الأربعاء: 21 أكتوبر، 2020 - 04 ربيع الأول 1442 - 11:16 صباحاً
سلة الاخبار
الأربعاء: 12 فبراير، 2020

عبد القادر الجنابي

125 يوماً مروا على انطلاق الاحتجاجات العراقية، ومازال زين العابدين محمد يواصل حضوره اليومي في ساحة التحرير البغدادية، قائداً لجماعة شبابية تدعى تنسيقية “ثوار العراق”.
تختلف مشاركة الناشط البغدادي هذه المرة عن سابقاتها من الاحتجاجات المندلعة في أعوام 2011- 2015- 2018، حيث كان يشارك تحت يافطة اليسار العراقي المناهض لسلطة الإسلام السياسي الحاكمة منذ العام 2005، حيث أول انتخابات عراقية جرت بعد العام 2003، إذ تأتي مشاركته في تظاهرات تشرين بهوية مختلفة، تميل إلى الاستقلال السياسي عن أي مسار حزبي معين.
“الساحة يتصدرها أبناء المعاناة الواقعيون والحقيقيون، وليس الساسة المنظرون لفشل الإسلام السياسي عبر شاشات التلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي”.
الطالب في كلية القانون بجامعة بغداد، كشف عن خيبة أمله تجاه كل القوى العلمانية التي لم ير أنها تصدت بالشكل الكافي والمطلوب، لاستثمار فشل الإسلاميين وتعبئة الشارع المحلي ضدهم. يقول: “الشارع الاحتجاجي انتفض من وحي معاناته، عبر محركات الوعي لدى أغلبية الشباب المستقل حزبياً، فشلت كل القوى المدنية العلمانية في تحريك الجمهور ضد أداء الاحزاب الإسلامية الفاشل منذ 16 عاماً”.
ويضيف زين العابدين، 26 سنة، : “اليوم في ساحة التحرير، لا نرى تنسيقية تابعة للتيار المدني أو للحزب الشيوعي، أو خيمة لحركة الوفاق الوطني، أو الحركة المدنية العراقية”، مبيناً أن “الساحة يتصدرها أبناء المعاناة الواقعيون والحقيقيون، وليس الساسة المنظرون لفشل الإسلام السياسي عبر شاشات التلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي”.
وعن الهويات السياسية لقادة الحراك الاحتجاجي، يوضح أن “جميع الهويات الفرعية اندثرت أمام هوية العراق، خصوصاً نحن نرفع شعار (نريد وطن)، وتحت هذا الشعار يجتمع الجميع”، مضيفاً، “أنا يساري، تخليت عن يافطة رفاق الأمس نتيجة حراكهم البارد، وانضممت لشباب التحرير الثوري، وكذلك معنا شباب متدينون، نشترك في مظلومية واحدة ونتعامل كعراقيين، بعيداً عن أي مسمى أيديولوجي سياسي”.
تخوض القوى العلمانية في العراق، وأبرزها الحزب الشيوعي العراقي الحاصل على مقعدين نيابيين تخلى عنهما لاحقاً، “حركة الوفاق الوطني” بزعامة إياد علاوي، الحاصل على 21 مقعداً، “التيار المدني” الذي تقوده عدة شخصيات نخبوية ويمتلك مقعداً نيابياً، “الحركة المدنية العراقية” بقيادة النائبة السابقة شروق العبايجي، تيار “تمدن” بقيادة النائب فائق الشيخ علي، و”حزب الأمة العراقية” بزعامة السياسي مثال الألوسي، فضلاً عن شخصيات ليبرالية مستقلة، أمثال إياد جمال الدين، وائل عبد اللطيف وآخرون، معارضةً ضد هيمنة قوى الإسلام السياسي على السلطة، وتلاعبها بمنظومة قانون الانتخابات التي تتيح فوزها كل مرة، نتيجة العتبة العالية للمقعد النيابي وضعف الإقبال الجماهيري المعارض على الانتخابات، مع كثافة إقبال جماهيرها على صناديق الاقتراع، ما يجعل الإسلاميين يفوزون في كل موسم انتخابي، وفقاً لتلك المعادلة.
تختلف مشاركة الناشط البغدادي هذه المرة عن سابقاتها من الاحتجاجات، إذ تأتي مشاركته في تظاهرات تشرين بهوية مختلفة، تميل الى الاستقلال السياسي عن أي مسار حزبي معين
ناشطون مستقلون يقودون الاحتجاج
في مجمل التظاهرات التي اندلعت ضد حكومتي نوري المالكي وحيدر العبادي، في أعوام 2011- 2015- 2018، كان القوى المدنية محور تلك التظاهرات من حيث التنظيم والمشاركة الشعبية لجماهيرهم فيها.
وعن ذلك، يفصّل زين العابدين، قائلاً: “استمر العلمانيون بالعمل ضد هيمنة الإسلاميين، عن طريق تأجيج الشارع، فضح ملفات الفساد وتبيان سوء إدارة الدولة، الذي فشلوا به فشلاً فاضحاً وذريعاً”، لافتاً إلى “استثمار النشطاء المدنيين الحزبيين للإعلام ومواقع السوشال ميديا، واستطاعوا أن يبرزوا كأسماء مثقفة ودعاة لنظام علماني في البلاد”.
ويضيف الناشط اليساري السابق، أنه “بحلول انتخابات العام 2018، ودخول بعض العلمانيين مع الإسلاميين وأعني هنا (تحالف سائرون)، جعل الصوت العلماني منخفضاً في نقده للسلطة”، مضيفاً “ومع تصاعد الفشل، أخذ ناشطون مستقلون على عاتقهم مهمة معارضة حكومة المستقيل عادل عبد المهدي، وتمكنوا من رصّ صفوفهم وقيادة احتجاجات تشرين الحالية”.

“متطلبات الحياة البسيطة، كالمطالبة بإيجاد فرص عمل وتوظيف، حياة آمنة مستقرة ومستقبل مضمون، هي من دفعتني وزملائي الناشطين المستقلين الى التكاتف والعمل المشترك ضمن تنسيقيات الاحتجاج”، بهذه الدوافع، يوضح زين العابدين، اندماج الشباب في حراك واحد.
وبرزت عدة شخصيات مستقلة قائدة للتظاهرات في عدة مدن عراقية، لاسيما الناشط فراس السراي، الذي قتلته رصاصات القوات الأمنية بساحة التحرير، والناشط ثائر الطيب، الذي قتل على يد مجاميع مسلحة في محافظة الديوانية وسط العراق، والناشط الطبيب الصيدلاني الدكتور علاء الركابي، أبرز قادة الحراك الاحتجاجي في محافظة ذي قار، جنوب العراق.

“أنا يساري، تخليت عن يافطة رفاق الأمس نتيجة حراكهم البارد، وانضممت لشباب التحرير الثوري، وكذلك معنا شباب متدينون، نشترك في مظلومية واحدة ونتعامل كعراقيين، بعيداً عن أي مسمى أيديولوجي سياسي”.
هل وقع العلمانيون بفخ السلطة المؤقتة؟
يشارك “التيار الصدري”، أكبر قوة إسلامية في العراق، في كل احتجاجات مناهضة لسلطة “حزب الدعوة الإسلامية” بزعامة نوري المالكي، وهو الحزب الحاكم لـ12 عاماً، نتيجة تباين في مواقف زعيم التيار مقتدى الصدر، ورؤساء الحكومات الماضية، لذا يشترك الصدريون إلى جانب المدنيين في أغلب التظاهرات، بداعي توافقهما على الأهداف المعلنة، ومنها مكافحة الفساد والمحاصصة الطائفية وكسر هيمنة الدعاة على السلطة، هذه المشاركة أفضت إلى تحالف سياسي انتخابي جمع الصدريين والشيوعيين في تحالف “سائرون”، الفائز الأول في انتخابات الأخيرة في 2018، حيث نال 54 مقعداً، منها مقعدين للشيوعيين فقط.
دخول كتلتا “سائرون” و”الفتح” بزعامة هادي العامري المقرب من إيران، في ائتلاف سياسي، أنتج فيما بعد حكومة عادل عبد المهدي في 25 تشرين الأول/أكتوبر 2018. جعل الشيوعيين في مرمى الحرج الجماهيري المنتفض ضد حكومة عبد المهدي، وهي الحكومة التي استمرت لعام واحد فقط، حيث استقالت في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، نتيجة تصاعد الاحتجاجات وأعمال العنف الدموية، ومطالبة المرجعية الشيعية إياها بالاستقالة.

وعن تراجع دور الشيوعيين في احتجاجات تشرين، يقول لطيف الوائلي، الباحث السياسي، إن “دخول الحزب الشيوعي القائد لكل الاحتجاجات المندلعة بعد 2003، في تحالف سياسي مع التيار الصدري، نحى الحزب عن إدارة احتجاجات عام 2019 المستمرة لغاية الآن”، مؤكداً أن “الشيوعيين تعاملوا مع الصدريين من منظور طبقي، على اعتبار أنهم شريحة جماهيرية واسعة من الفقراء والمعدمين، لكن زعيم التيار تمكن من كسب وجاهتهم السياسية المدنية، ليكسب بها الشارع الانتخابي مجدداً”.
ويؤكد الوائلي : “الحزب الشيوعي لم يحصل على شيء سوى مقعدين داخل تحالف سائرون، ولم يشارك بأي وزير في الحكومة نتيجة ضعف مقاعده، فلهذا حمل أوزار أخطاء التيار الصدري الحاكم مع تحالف الفتح، دون أن يحصل على مغنم سلطوي، لهذا هو اليوم بعيد عن الساحة الاحتجاجية”.
لكن حجاز بهية، عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، اختلف مع طرح الوائلي الأخير، وقال: “حزبنا كان حاضراً في الأول من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، ومن خلال جميع أعضائه ومنظماته الحزبية في عموم الوطن، شاركوا مع أبناء شعبهم في المطالبة بتوفير الخدمات وتوفير فرص العمل، بل رسموا جدول العمل الموضوعة للتغيير الشامل للمنهج والأداء ونمط التفكير”.
“الشارع الاحتجاجي انتفض من وحي معاناته، عبر محركات الوعي لدى أغلبية الشباب المستقل حزبياً، فشلت كل القوى المدنية العلمانية في تحريك الجمهور ضد أداء الاحزاب الإسلامية الفاشل منذ 16 عاماً”.
وأكد أن حزبه “أعلن انحيازه الكامل للناس وللانتفاضة الباسلة وقدم ممثلوه في البرلمان استقالاتهم، لما آلت إليه الأمور من قمع المنتفضين”.
وكان نائبا الحزب الشيوعي في تحالف “سائرون”، رائد فهمي وهيفاء الأمين، قد قدما استقالتيهما من عضوية مجلس النواب العراقي، تضامناً مع التظاهرات القائمة في البلاد، فضلاً عن أعضاء الحزب في مجالس المحافظات، احتجاجاً على استخدام الحكومة “المستقيلة” لأعمال العنف ضد المتظاهرين و”عجز البرلمان عن اتخاذ أي قرار”.
وعن وقوعهم بفخ السلطة المؤقتة، أجاب بهية: “لا يمكنني التصريح بذلك الآن، حيث الحزب مازال يدرس تجربته مع التيار الصدري في تحالف سائرون”.
علاوي والمدنيون… غياب عن المشهد
تختلف بنية القوى العلمانية الأخرى عن بنية الحزب الشيوعي العراقي، الأولى تعتمد على الخطاب الإعلامي الحاد كوسيلة لجذب الجمهور، بينما يعتمد الشيوعيون على التعبئة الجماهيرية، عبر استثمار ساحات الاحتجاج في كل مرة.
ومن أبرز القوى العلمانية الفاعلة في مشهد السلطة منذ التغيير، هي حركة الوفاق الوطني العراقي، بزعامة إياد علاوي، رئيس الوزراء الأسبق، وعن واقع تلك الحركة، يقول الوائلي: “الوفاق الوطني قائمة على رمزية زعيمها إياد علاوي، ولا وجود تنظيمي قائم لها، سوى أنها تعتمد مناغمة الجمهور القومي البعثي داخل الأوساط الشيعية والسنية، وهم من فئة كبار السن، لهذا تعتمد الحركة على أصواتهم في كل انتخابات”، مبيناً أن “هذه الفئة كبيرة جداً، بفضلها تصل مقاعد حركة الوفاق وحدها دون تحالفات أخرى، من 21 إلى 25 مقعداً نيابياً، أي قرابة المليون ناخب”.
ويضيف الباحث السياسي العراقي، أن “زعيم الحركة، يعتمد على ديمومة وجوده من خلال المواقف السياسية والتصريحات الإعلامية التي تنال من الإسلاميين، و ارتباطهم بمحور إيران”، مشيراً الى أن “ظروف الحركة المدنية الأرستقراطية، تمنعها من امتلاك أدوات التواصل مع الشارع الاحتجاجي”.
وفيما يتعلق بباقي القوى المدنية العلمانية الأخرى، يتحدث الوائلي، أن “أبرز فاعلية مدنية قائمة ضمن مناخ الاحتجاجات اليوم، هي فاعلية تيار تمدن، بزعامة النائب فائق الشيخ علي”، مبيناً أن الأخير “يستخدم الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لبث خطابه المتفاعل مع الشباب”.
ويضيف، أن خطاب الشيخ علي “قائم على مناغمة الشباب الحانق على الأوضاع، حيث لا يتوانى النائب المدني عن استخدام عبارات جارحة، ويعدها البعض سوقية، للنيل من إيران وأتباعها في السلطة العراقية، وهو ما يجعله متناغماً مع الغضب الشبابي في كل ساحات التظاهر”.
أما بقية الشخصيات الليبرالية والقوى المدنية، فهي “غائبة عن الحضور الاحتجاجي، لأنها تخشى الصدام مع الجماهير التي ترفض تواجد الحزبيين والسياسيين في مجمل الساحات عموماً”، وفقاً لتحليل الوائلي.
ظروف العراق السياسية المتقلبة، وهيمنة المناخ الديني ببعديه السياسي والأصولي، وراء تراجع الخطاب العلماني في البلاد، في حين أضحت الثقة معدومة بين الجمهور ومختلف الشخصيات السياسية، نتيجة ثقافة التكفير والشيطنة التي يمارسها “الكل ضد الكل”، كما يقول ناشطون مدنيون
الواقع وظروفه وثقافة التسقيط
ظروف العراق السياسية المتقلبة، وهيمنة المناخ الديني ببعديه السياسي والأصولي، وراء تراجع الخطاب العلماني في البلاد، في حين أضحت الثقة معدومة بين الجمهور ومختلف الشخصيات السياسية، نتيجة ثقافة التكفير والشيطنة التي يمارسها “الكل ضد الكل”، كما يقول ناشطون مدنيون.
ويسرد مصطفى الخزعلي، ناشط مدني محايد، تفاصيل تراجع العلمانية العراقية عن إدارة الاحتجاجات الراهنة: “الظروف المحاطة بالوضع العراقي، تمنع الشخصيات الليبرالية واليسارية من مواصلة قيادة الحراك المعارض لسلطة الإسلاميين”، موضحاً أن “الغالبية المحتجة تتبع في النهاية المرجعية الدينية، وتنتظر قولها في خطبة جمعة من كل أسبوع، ومن ينتظر رأي الفقيه الديني في مسألة سياسية، يعني أن منظومته الفكرية بعيدة كل البعد عن قوى العلمنة في العراق”.
ويضيف : “منابر الجمعة والبرامج السياسية والدينية، كلها عملت خلال العقد ونصف المنصرمين، على تثقيف الجماهير ضد العلمانيين، واتهامهم بالإباحية والإلحاد والكفر”، مشيراً الى أن “المتظاهر العراقي اليوم، صحيح هو ضد القوى الإسلامية الحاكمة، لكن ليس بالضرورة أن يكون لديه قبول فكري لطروحات العلمانيين السياسية على الأقل”.
ويؤكد الناشط المرابط ضمن تنسيقية الشهيد ثائر الطيب، في محافظة الديوانية، أن “كل قوى المعارضة العلمانية في محافظتنا، تشاركنا في خيم الاعتصام، كأفراد ودعم لوجستي في أغلب الأحيان”، داعياً الى “عدم نسيان أن الاحتجاجات الحالية هي نتاج الاحتجاجات الماضية التي قادها العلمانيون، وصعود دور الناشط المستقل في هذه الاحتجاجات جاء بفضل تراكمات الماضي”.
من جهته، يقترب القيادي في الحزب الشيوعي، حجاز بهية، من رأي الخزعلي، ويؤكد أن “التظاهرات بنسختها الجديدة، انطلقت من دون أن تكون مقطوعة الجذور عن الحركة الاحتجاجية التي انطلقت في 25 شباط/ فبراير 2011 وفي 2015، إنما جاءت بتراكم من التجربة والخبرة وما فرضته من حقائق، وهي ليست بعيدة أيضاً عن جهد حزبنا، والقوى والشخصيات المدنية الديمقراطية والوطنية الأخرى”، لافتاً الى أن القوى العلمانية “بيّنت منذ وقت مبكر المخاطر الناجمة عن مواصلة القوى المتنفذة، تشبثها بالمحاصصة، وولادة الأزمات الحامية لمنظومة الفساد والإرهاب معاً”.