنكنة، بعض الشيوعيات أحرقن أنفسهن قبل أن ينال منهن الوحوش.
• وتقول(أبتسام الرومي): “التعذيب كان يتضمن، سلخ الجلد، قلع العيون، قلع الأسنان بواسطة البلايس، قلع الأظافر، إدخال الإبر في مختلف أجزاء الجسم ،الضرب بالكيبل من قبل عدد من المجرمين في وقت واحد، الكي بالسكائر في المناطق الحساسة، أجبار المعتقل على الجلوس على القناني، رش الملح على الجروح، تعرية النساء، ثم يلقون من يتقرح جلده في سرداب القاذورات والحشرات ليموت بعد أصابته بالكزاز والكانكرين).
سقوط تجربة (ح. ق) في العراق
• بدأت جذور الانقسام في قيادات البعث منذ يوم 11 شباط 1963 وحصل الصراع حول المناصب الوزارية، فانقسم البعث الى أجنحة متصارعة، بسبب المصالح الشخصية والأخطاء الكبيرة التي ارتكبتها تلك القيادات، وما أرتكبه (ح. ق) والبعث من فضائع بحق الإنسانية، ودخول الجيش في مسرح الصراع، وما حصل في المؤتمر القطري الخامس(13-23/4/1963) من اصطفافات متصارعة ومنقسمة، وموقف ميشيل عفلق الازدواجي، كل هذه أدت الى سقوط حكم البعث الدموي الأول في العراق بتاريخ 18/11/1963.
• بدأت الخلافات تتفاقم أثر تبادل بعض المواقع الحكومية وسبقتها تغييرات في قيادة البعث، وانعقاد المؤتمر القومي السادس في دمشق(5-23/10/1963)، حيث ظهر الصراع المحتدم بين جناحي البعث، وفي الوقت نفسه أصبح الوضع الأمني في بغداد غاية في الصعوبة بحيث أكد عبد السلام عارف للسفير المصري أمين هويدي في أواخر تشرين الأول 1963: “أن الأيام القليلة القادمة ستشهد نهاية حكم حزب البعث”.
• في المؤتمر القطري الاستثنائي11/11 /1963 (مؤتمر الرشاشات)، حصل انقلاب عسكري في داخل البعث وأثناء انعقاد المؤتمر الذي تم في قاعة الاجتماعات في مبنى المجلس الوطني، حيث تم اعتقال (علي صالح السعدي، محسن الشيخ راضي، حمدي عبد المجيد، هاني الفكيكي وأبو طالب الهاشمي، ونقلوا في طائرة عسكرية الى العاصمة الأسبانية- مدريد- وسميّت قيادة قطرية جديدة برئاسة أحمد حسن البكر).
• خلال الفترة 13-18/تشرين الثاني 1963،حصلت تغيرات كثيرة على المستوى الداخلي لقيادات البعث متخذة من (ح. ق) وسيلة لفض النزاعات الدموية بينها (وعلى شكل انقلابات عسكرية)، ففي مساء يوم 12/11/1963 عُقد اجتماع في بغداد ضم قيادة فرع بغداد والحرس القومي، تم بموجبه إقرار طرد عبد السلام عارف وتشكيل مجلس رئاسة، على ان يقوم منذر الونداوي بقصف القصر الجمهوري وهذا ما جرى تنفيذه فعلاً صباح اليوم التالي فأصدر(عماش) بياناً، حذر فيه البكر من اقتتال البعثيين، كما تم عقد اجتماع وإصدار بيان من قبل صبحي عبد الحميد وطاهر يحيى ووافق عليه عارف جاء فيه (حل (ح. ق) ووضع الجيش في حالة إنذار)، ثم عقد البكر وعماش اجتماعات عدّة مع قيادة البعث في فرع بغداد التي أصرت على أبعاد حازم جواد وطالب شبيب كشرط لعودة (ح.ق) الى مقراته. جميع هذه الاجتماعات والقرارات فشلت ما أضطر أعضاء القيادة القومية المجيء الى بغداد مساء يوم 13/11/1963 برئاسة عفلق. أصدرت القيادة القومية في 15/11 بياناً أذيع من بغداد عدّت بموجبه المؤتمر القطري الذي عقد في بغداد يوم 11/11 غير شرعي. في هذه الأثناء أصدرت قيادة الحرس القومي في الموصل بيانأً تشجع فيه على العنف، من جهته قام علي صالح السعدي بأعداد العدة من أسبانيا للقيام بانقلاب يوم 17/11 من أجل إسقاط عبد السلام عارف وأحمد حسن البكر.
• استفاد عبد السلام عارف من الفظائع التي أرتكبها (ح. ق)، حيث ساد غضب شعبي ضدهم بما فيهم ضباط الجيش البعثيين وغير البعثيين بسبب تدخلهم السافر في شؤون الجيش، وما زاد في أثارة الشعب هو قرار القيادة القومية لصالح (ح. ق)، وراح الضباط يتساءلون “عمّا أذا كان البلد سيقع تحت سيطرة حركة صبيانية طائشة يمثلها (ح. ق)”.
• يوم 15/11 وضعت خطة لطرد (ح. ق) من الشوارع التي يسيطر عليها، يوم 16/11 التقى طاهر يحيى عبد السلام عارف واتفقا على ضرورة تدخل الجيش لحسم الموقف، ليلة 17/18 تشرين الثاني تم وضع ترتيبات خطة كبار ضباط الجيش وقام بكتابة البيان المقدم صبحي عبد الحميد والمقدم الركن هادي خماس ليذيعه عبد السلام عارف من مرسلات ابو غريب.
• في السادسة صباح يوم 18/11بدأ تنفيذ الخطة ابتداءً باعتقال وفد القيادة القومية في قصر الزهور وهما عفلق وامين الحافظ، كما تم اعتقال وزير الدفاع عماش ومعاون رئيس أركان الجيش خالد مكي الهاشمي في وزارة الدفاع، قصفت مقرات (ح. ق) بالطائرات والدبابات والمدفعية، سيطر الجيش على أوضاع البلاد وجاء في البيان الذي أذاعه عبد السلام عارف في: “(6) حل الحرس القومي قيادة ومقرات وإلغاء القوانين والأنظمة والتعليمات والأوامر الصادرة بخصوصه كافة”. كما جاء في: “(7) حل المجلس الوطني لقيادة الثورة المشكل صبيحة 8 شباط 1963″.وجاء في (2) من البيان الثاني”حل وإلغاء الحرس اللا قومي قيادة ومقرات وأفراد فعلى منتسبيه تسليم أسلحتهم واعتدتهم ..ومن لم ينفذ الأمر يعدّ خائناً يستحق عقوبة الإعدام وينفّذ فوراً”.
• انتهت مقاومة (ح. ق) مساء يوم 18/11 فقد سلم القسم الأعظم سلاحه الى مراكز الشرطة او من تخلص منها وقام بعضهم بإرسال سلاحه وملابسه الخاكية بيد نسائهم الى قوات الجيش.
هذه بعض من صفحات البعث السوداء وتأريخهم الملطخ بدماء العراقيين، أنه جهد كبير قام به المؤلف الاّ أن عدداً من المحطات بحاجة الى تدقيق أكثر خدمة للتأريخ.