الأحد: 22 سبتمبر، 2019 - 22 محرم 1441 - 12:22 مساءً
دفاتر
الأثنين: 19 أغسطس، 2019

محمد يسري

 

على الرغم من الاختلاف الحاصل بين المؤرّخين المسلمين حول مسألة عدد أزواج الرسول، إلا أن الرأي الراجح يذهب إلى أن النبي قد توفى عن تسع زوجات، وهن عائشة بنت أبي بكر، وسودة بنت زمعة، وحفصة بنت عمر، وزينب بنت جحش، وصفية بنت حيي بن أخطب، وجويرية بنت الحارث، وأم سلمة، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وميمونة بنت الحارث.

 

الكثير من مظاهر التنافس دارت بين الزوجات التسع وبعضهن البعض، في محاولةٍ منهن لكسب تعاطف النبي، والاستئثار بحبه ومودته في حياته، بينما شارك بعضهن في العمل السياسي بعد وفاته، ما سمح بتعاظم دور بعض أمهات المؤمنين في المُخيّلة المذهبية عند الكثير من الفرق الإسلامية التي ظهرت فيما بعد.

 

تنافس لا يهدأ وتحالفات متغيّرة

تتضافر الكثير من الروايات التاريخية مع بعضها البعض، للادعاء بأن كل واحدة من أمهات المؤمنين، كانت تسعى جاهدةً لإثبات أفضليّتها وعلوِّ مكانتها عند النبي.

 

على سبيل المثال، ينقل البخاري في صحيحه عن عائشة قولها “يا رسول الله أرأيت لو نزلت وادياً وفيه شجرة قد أكل منها ووجدت شجراً لم يؤكل منها في أيها كنت ترتع بعيرك قال في الذي لم يرتع منها”، وكانت تشير بذلك إلى كونها البكر الوحيد التي تزوّجها الرسول، بينما كانت باقي أزواجه ممن سبق لهن الزواج بغيره.

 

أما زينب بنت جحش، والتي تزوجها الرسول في العام الخامس من الهجرة، فكانت تفخر على جميع نساء النبي بقولها “زوجكن أهلوكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات”، في إشارة لما ورد في سورة الأحزاب من قصة طلاقها من زيد بن حارثة مولى الرسول، وزواجها فيما بعد بالنبي.

 

هذا التنافس دفع أمهات المؤمنين للتسابق دائماً على الاقتراب من الرسول، حتى لو تم ذلك في معرض إقامة الشعائر والطقوس الدينية التعبّدية، ومن أشهر الأمثلة على ذلك، تلك الرواية التي يذكرها ابن عبد البر النميري في كتابه “التمهيد” والتي يذكر فيها عن عائشة قولها “كان النبيُّ يَعْتِكَفُ في العَشْرِ الأواخرِ مِن رمضانَ، وكنتُ أضربُ له خِبَاءً، فيصلِّي الصبحَ ثم يدخلُه، فاستأذَنَتْ حفصةُ عائشةَ أن تَضْرَبَ خِباءً فأَذِنَتْ لها، فضرَبَتْ خِباءً، فلما رأتْه زينبُ بنتُ جَحْشٍ ضربَتْ خِباءً آخرَ، فلما أصبح رسولُ اللهِ رأى الأَخْبِيَةَ، فقال : ما هذا ؟ فأُخْبِرَ، فقال: الْبِرَّ تُرِدْنَ بهنَّ! فتركَ الاعتكافَ ذلك الشهرَ، ثم اعتكَفَ عشْراً مِن شوالٍ”.

 

استمرّ هذا التنافس قائماً بين أمهات المؤمنين حتى الأيام الأخيرة من حياة الرسول، حيث يذكر ابن حجر العسقلاني في الإصابة “اجتمع نساء النبي في مرضه الذي توفى فيه، واجتمع إليه نساؤه، فقالت صفية بنت حيي: إني والله يا نبي الله لوددتُ أنّ الذي بك بي، فتغامزت زوجات النبي، فقال: والله إنها لصادقة”.

 

ولكن، وعلى الرغم من كثرة المحاولات الفردية التي قامت بها زوجات الرسول في سبيل الاستئثار بحبه وعطفه، إلا أن العديد من الروايات تشهد على انعقاد بعض التحالفات بين بعض الزوجات ضد البعض الأخر.

 

أول تلك التحالفات وأشهرها، هو ما أشار إليه ابن جرير الطبري في كتابه “جامع البيان في تفسير أي القرآن”، بقوله “كانت عائشة ابنة أبي بكر وحفصة تتظاهران على سائر نساء النبي”.

من أشهر القصص التي تؤكّد وقوع ذلك التحالف، ما ذكره ابن حجر العسقلاني في “فتح الباري في شرح صحيح البخاري”، عندما ذكر أن الرسول كان قد مال إلى زينب بنت جحش بعد زواجه منها، وفي أحد الأيام شرب عسلاً في بيتها، فاتفقت عائشة وحفصة على إظهار كراهيتهما من سوء رائحة هذا العسل، حتى كرهه الرسول واستاء منه، ولم يعد إلى شربه عند زينب مرة أخرى.

 

وفي السياق نفسه، تأتي الرواية التي ذكرها ابن سعد في الطبقات الكبرى، أن الرسول لما تزوج من أسماء بنت النعمان الجونية، فأن عائشة وحفصة قد أتياها “فقالت حفصة لعائشة، أو عائشة لحفصة: اخضبيها أنت، وأنا أمشطها، ففعلن، ثم قالت لها إحداهما: إن النبي يعجبه من المرأة إذا دخلت عليه أن تقول: أعوذ بالله منك”، فلما دخل الرسول على الجونية، استعاذت بالله منه، ففارقها الرسول وردّها إلى أهلها، وندمت أسماء فيما بعد على ما قالته، حتى سمّت نفسها بالشقية.

 

من الملاحظ أن النبي كان حريصاً طوال الوقت على استرضاء أزواجه وطمأنتهم وتطييب خواطرهن، دون التعرّض بغليظ القول أو الفعل لعائشة أو حفصة، ومن ذلك ما يذكره أبو نُعيم الأصبهاني في كتابه “حلية الأولياء وطبقات الأصفياء”، عندما ذكر أن حفصة قد تكلمت في حق صفية بنت حيي بن أخطب، فوصفتها بأنها “بِنْتُ يهودي” فبكتْ صفية وتأثرت مما سمعته “فدَخلَ عَليها النَّبي وَهي تبْكي فقال ما يبكيك فقالت: قالت لي حفصَة: إني بنت يهودي، فقال النَّبي إنَّك لابنة نبيٍّ، وَإنَّ عمَك لنبيٌّ، وَإِنَّك لتحت نبيٍّ؛ ففيم تفخر عليك ثمَ قال اتَقي اللَّه يا حفصَة”.

 

مما تجدر الإشارة إليه هنا، أن تلك التحالفات لم تكن تحالفات ثابتة مستقرة، وإنما تغيرت بفعل المستجدات والمتغيرات التي مرّ بها البيت النبوي، ومن الشواهد التي قد تشير إلى ذلك، الرواية التي يذكرها البخاري في صحيحه عن السيدة عائشة، والتي تقول فيها ” إنّ نساء رسول الله كن حزبين، فحزب فيه عاشة وحفصة وصفيّة وسودة، والحزب الآخر: أمّ سلمة، وسائر نساء رسول الله”، وهو القول الذي يبين اتساع تحالف عائشة وحفصة، في مقابل ظهور تحالفٍ أخر مكافئ له تتزعمه السيدة أم سلمة المخزومية.

 

واحدة من اللحظات المفصلية في تنافس أمهات المؤمنين مع بعضهم البعض، كانت لحظة وصول مارية القبطية، هدية المقوقس إلى النبي، حيث غارت منها الزوجات التسع، خصوصاً أن النبي قد أسكنها بعيداً عن بيوتهم المتجاورة، في مكان كثير الخضرة والماء، حتى قالت عائشة “ما غرت على امرأة غيرتي على مارية، وذلك لأنها كانت جميلة جعدة الشعر، وكان الرسول معجباً بها….”، بحسب ما يذكر المقريزي في “امتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع”.

 

تخوف الزوجات التسع من علوّ مكانة مارية، بلغت ذروتها بعدما أنجبت للنبي ابنه إبراهيم، وهو الأمر الذي ظهر في قول عائشة للرسول عندما أتى بوليده لتراه، فسألها فرحاً أنظري إلى شبهه بي، فقالت: ما أرى شبهاً، فقال لها الرسول: ألا ترين بياضه ولحمه؟ لتقول له “إنه من قصر عليه اللقاح أبيض وسمن”، وكانت تشير بذلك إلى تخصيص الرسول بعض النوق لتتغذى مارية وابنها من ألبانها، وهو الأمر الذي كان يثير الغيرة في قلوب أزواج النبي.

 

التأثير السياسي: دعم الأحزاب المتصارعة في الحرب الأهلية

التنافس على إرضاء الرسول والتقرّب إليه، سرعان ما اتخذ صورة أخرى بعد وفاته، حيث اشتغلت بعض من أمهات المؤمنين بالعمل العام، فصرن من صُنّاع القرار في المجتمع المدني، وصار من المعتاد أن يشارك بعضهن في العمل السياسي كذلك.

 

نستطيع أن نحدّد أربع من أمهات المؤمنين اللاتي شاركن بالعمل السياسي بشكل مؤثر في عصر الخلافة الراشدة، وهم على الترتيب عائشة وأم حبيبة وأم سلمة وميمونة بنت الحارث.

 

التنافس بين أم حبيبة بنت أبي سفيان وعائشة بنت أبي بكر، ظهر بشكل واضح في فترة حكم الخليفة الثالث عثمان بن عفان، ففي الوقت الذي هاجمت فيه عائشة سياسات الخليفة الثالث، وعرّضت بقراراته مما أسفر عن تأجيج نيران الثورة، فأن أم حبيبة قد وقفت إلى جانبه وأيّدته، بل تذكر بعض الروايات التي يوردها ابن كثير في “البداية والنهاية”، أنها قد توجهت إلى داره التي حاصرها ثوار الأمصار، في محاولة لكسر الحصار، ولكن الثوار تعرّضوا لها “ونالها منهم شدة عظيمة، وقطعوا حزام البغلة وندَّت بها وكادت أو سقطت عنها، وكادت تُقتل لولا تلاحق بها الناس فأمسكوا بدابتها، ووقع أمر كبير جداً”.

 

ولكن السردية التاريخية الإسلامية ترفض –كعادتها- أن تنهي قصة التنافس السياسي بين ابنتي أبي بكر وأبي سفيان، دون أن تظهر تصالحهما قبل الموت، حيث يذكر ابن عساكر في كتابه “تاريخ دمشق”، أن أم حبيبة قد أرسلت في طلب عائشة قُبيل وفاتها، وقالت لها “”قد كان يكون بيننا وبين الضرائر، فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك”.

 

وعلى العكس من عائشة وأم حبيبة، فأن أم سلمة قد أعلنت عن دعمها الواضح للمعسكر الهاشمي الذي يتزعّمه علي بن أبي طالب، حيث يذكر الحاكم النيسابوري في كتابه “المستدرك على الصحيحين”، أن علي لما تقلّد أمر الخلافة في 36هـ، وخرج عليه الزبير وطلحة وعائشة بالبصرة، فأن أم سلمة قد أرسلت إلى عائشة تنصحها بالرجوع، وبأن تبقى بالمدينة ولا تُقحم نفسها في ميدان السياسة، كما أنها قد ودّعت علياً قبل خروجه من المدينة للقتال، وقالت له فيما قالت “سرْ في حفظ الله وفي كنفه، فوالله إنّك لعلى الحقّ والحقّ معك، ولولا أنّي أكره أن أعصي الله ورسوله، فإنّه أمرنا أن نقر في بيوتنا لسرت معك، ولكن والله لأرسلن معك مَن هو أفضل عندي وأعزّ عليّ من نفسي ابني عمر”.

 

أم سلمة كانت تفسر تأييدها ودعمها لعلي بن أبي طالب بالحديث الشهير الذي روته عن الرسول، والذي جاء فيه “لا يبغض علياً مؤمن، ولا يحبه منافق”، وذلك بحسب ما يذكر ابن أبي شيبة في مصنفه.

 

وفي السياق نفسه، تظهر المصادر التاريخية دعم ميمونة بنت الحارث، لعلي في حروبه ضد الخارجين عليه، ويظهر ذلك فيما نقله ابن أبي شيبة، من قولها “عليكم بابن أبي طالب فوالله ما ضل ولا ضل به”.

 

كما يظهر هذا الدعم فيما رواه محمد باقر المجلسي في “بحار الأنوار”، عندما يذكر أن رجلاً من قبيلة بني عامر قد أتى إليها وقت الفتنة ليسألها عما يفعل، فلما عرفت أنه قد بايع علياً، قالت له “فارجع فلا تزل عن صفه، فوالله ما ضل وما ضل به، فقال: يا امه فهل أنت محدثتني في علي بحديث سمعتيه من رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قالت: اللهم نعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: علي آية الحق وراية الهدى، علي سيف الله يسلّه على الكفار والمنافقين، فمن أحبه فبحبي أحبه، ومن أبغضه فبغضي أبغضه، ألا ومن أبغضني أو أبغض علياً لقي الله عز وجل ولا حجة له”.

 

عائشة وأم سلمة: كيف جرى تقديم أمهات المؤمنين في المخيال المذهبي

مما لا شك فيه، أن الاختلاف الكبير في التوجهات السياسية المتعارضة لأمهات المؤمنين زمن الحرب الأهلية، قد لعب دوراً مهماً في تشكيل المخيال المذهبي الجمعي، السنّي منه أو الشيعي، حيث ركّز كل مذهب على مجموعة معينة من زوجات الرسول، فعمل على تبيان مكانتها وأفضليتها، في حين قام بتهميش أدوار باقي الزوجات.

 

فيما يخصّ السردية السنّية، فقد اعترف بفضل خديجة بنت خويلد، وبدورها الكبير في دعم الرسول والإسلام في البدايات الأولى من الدعوة المحمدية، ولكن مع ذلك، فقد سلّط الضوء بشكلٍ أكبر على عائشة على وجه التحديد، للدرجة التي نسب معها للرسول قوله “إن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام” بحسب ما ورد في صحيح البخاري.

 

كما نسب لها الأعلمية المطلقة على جميع زوجات الرسول، وهو ما يظهر في الحديث المشهور “خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء”، وهو الحديث الذي يشكك الكثير من العلماء في صحته رغم شيوعه واشتهاره على ألسنة العامة.

 

من هنا فأن الكثير من المصادر السنّية قد اهتمت بتبيان وإظهار مناقب عائشة، والتي تفسّر سبب وصولها لتلك المكانة العظيمة، ومما ورد في هذا السياق، ما ذكره ابن سعد في الطبقات الكبرى على لسان عائشة:

 

“فُضّلت على نساء النبي بعشر قيل ما هن يا أم المؤمنين؟ قالت لم ينكح بكراً قط غيري، ولم ينكح امرأة أبواها مهاجران غيري، وأنزل الله براءتي من السماء، وجاءه جبريل بصورتي في قطعة حرير وقال جبريل تزوجها فأنها امرأتك فكنت اغتسل أنا وهو من إناء واحد ولم يفعل ذلك بأحد من نسائه غيري، وكان ينزل عليه الوحي وهو معي ولم يكن ينزل عليه وهو مع أحد من نسائه غيري وقبض الله نفسه وهو بين سحري ونحري ومات في الليلة التي كان يدور عليّ فيها ودفن في بيتي”.

 

أيضا نستطيع أن نلاحظ ظهور بعض الأخبار الضعيفة التي حاولت أن تعطي لعائشة المزيد من الفضل والمكانة، ومن ذلك ما أشار إليه ابن حجر العسقلاني في الإصابة، من أن عائشة قد أنجبت طفلاً، ولكنه توفى وهو صغير السن.

 

هذا الخبر الضعيف، يُحتمل أنه قد اُختلق لإضفاء صفة الأمومة على عائشة، حتى تنال تلك الميزة التي اُختصّت بها خديجة ومارية القبطية دوناً عن جميع زوجات الرسول.

 

وعلى النقيض من التوجّه السابق، فأن المخيال الجمعي الشيعي، قد وضع السيدة خديجة في المكانة الأولى بين جميع زوجات الرسول، وكان ذلك متسقاً مع كون خديجة هي أم فاطمة، وجدّة الحسن والحسين، وثلاثتهم كانوا- ولا يزالون- من الشخصيات المقدّسة والمعتبرة في المذهب الشيعي.

 

في السياق نفسه، فأن بعضاً من المصادر الشيعية الإمامية المتأخرة، ومنها بحار الأنوار للمجلسي، قد عملت على اختلاق بعض المزايا التي تعلي من شأن السيدة خديجة، ومن ذلك الإشارة إلى أن الرسول قد تزوج السيدة خديجة وهي بكر لم يسبق لها الزواج من قبله، وهو الخبر الذي يتعارض مع مجموع الروايات التاريخية التي تؤكّد على زواج السيدة خديجة من أبي هالة التميمي، وعتيق بن عائذ المخزومي، وأن الرسول كان الزوج الثالث لها.

 

ورغم مركزية خديجة في المخيلة الشيعية، إلا أن النسق الشيعي قد اهتم بأن يضع بعض نساء الرسول اللاتي عايشن أحداث الفتنة والحرب الأهلية في بؤرة الاهتمام، ومن هنا نستطيع أن نفهم ما رواه محمد بن علي بن بابويه القمي، المعروف بالصدوق في كتابه “الخصال”، عن الإمام جعفر الصادق في معرض حديثه عن أسماء زوجات الرسول “… وأفضلهنّ خديجة بنت خويلد، ثمّ أمّ سلمة، ثمّ ميمونة بنت الحارث”، وهو التفضيل الذي يأت متسقاً مع موقف كل من أم سلمة وميمونة في موالاة علي وتأييده في حروبه.

 

ومن باب سلب عائشة بنت أبي بكر – وهي التي حاربت علي بن أبي طالب وجيشت الجيوش ضده في موقعة الجمل- أهم مزاياها على الإطلاق، وهي ميزة زواجها بالرسول وما ترتب على ذلك من كونها إحدى أمهات المؤمنين، فأن السردية الشيعية قد ذهبت إلى أن علي بن أبي طالب قد طلّق عائشة من الرسول في معركة الجمل، وذلك بموجب السلطة التي منحها له الرسول قبل وفاته، عندما قال له “يا أبا الحسن إن هذا الشرف- التسمي بأم المؤمنين- باق لهن ما دمن لله على الطاعة، فأيّتهن عصت الله بعدي بالخروج عليك فأطلق لها في الأزواج، وأسقطها من شرف أمومة المؤمنين”، وذلك بحسب ما يذكر هاشم البحراني في كتابه ” مدينة المعاجز”.

 

أم سلمة تحديداً نالت المكانة الأهم من بين جميع أمهات المؤمنين، اللاتي توفى الرسول عنهن، حيث شكلت المصادر الشيعية شخصيتها، فيما يبدو وكأنها المعادل الموضوعي لعائشة بنت أبي بكر، ذلك أن السردية الشيعية تعمل على تصوير أم سلمة، وكأنها الحارسة المؤتمنة على وصايا الرسول والأئمة، وذلك بموجب علومها ومعارفها الغيبية التي حفظتها عن النبي، ومن ذلك أن الحر العاملي في كتابه” إثبات الهداة”، قد روى عن الإمام محمد الباقر قوله “لمّا توجه الحسين عليه السلام إلى العراق ودفع إلى أم سلمة زوجة النبي، الوصية والكتب وغير ذلك قال لها: إذا أتاك أكبر ولدي فادفعي إليه ما قد دفعت إليك، فلمّا قتل الحسين عليه السلام أتى عليّ بن الحسين عليه السلام أم سلمة فدفعت إليه كلّ شيء أعطاها الحسين عليه السلام”.

 

في السياق نفسه، فأن أم سلمة كانت الشاهد الأساس على حديث الرسول الشهير الذي يُعرف بحديث الكساء، وهو حديث مركزي في الاعتقاد الشيعي التقليدي، حيث يستقي منه الشيعة القول بعصمة علي وفاطمة والحسن والحسين، وينبني على ذلك القول بعصمة جميع الأئمة الاثني عشر.

 

واستكمالاً لتلك السردية، فأن أم سلمة تبشّر بظهور الشيعة وتروي الأحاديث في فضلهم ومكانتهم، ومن ذلك ما رواه محمد بن أبي القاسم الطبري في كتابه “بشارة المصطفى لشيعة المرتضى”، عن أبي قلابة الحوبي أنه قال” سألت أُم سلم عن شيعة علي، فقالت: سمعت رسول الله يقول: شيعة عليّ الفائزون يوم القيامة.”