الأثنين: 16 يوليو، 2018 - 03 ذو القعدة 1439 - 04:37 مساءً
ثقافة وفن
الأحد: 25 مارس، 2018

حسام الدين عوض

يعرف المتوضئون بالشعر، والمتبتلون في صومعة الأدب، أن الشعراءَ متحررون -بطبعهم- من قيود الآداب العامة، ومتجاوزون في كثيرٍ من الأحايين للخطوط الحمراء التي يجمعُ عليها الأسوياء.

وقد كان نزار قباني -رحمه الله- على رأس هؤلاء الذين تحرروا من كل قيد وهو يسكبُ إبداعات قلمه على الورق، ورغم أنه صنع قطعاً فسيفسائية أخاذة، ورسم بشعره صوراً رومانسية برَّاقة، وكان أشعر من كتب في المرأة ولها، فإنَّ كلماته لم تكن تخلو من صَخَبٍ وقحٍ، ونزَقٍ زاعق.

يفسِّرُ نزار قباني هذا المسلك في قصيدته (كل عام وأنت حبيبتي) حين يقول: هناكَ ثلاثُ حالاتٍ يصبحُ فيها الحلمُ شرعياً: حالةُ الجنونْ.. وحالةُ الشِّعرْ.. وحالةُ التعرُّفِ على امرأةٍ مدهشةٍ مثلكِ.. وأنا أُعاني – لحسنِ الحظّ – منَ الحالاتِ الثلاثْ.

ولأنَّ القيصر (صاحب أكبر نصيب من التغني بكلمات نزار) -لأنه- إنسانٌ غضُّ الطبع، رشيق الحسِّ، رقيق الذوق، فقد أدرك أنَّ الشاعرَ لا يقرأُ له سوَى الهائمين في دروب اللغة، التائهين في فيافيها، بينما المطربُ يسمعُ له الصغيرُ قبل الكبير.
ولهذا فقد قرَّر القيصر -الإنسان قبل الفنان- أن يعيد تهذيب وتشذيب بعض الشطحات النزارية، وذلك على النحو الذي أوجزه فيما يلي.

(قصيدة: البيان الأخير من الملك شهريار)
قال نزار: إنني أؤمن بالتوحيد في دين المحبة! فغناها القيصر: إنني أؤمن بالإخلاص في دنيا الهوى
وقال أيضاً: لا ولاذوَّبتُ في الحامض أجساد النساء، فغناها القيصر: لا ولا أحرقتُ بالحب أكباد النساء

(قصيدة: يوميات رجل مهزوم)
قال نزار: وضربتُ شواطِئَ نهديها كالرعد الغاضب أو كالبرق، فغناها القيصر: وضربتُ شواطئ عينيها!

(قصيدة: الرسم بالكلمات)
قال نزار: لم يبق نهدٌ أحمر أو أبيض إلا زرعت بأرضه راياتي.. فغناها القيصر: لم يبقّ خدٌّ أحمر أو أبيض!

(قصيدة: زيديني عشقاً)..
قال نزار: جِسمُكِ خارطتي.. وغناها القيصر: حُبُّكِ خارطتي
وقال: يا طعمَ الثلج، وطعمَ النار ونكهةَ شكي وكفري.. فغناها القيصر: ونكهة شكي ويقيني!

(قصيدة: أحبيني بلا عقد)
قال نزار: تعرِّي واسقطي مطراً على عطشي وصحرائي.. فغناها القيصر: تعالي واسقطي مطراً.
وقال أيضاً: وأبقيني على نهديك مثل النقش في الحجر.. فحذفها القيصر ولم يغنّها!

(قصيدة: أشهد أن لا امرأة)
قال نزار: أشهد أن لا امرأة مارستُ الحبَّ معها بمنتهى الحضارة.. فغناها القيصر: يا امرأة أعطتنيَ الحُبَّ بمنتهى الحضارة

(قصيدة: قولي أحبك).
استبعد القيصر كل الأبيات الصادمة.. كقول نزار: قولي أحبكَ كي تصيرَ قصائدي مـائيـةً وكتابَتِي تنـزيـلا!! وكقوله: لا تخجلي مني فهذي فرصتي لأكونَ ربـّا.. أو أكونَ رسولا!

(قصيدة: هل عندك شك؟)
قال نزار: دافئةٌ أنتِ كرمل البحر.. رائعةٌ أنتِ كليلة قدر..! فغناها القيصر: دافئةٌ أنتِ كليلة حب
وقال: يا نهداً يعبِقُ مثلَ حقول التبغِ ويركض نحوي كحصان.. فغناها القيصر: يا وجهاً يعبِقُ مثلَ حقول الورد!

وهكذا؛ فقد أعاد القيصرُ صياغةَ بعض كلمات نزار قباني، ثمَّ رواها بألحانِه الحالمة، وجمله الموسيقية الناعسة الناعمة، حتى أينعت وأزهرت واستحالت أشجاراً باسقةً لن ينساها تاريخ الفنِّ.

فإلى قيصر الأغنية العربية: الذي ما زالت أغانيه سلواي في غربتي.. إلى الفنان كاظم الساهر، أُهدي هذا الموضوع!