الجمعة: 3 أبريل، 2020 - 09 شعبان 1441 - 03:44 صباحاً
بانوراما
الأثنين: 9 ديسمبر، 2019

تُعدّ “سورة التين” من أكثر السور إثارة للجدل والتأويل في القرآن، وذلك لارتباطها بعدة محاور هامة في العقيدة الإسلامية، كإثبات نبوّة محمد، الدلالة على الخلق، والإشارة إلى الديانات الإبراهيمية السابقة. وينقسم تفسير هذه الآية بحسب الفترة الزمنية إلى فترتين، أحدهما تبنت التفسير الحرفي وفقاً لما عُرف لفظاً عند العرب، أما الأخرى فأشارت إلى دلالات تجاوزت اللفظ إلى الارتباط بالرسالات السابقة، وهي التي أُهملت منذ القرن الخامس عشر الميلادي لتعاود الظهور في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، عند بعض الفقهاء.

 

وفي هذا المقال نراجع دراسة بعنوان “The Fig, the Olive, and the Cylces of Prophethood” للباحثة جوهانا بينك Johanna Pink. التي نشرت في كتاب Islamic Studies Today من عام (2017)، وفيها تحليل لذكر التين والزيتون في الكتاب المقدس كما في القرآن، وتغطية لآراء الفقهاء الإسلاميين منذ القرن العاشر الميلادي وحتى القرن العشرين.

 

ورود التين والزيتون في الكتاب المقدس

لقد ورد ذكر كل من شجر التين والزيتون في مواضع عديدة من الكتاب المقدس في عهديه القديم والجديد، لتشكل رمزية قدسية وهامة. ففي سفر التكوين تعلن ورقة الزيتون التي تحملها الحمامة إلى السفينة نهاية الطوفان، وتبشر نوح وعائلته بالنجاة (ر.ا، تك 11:8). وفي سفر المزامير تمثل غراس الزيتون البركة والخلود والخصب، فالأولاد “مثل غروس الزيتون حول مائدتك” (مز 3:123). أما في العهد الجديد فيذكر جبل الزيتون الذي خاطب فيه الرب المسيح (ر.ا، مت 41:26). وفي بستان الزيتون صلى المسيح (ر.ا، 39:26). كما يظهر بستان المسيح وكأنه منزل للمسيح: “وكان في النهار يعلم في الهيكل، وفي الليل يخرج ويبيت في الجبل الذي يدعى جبل الزيتون” (لو 37:21). وقد كانت قيامة المسيح من بين الأموات وصعوده إلى السماء من جبل الزيتون (ر.ا، أع 11:1).

 

أما أوراق التين فكانت ما غطى به آدم وحواء جسديهما في سفر التكوين (تك 3:7)، وكان قرص التين هو ما أمر أشعيا بوضعه على جسد المريض فشفي (مل1 20:7). كما تمثل شجرة التين الأمان والرخاء: “سكن يهوذا وإسرائيل آمنين كل واحد تحت كرمته وتحت تينته” (مل1 4:25).

 

تفسير الماوردي (974- 1058)

يلخص الماوردي في تفسيره “النكت والعيون” آراء الفقهاء في قسم التين والزيتون. فبحسب الحسن والمجاهد وعكرمة، يقصد بها الثمار نفسها. وفسرها كعب الأحبار وابن زياد، على أن التين هو دمشق والزيتون بيت المقدس.

وبحسب الحارث وابن زياد، فإن التين هو مسجد في دمشق والزيتون مسجد في فلسطين. أما ابن قتيبة ففسره على أن المقصود طور زيتة وطور تينة في بلاد الشام، وبهذا يتفق مع ابن عباس. وقد ذكر الماوردي ما أورده كل من الطبري والثعالبي والرازي في تفسير “طور سنين”، بحسب قتادة الذي قال إنه جبل في بلاد الشام، وكعب الأحبار الذي اعتقد أنه الجبل الذي خاطب فيه الله النبي موسى. كما ذكرت تفاسير عدة للفظة “سنين” فقيل إنها كلمة حبشية استعملها العرب وتعني الخير والنعمة، وأنها اسم بحر، وأيضاً اسم شجر على جبل سيناء، واتفق على أن “البلد الأمين” هو مكة المكرمة.

 

تفسير الروزبهاني البقلي (1128- 1209)

يرد في “عرائس البيان في حقائق القرآن” للبقلي تفسير القسم على أنه المكان الذي تجلى فيه الإله للأنبياء، فالشجرة التي حرمت على آدم كانت شجرة تين برأيه، والغرسة التي خاطب الإله موسى عندها كانت غرسة زيتون، وكذلك يشير جبل سيناء إلى موسى ومكة هي بيت الله. ويضيف البقلي اقتباساً من سفر التثنية (تث 2:33) فيه دلالة لتجلي الإله لموسى: “جَاءَ الرَّبُّ مِنْ سِينَاءَ، وَأَشْرَقَ لَهُمْ مِنْ سَعِيرَ، وَتَلأْلأَ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ، وَأَتَى مِنْ رِبْوَاتِ الْقُدْسِ، وَعَنْ يَمِينِهِ نَارُ شَرِيعَةٍ لَهُمْ”. كما يشير إلى أوراق التين التي ستر بها آدم جسده (تك 3:7). وهذا النهج في الرجوع إلى الديانات السابقة لم يتبناه سوى قلة من الفقهاء في ذلك الوقت، أمثال فخر الدين الرازي وأبو عبد الله القرطبي الذي اعتقد أن القسم يشير إلى عدة أنبياء ومنهم إبراهيم، كما في سورة النور (24:35).

 

منهج التفسير في القرنين الرابع عشر والخامس عشر

اتسم التفسير في هذه الفترة بمنهج مختلف ومنظم على أيدي عدد من الفقهاء، فكل من أبو البركات عبد الله بن النصافي وأبو الحيان الأندلسي فسر القسم على أنه بيان لرفعة وجلالة الأماكن المقدسة التي سكنها الأنبياء والأولياء، فالتين كان حيث هاجر إبراهيم، والزيتون حيث ولد المسيح، وطور سيناء حيث تلقى موسى وحيه، ومكة هي موطن النبي محمد.

 

ويلخص ابن تيمية تفسير ابن كثير في “الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح”، وهو من أشهر الكتب في الرد على المسيحيين، ويقدم فيه أدلة على تحريف الكتاب المقدس، ويفسر القسم على أن المقصود هو الأماكن المقدسة التي تنزل فيها الوحي على الأنبياء، وأن الآية تنزل الأنبياء ورسالاتهم مقامها من الأدنى إلى الأرفع بحسب ورودهم فيها. يستند ابن تيمية إلى الآية في سفر التثنية ليجيب المشككين من المسيحيين بنبوءة محمد، بحجة أن الكتاب المقدس لم يذكره، فالآية بحسب رأيه تعني أن الله سيتجلى في جبل فاران وهو كناية لمكة. ويختلف البقاعي مع هذا التفسير فيعتقد بأن القسم يشمل الأنبياء دون أن يتضمن تصنيفاً لهم بحسب منزلتهم.

 

لوح حضرة عبد البهاء (1844- 1921)

في “لوح الرئيس” الذي كتبه عبد البهاء، بالتركية، في عهد علي باشا، يفسر التين والزيتون على أنهما جبل تينة وجبل زيتة المباركان في بيت المقدس الذي تجلّى فيهما الإله لأنبيائه، وطور سنين هو جبل سيناء الذي نزل فيها الوحي على موسى، والبلد الأمين هو المدينة المنورة التي هاجر إليها محمد “ليُعلي فيها كلمة الله”.

 

وبحسب عبد البهاء فإن معنى تينة هي حقيقة عيسى ومعنى زيتة هي الحقيقة المحمدية، أما طور سنين والبلد الأمين فتمثل بالنسبة له الدليل على خلق الإنسان في أحسن تقويم، فالأنبياء والقديسون لا يظهرون إلا لبني البشر الذين يحملون في خلقهم “الكمال الإلهي المقدس” و”العلم المطلق”. وبذلك يحاول عبد البهاء تفسير القسم ضمن سياق السورة ككل، كمسلم لا يظهر تأثره بالعقيدة البهائية. لكن فسر بعض الباحثين تأكيده على الأراضي المقدسة التي شهدت تجلي الإله بكونها إشارة إلى والده إمام العقيدة البهائية، والذي أمضى العقود الأخيرة من حياته في فلسطين.

تفسير محمد عبده

تفسير جزء عم الذي كتبه محمد عبده في جينيف عام 1903 واعتمد ككتاب دراسي، وتعد قراءته لقسم التين والزيتون غير تقليدية، فهو يستعين بآيات الكتاب المقدس في تفسيره، ليثبت نبوءة محمد ويربط بين القرآن والتاريخ الإنساني، جاعلاً من الأديان سرداً تاريخياً لرصد تطور الإنسان في سبيل تحقيق الكمال الروحاني والأخلاقي، من خلال “الحقيقة” التي قدمها الله للإنسان. وبالنسبة له فإن هذه الحقيقة تعني أن الله “منّ على البشر ببداية تاريخ ينسخ جميع تلك التواريخ، ويفصل بين ما سبق من أطوار الإنسانية وبين ما يلحق، وهو عهد ظهور النور المحمدي من مكة المكرمة”. وقد تبدو هذه الرؤية متسقة مع روح تلك الحقبة، إلا انها تحمل جدة في تفسير القرآن.

 

تفسير جمال الدين القاسمي

يختلف العلامة الدمشقي جمال الدين القاسمي، من الأعلام المحليين لحركة الإصلاح الديني وأحد المفسرين الأصوليين، عن محمد عبده فيما طرحه في كتابه “محاسن التأويل”، فهو يقدم تفسيراً لكامل القرآن موجهاً للباحثين والمفكرين بدلاً من التلاميذ، كتفسير جزء عم، ويعود إلى مراجع السلف ليفسر القسم على أنه شجر التين والزيتون، أو جبلا التين والزيتون أو مسجدا التين والزيتون، والبلد الأمين هو مكة المكرمة.

 

ويقتبس من تفسير الطبري الذي رجح الاحتمال الأول في تفسير التين والزيتون بناء على ما عرف عند العرب، وبخاصة قوله إنه لم يكن في ذلك الوقت جبلان بهذين الاسمين، ليقول بأن جبل الزيتون كان موجوداً فعلاً في فلسطين. ويتفق مع عبده في تفسيره لطور سنين مستنداً إلى الآية من سفر التثنية، متخذاً بهذا من تفسير ابن كثير وابن تيمية مرجعين أساسيين فيما يتعلق بالقسم.

تفسير محمد توفيق صدقي

يكتب الطبيب المصري محمد توفيق صدقي تفسيره لسورة التين في مقال من جزءين، يتناول الصلب والفداء وقيامة المسيح في العقيدة المسيحية، ليرصد فيها تناقضاً منافياً للحقائق التاريخية. وهو يعود إلى ورود جبل الزيتون في الكتاب المقدس لأن الوحي تنزل للمسيح عليه، ويربط شجرة التين ببوذا الذي يسميه “نبياً صادقاً يدعى سيكاموني أو جوتاما” تنزل عليه الوحي تحت شجرة التين، وطور سنين هو جبل سيناء الذي خاطب فيه الله موسى، والبلد الأمين هو مكة حيث بدأت رسالة محمد.

 

ففي هذه الآية، حسب صدقي، “ذكر الله تعالى أعظم أديان البشر الأربعة الموحاة منه لهدايتهم ونفعهم في دينهم ودنياهم، فالقسم فيها كالتمهيد لقوله بعده: “لقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ” (التين: 4) إلى آخر السورة، ولا يزال أهل الأديان الأربعة هم أعظم أمم الأرض وأكثرهم عددًا وأرقاهم”. ويعتبر أن الله ذكر هذه الأديان وفقاً لدرجة صحتها ليختتما بالإسلامية وهي برأيه “أصحها جميعاً”.

 

تستعين التفاسير الأحدث لقسم الدين والزيتون بمصادر سابقة للإسلام، على نهج ابن كثير وابن تيمية، وهو أمر غير اعتيادي في تفسير القرآن، ما يطرح رؤية تاريخية جديدة في إطار تفسير القرآن قائمة على سبر التطور الديني والفكري عبر التاريخ.

 

في دراستها “التين والزيتون وسلسلة النبوءة”، التي نُشرت في كتاب الدراسات الإسلامية اليوم، تعتقد جوهانا بينك أن هذه الرؤية التاريخية للتفسير القرآني غير مسبوقة ويبدو أنها “متأثرة بوجهات النظر الأوربية للتاريخ والتي بدورها تأثرت بالتغيرات السريعة في المجالين العلمي والتكنولوجي”، ولهذا ترى أن تفسير القرآن شهد لأول مرة تصوراً جديداً للتاريخ الإنساني كسرد حكائي عن تطوره.