الخميس: 18 يوليو، 2019 - 15 ذو القعدة 1440 - 12:46 صباحاً
سلة الاخبار
الأثنين: 11 فبراير، 2019

عواجل برس/متابعة

لا يختلف المؤرخون في تدوين لحظات الثورة الإسلامية في إيران و مشاهد التفاف غالبية الشعب حول قائدها آية الله الخميني في لحظة النشوة وكسر نظام الشاه، لكن الروايات تختلف في تاريخ ما قبل الثورة وما بعدها.

“بكت جدتي عندما سقط نظام الشاه حزناً عليه، مثلما بكت فرحاً عند عودة الخميني إلى إيران” يشرح رضا ما روته له جدته عن ذكرياتها أيام الثورة الإيرانية، كانت تقطن قرية قرب مدينة بابل شمال غربي إيران ، لماذا بكت؟ “كانت حزينة على رحيل الشاه”، هل كانت تحبه؟ “نعم لقد منحهم الأراضي التي كانت ملكاً للإقطاعيين، وزعها على من يعمل بها، حقق لهم عدالة لطالما حلمت بها أجيال”، إذاً ماذا عن سعادتها بعودة الخميني؟، يشيح رضا بوجهه ويكمل: “كانت له سمعة جيدة والجميع يحبه في إيران وهو شيخ سيطبق الشريعة التي خرقها الشاه، يمكن القول إنها كانت تشعر بالتناقض”، يضيف رضا: “الحقيقة هي كانت متدينة إذن فمن البديهي أن تحب الخميني لكنها كانت ممتنة للشاه فهو لم يكن سيئاً لقد نقل الخدمات المختلفة إلى قريتهم: الطرق والسكك الحديدية والكهرباء، نعم لقد كانت ممتنة له طيلة حياتها”.

 وهل كانت ممتنة أيضاً للخميني؟ يبتسم  ويكمل “لأوضح لك الأمر هي متدينة لكنها كانت تدخن السجائر، جميع العجائز في الشمال يدخنّ السجائر لكنها لم تكن ترغب بالمزيد من التحرر كانت تقليدية تلبس زي المزارعات هناك وكل تفاصيل حياتها ورثتها عن أهلها فقط الدخان كان جديداً”، ما علاقة هذا الأمر بمحبة الخميني؟ “ آها.. كنت أقول إنها كأغلب سكان قريتها أحبوا فكرة وجود رجل دين في قيادة البلاد ولكن لم تكن تحبذ الأتاوى التي يحصل عليها رجال الدين ولم تطق القيود الأخرى التي بدؤوا يفرضونها باسم الدين، وسرعان ما مات الخميني واختلف الأمر بالنسبة لها فحلم حكومة الرجل الصالح انتهى فتقاسم ذوو العممات ترِكََته لذلك كانت تبغض رجال الدين -باستثناء- الخميني في مرحلة ما بعد الثورة ولاسيما أيام الحرب” (الحرب الإيرانية العراقية) لماذا ما دور الحرب؟ “لقد كان رجال الدين يتلاعبون بمعتقدات الشباب المراهقين ويسوقونهم إلى الجبهة، لقد خسرت ابنها قبل أن يُكمل ربيعه السادس عشر”.

رتِّب أولوياتك بما يُعجب السلطان

قصة الجدة الشمالية تحكي واقع التناقض والصراع الداخلي في قرارة نفس الإيراني، فالحلم بالعدالة والحرية على الطريقة الإسلامية غير ممكن هنا، والثورة في الشرق هي أن تعيد ترتيب أولويات أحلامك يما يوافق رغبات السلطان الجديد، هي أن تبادل همومك بهموم شخص آخر، هي أن تتشوق لفتح ظرف رسالة مزين فتجده فارغاً، هي أن تستعيض عن  استخدام الأزمنة الماضية بالحاضرة وتعكف عن المستقبل، أن تمنع أبناءك من الانضمام إلى أي حراك حتى المدني، أن تتجنب مشاهدة الفيلم الوثائقي الذي يعرضه التلفاز الآن، ها هم يعرضون صورك حين كنتَ شاباً ويشكرونك لأنك ساهمت في وصولهم إلى السلطة، ها هم يذكرونك بتلك الشعارات التي كتبتها في سريرك الجامعي وأنت تحلم بالنصر.

ما زالت أحلام جيل الثورة مهجورةً في السكن الجامعي الذي أسسه الشاه قبل رحيله بعقود، يشاهدها أبناؤهم فتراودهم أحلام الثورة من جديد، ثورة على الثورة. تلقى أحلامهم مصيرَ أحلام آبائهم بالقمع والمزيد منه، جيلاً عن جيل شهد شعب إيران أشكالاً من القمع، خسارة الأصدقاء واقتياد آخرين إلى المعتقلات، أمر متوارث.

كل عقد من تاريخ إيران بعد الثورة يروي حكاية الانكسار والبحث عن مخرج من حدود بلاد ضاقت على أبنائها.

تقول هانيه (55 عاماً) من أصفهان كنتُ متحمسة للثورة جداً كنتُ أهرب من منزلنا لألتحق بالمظاهرات وأشارك مع الأقلية غير المحجبة، كنت أعتقد جازمة أن الثورة ستثبّت لنا أقدامنا في المجتمع، كنا نتداول أخبار رجل الدين المنفتح بكل ثقة، كنت أقول لأمي المتدينة جداً إذا انتصرت الثورة عليكم أن تسمحوا لنا بنزع الحجاب فهناك رجل دين يسمح لنا بذلك. كم كنت ساذجة! أمّي كانت أميّة لكن كرهت الخميني بسببي، ثم هزئت بي وبه وبالجميع بعد سنوات.

هانيه المتفائلة هي أنموذج لكثيرات غير أميات لكنهن لم يقرأن الموقف بشكل صحيح،  فبينما كانت العدسات عام  1979 توّثق لوجود الكثير من الفتيات غير المحجبات في الشوارع سعيدات بانتصار الثورة ، تلتقط الكاميرا وجه سيدة متوسطة العمر تقف في صف الشاه ضد الثورة وتقول لمذيع أجنبي، وهي تشد عباءتها الملونة إلى الأمام وتبكي بحرقة “أنا أريد الشاه أنا أريد الشاه” لماذا؟ يسألها تقول ” سيأتي هؤلاء المعممين ولا آمان لنا بعدها”.

 

يقول أستاذ جامعي مختص في علم الاجتماع رفض ذكر اسمه لرصيف 22: “ما قام به الشعب الإيراني في الثورة الإسلامية عمل جبار بالطبع، لا يمكن أن تغير نظاماً قوياً قدم صورة جيدة عنه في أغلب المدن ومدعوماً من الخارج بهذه السهولة، كما كان لديه خلايا استخباراتية وخططاً كبيرة لتنظيم المجتمع الإيراني وتغيير ديموغرافية العشائر والأقوام والأقليات ليوحد إيران بشكل عصري وفق النمط الغربي، كان يتبع مستشارين درسوا في الغرب وبعض الأجانب، الأمر مختلف عن حكاية الملك الذي يمارس الظلم على الرعية في ألف ليلة وليلة. نعم كان هناك ديكتاتور يريد تنفيذ مخططه الخاص والشعب بالنسبة له ليس إلا أداة، لم يفكر بما يريد الشعب، لم يفكر ما إذا كان البعض يرغب بهذا التغيير، كل ما كان يفكر به هو تنفيذ مخططه وتطوير البلد مثلما يشاء، بالطبع كان هناك فاسدون وانتهازيون وغيرهم وهذا ما زاد ضغينة الشعب وجعله ينساق لفكرة تغيير الحاكم، لقد تمكنت الحوزات الدينية والخميني ورفاقه من لعب دور هام في تحريك مجتمع تقليدي متدين”.

بكت جدتي عندما سقط نظام الشاه حزناً عليه، مثلما بكت فرحاً عند عودة الخميني إلى إيران” يشرح رضا ما روته له جدته عن ذكرياتها أيام الثورة الإيرانية. رحلة عودة إلى إيران في العيد الأربعين لقيام الثورة الإسلامية، هل كل شيء على ما يرام هناك؟ والذكريات؟ ماذا عن الذكريات؟

يقول أحدهم: “لولا الحرب لكانت تلك الأبراج هنا”. ويقول آخر “الأفضل أن تقول لو ما كانت الثورة لكانت بندر عباس وبوشهر آبادان مثل نظيراتها على ذلك الطرف من الخليج العربي”. نسأله ما الذي غيرته الثورة الإيرانية؟

شاركغردسقط تمثال الشاه وسقط نظامه وجاءت حكومة الإمام الخميني لتشكل نظاماً جديداً يدعو للاستقلال والحرية والعودة إلى الإسلام بعيداً عن الغرب والتشبه به، انجرف الناس وراء الشعارات وأحرقوا الطرقات خلفهم، لقد علقوا قلوبهم بإرادتهم على مفارق الأيديولوجيات القوية لكن دون أي إنجاز.

شبح الحرب وظلال الأبراج

إلى الجنوب الإيراني، هناك في مدن الساحل يرمق السكان من إيران دُبي وأبراجها من بعيد، يقول أحدهم “لولا الحرب لكانت تلك الأبراج هنا” يقول آخر “الأفضل أن تقول لو ما كانت الثورة لكانت بندر عباس وبوشهر آبادان مثل نظيراتها على ذلك الطرف من الخليج العربي”، نسأله ما الذي غيرته الثورة إذاً؟ يقول الرجل صاحب اللهجة الجنوبية “كانت التجارة عامرة هنا والموانى مفتوحة لجميع السفن، كنا نكرر النفط ونبيع للعالم، يأتينا الناس من المدن الكبرى كأصفهان ويزد وشيراز ليعملوا هنا في الشركات الأجنبية، والآن ماذا حدث يذهب أبناؤنا إلى المدن الأخرى يعيشون في أطرافها  يشعرون بغربة وهم في بلادهم، لا أحد يرغب بهم لا عمل لهم هنا ولا مسكن لهم هناك، لقد دمرت الثورة مدننا بحربها مع صدام”، نذكره بأن صدام هو من بدأ، يستطرد: “نعم صدام ورطنا بالحرب ولكن من أجل ماذا؟ من أجل شعارات إسلامية لم تتحقق ها هم الآن يحاربون في العراق في صف من حاربوهم سابقاً ونحن هنا نقتات من فضلات البحر التي تتركها سفن الصيد الصينية، لا أحد يهتم بأمرنا”.  أحاول أن أعيده إلى نهاية السبعينيات، ألم تشارك بالثورة إذاً يا عم؟ يطرق الحاج رأسه ويقول: “كنت أعمل في الكويت آنذاك، كانوا يشيدون بلادهم الجديدة ونحن كنا نهدمها هنا”.

في كتابه “لحظات الثورة” (صدر عن دار معارف) دوّن محمود غلابدرهائي ماشاهده، مؤرخاً للحظاتٍ حاسمة في تاريخ إيران ليلة هروب الشاه قائلاً: “اليوم 16 كانون الثاني شارع الجامعة مزدحم بالناس، الساحة ممتلئة بأمواج من البشر، فجأة جاء الخبر.. رحل الشاه. سرعان ما تحولت الجملة إلى شعار يصدح في الميدان، رحل الشاه رحل الشاه، الحديث شغل الجميع ولا أحد يسمع، مثل أسراب الفراشات كان الجميع يطير فرحاً يصرخ ويرقص. الناس يمسكون بأيادي بعضهم البعض، يركضون في الساحات هنا وهناك، أخرج البعض عملات ورقية طبع عليها صورة الشاه. مزقوا صورة الشاه وألصقوا عليها صورة الخميني اتجه الجميع نحو تمثال الشاه، الازدحام كان لا يوصف جموع الجماهير خنقت الشوارع والكل يصرخ: “أسقطوا تمثال الشاه”.

وسقط تمثال الشاه وسقط نظامه وجاءت حكومة الإمام الخميني لتشكل نظاماً جديداً يدعو للاستقلال والحرية والعودة إلى الإسلام بعيداً عن الغرب والتشبه به، انجرف الناس وراء الشعارات وأحرقوا الطرقات خلفهم، لقد علقوا قلوبهم بإرادتهم على مفارق الأيديولوجيات القوية لكن دون أي إنجاز.

أربعون عاماً من البناء والهدم

تغزو مواقعَ التواصل الاجتماعي الذكرى الأربعون للثورة الاسلامية، هذا يحتفل بوسم أربعين سنة بناء (#چهل_سال_سازندگی) وهذا يندب بوسم أربعين سنة انكسار(#چهل_سال_شکست)، الاصطفاف واضح بين أنصار الحكومة من جهة، وأبناء الشعب من جهة ثانية والتائهون كذلك من جهة ثالثة، والحسابات المزيفة من كل الاتجاهات، والأغلبية بأسماء مستعارة تخشى أن تبوح بما تفكر به حقا.

ليس هناك معالم لأي صفوف ثورية لا إسلامية ولا مضادة، كل ما في الأمر تكتلات تدافع عن تكتلات أخرى حققت انتصاراً ما ومضت، في المقابل الغالبيةساخرة من نفسها ومن وضعها ومن بلادها لكنها مثبطة الهمم لا ترغب سوى بالسخرية فتراها تهزأ من كل حدث وها هي تستذكر إحدى أكثر مواضيع السخرية المتداولة سنوياً في ذكرى الثورة عندما سأل الصحفي الأجنبي الخميني عن شعوره وهو يعود إلى بلاده على متن الطائرة بعد 15 سنة من الغياب، يرد قائد الثورة: لا شيء.

 

تمضي السيارة في شوارع طهران المزدانة بالأعلام، كل زاوية رُفعت فيها صورةٌ للإمامين ومصابيحُ تضيء هنا وهناك، الراديو يعيد أرقام الاتصال للمشاركة بالمسابقة المخصصة للمستمعين بمناسبة الذكرى الأربعين للثورة، الأغاني الوطنية تُذاع بين الفواصل وسائق التاكسي شاحب الوجه يسوق بعجلة، تقول راكبة في الخلف أغلق هذه الترهات يسرقوننا ويريدون منحنا هدايا لإرضائنا. لا يبالي السائق بتعليقها، تتمتم السيدة بكلمات غير مفهومة، يطفئ المذياع ببطئ متعمد، أسأله لماذا لا تغير المحطة ينظر ببلادة في المرآة العاكسة ويقول لي: “وما الفرق”؟

ما الفرق؟ لا أحد هنا يرنو إلى التغيير، لا أحد هنا مستعد لبذل جهد جديد من أجل تغيير المحطة التي تجمدت فيها البلاد كما يقول المثل الفارسي “السماء زرقاء أينما ذهبت”، فلا أمل يعلو جباه الناس هنا بل إنهم يخشون التغيير وحدوث الأسوء، فتجربة التغيير التي قاموا بها عام 1979 لم تقدم لهم واقعاً جديداً كل ما في الأمر هو إعادة تدوير بعض القوى الحاكمة.