الأحد: 1 نوفمبر، 2020 - 15 ربيع الأول 1442 - 12:30 صباحاً
سلة الاخبار
الثلاثاء: 24 يناير، 2017

عواجل برس  _ خاص

 
الجانب الأيمن لمدينة الموصل ما زال بعيدا عن الحرب التي تدور رحاها على الجانب الآخر، لكنه يواجه أزمة إنسانية متفاقمة نتيجة النقص الحاد في الغذاء بعد الحصار المطبق الذي نجم عن قطع الطريق إلى سوريا. فيما يأتي بعض الحكايات عن معاناة المدنيين في تدبير لقمة الحزب لهم ولعوائلهم .

 
ما تبقى
لفاطمة منزل كبير تسكنه مع عائلتها المؤلفة من (16) فردا ، فيه غرفة صغيرة مظلمة كانت حتى وقت قريب مهملة تسرح فيها الفئران والحشرات . اما اليوم فهي القلب النابض في المنزل بفضل المواد الغذائية التي أودعت فيها، لاسيما بعدما تم قطع آخر طرق الإمداد لمدينة الموصل.

 
يكاد لا يخلو منزل بالمدينة من هذا المخزن الذي يسمى بلهجة الموصل المحلية (بيت المونى) اذ حرصت العائلات هناك على خزن ما تستطيع من مواد غذائية فيه تحسبا للحصار الذي يبدو أنه سيطول بسبب الظروف المعقدة التي تحيط بالعمليات العسكرية، لكن السكان المحليين في الجانب الأيمن بدأوا مرحلة العد التنازلي لمخزوناتهم قبل بدء عمليات التحرير.
فاطمة المرأة الستينية أحكمت قفل باب المخزن وأعلنته منطقة محرمة للحفاظ على ما فيه من عبث أبنائها وأحفادها، “قبل شهرين اشتريت بكل ما أملك من مال مواد غذائية وقد علم أبنائي أن قراري كان صائبا عندما تضاعفت الأسعار أربع مرات في الأسبوع الأول على الحصار”.

 
من يفرض الحصار؟
بعد سيطرة تنظيم “داعش” على الموصل في حزيران (يونيو)2016 انقطعت الطرق التي تصلها بالمحافظات العراقية الأخرى، وبقي طريق واحد يربطها بسوريا عبر مدينة الرقة وكان الطريق المذكور لنحو سنتين ونصف شريان الحياة للمدينة يغذيها بما تحتاجه من مستلزمات غذائية وأدوية ومشتقات نفطية وغيرها، وفي نهاية شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي تم قطع هذا الشريان عندما تمكنت قوات الحشد الشعبي من السيطرة على الأجزاء الغربية والجنوبية للمحافظة.

 
التاجر ابو علي قال لـ”نقاش” عبر اتصال هاتفي إن آخر قافلة شاحنات وسيارات استطاعت المرور نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) بعدها اندلعت اشتباكات عنيفة بين عناصر التنظيم ومقاتلي الحشد الشعبي في منطقة عداية (50 كلم) غرب الموصل أدت الى حرق قافلة صهاريج محملة بالوقود، منذ ذلك الحين لم يجرؤ احد على العبور على الطريق لأن المنطقة أصبحت ساحة حرب.
الامطار هي الاخرى تساهم في الحصار، أضاف أبو علي ، فثمة طرق نسيمية تحاذي الطريق الرئيس، لكنها تصبح غير سالكة في موسم الأمطار، لذا فان المدينة دخلت حالة إنذار مبكر بعدما تضاعفت أسعار السلع المستوردة من سوريا خاصة الغذائية ووقود السيارات والتدفئة والأدوية.

جوع وبرد
للوهلة الأولى لم تلاحظ فاطمة تغييرا واضحا في البورصة أهم منطقة تجارية في الجانب الأيمن، فالتجار الصغار هناك ما زالوا يفتحون دكاكينهم وعندما اقتربت أكثر اكتشفت ان البضاعة الموجودة شحيحة جدا ولم تعد الشاحنات تجلب البضاعة إلى السوق.
الاهم من ذلك ارتفاع الأسعار الى مستوى غير مسبوق، مثلا أسعار الرز والطحين والبقوليات ارتفعت بنسبة تفوق (200) في المئة. علبة السجائر التي تباع سرا قفزت الى ما يعادل سبعة دولارات بعدما كانت بدولارين فقط، بينما الوقود تضاعفت أسعاره خمس مرات ، وهو غير متوفر، وصار سلعة نادرة.

 
المحال والدكاكين الصغيرة في المناطق السكنية بدأت تغلق أبوابها، لم يعد فيها ما يؤكل بينما الأسواق تدق ناقوس الخطر، كل ما يتم بيعه وشراؤه من غذاء هو مخزون. “ما كنا نخشاه حصل لقد بدأ الحصار الحقيقي، احرصوا على كل حبة رز وذرة طحين وقطرة وقود، الله وحده يعلم متى الفرج”، قالت فاطمة لأولادها ما أن عادت الى المنزل محملة بأكياس صغيرة من المواد الغذائية.

 
تنظيم داعش ما زال يسعى لإحكام سيطرته على زمام الامور في الموصل حيث اعتقل اكثر من عشرين تاجرا من البورصة بسبب ارتفاع الاسعار، ثم اصدر مقطع فيديو بدقيقة واحدة يصور جانبا من سوق البورصة ويظهر فيه شابا يشيد بحملة الاعتقالات قائلا :ان “التجار ارادوا احتكار البضاعة ليبيعوها فيما بعد بسعر خيالي، الا ان ديوان الحسبة قام بعمل جيد عندما عاقب بعض التجار”.
هذا الفيديو نشر على موقع أعماق التابع لداعش بتاريخ الرابع من كانون الاول (ديسمبر) الجاري، وبعد مرور أسبوعين لم يتوقف ارتفاع الاسعار، البيضة الواحدة صارت بألف دينار بينما كانت قبل شهر بمئتي دينار فقط وهكذا بقية المواد الغذائية، هذا إن توفرت.

 
لا توجد نار للطبخ
أزمة الغذاء في الموصل لها بعد آخر، إذ أن المدينة تواجه أزمة وقود خانقة. تقول فاطمة وهي ربت بيت تقضي جل وقتها في المطبخ ، “صرت احمل على كتفي جبلا من الهم عندما يحين وقت الطبخ، عين على بيت الموني واخرى على اسطوانة غاز الطبخ الذي يوشك أن ينفد، علما انني بدأت منذ ايام بإعداد الطعام بطريقة بدائية” أي على الحطب.

 
المشتقات النفطية كانت تصل من الرقة وقد انقطع هذا السبيل وقبله انقطع النفط الخام الذي كان يستخرج من آبار ناحية القيارة جنوب الموصل، بعدما استعادتها القوات العراقية توقفت المحارق وهي معامل تكرير بدائية عن العمل ، إذ كان تنظيم داعش يبيع النفط الخام على أصحابها لإنتاج الوقود.

 
الآن التوجه الى البدائل، تنظيم داعش بدأ يبيع بقايا المشاريع وغيرها على السكان ليحولوها الى حطب للطبخ والتدفئة، احمد خضر قال إنه اشترى (250 كلغم) من الخشب من مشروع ملعب لكرة القدم غربي الموصل كانت الحكومة المحلية قد بدأته قبل دخول داعش على الموصل.

 
“يضيف “تسابق الناس على شراء الاعمدة الخشبية التي كانت تستخدم لبناء الملعب وخلال اسبوع لم يتبق منها اي شيء منها” .

 
بطاطا وبصل
في سوق المعاش في الجانب الأيمن من المدينة والذي كان يزدحم بآلاف الاطنان من الفاكهة والخضار المحلية والمستورة على مدار السنة، لم يعد هناك سوى اكياس من البطاطا والبصل بحسب التاجر ابو علي.

 
كانت الموصل تسمى سلة خبز العراق لأنها تنتج الكثير من المحاصيل الزراعية أما اليوم فقد بات أكل سكانها مقصورا على البصل والبطاطا، حتى أن سوق المعاش التي كانت الموصل كلها تأكل منها باتت شبه مغلقة- يضيف بنبرة حزينة.

 
وردا على سؤال بشان المدة التي لم تدخل فيها الفواكه الى السوق، ضحك التاجر قائلا: هذا السؤال يذكرني بالمقولة الشهيرة التي نسبت الى ماري أنطوانيت ملكة فرنسا وزوجة الملك لويس السادس عشر “إذا لم يكن هناك خبزٌ للفقراء .. دعهم يأكلون كعكاً”، الناس هنا أصبحوا عاجزين عن توفير الخبز ليس همهم الفاكهة.