السبت: 23 يونيو، 2018 - 09 شوال 1439 - 06:20 صباحاً
اقلام
السبت: 7 أبريل، 2018

هنادي العنيس

بعضنا يعيش في أماكن يرفض المعلمون الجيدون الذهاب إليها، والبعض الآخر لا يملك المال الكافي ليبادر بفعل ذلك، وآخرون فقط من يملكون ما يكفي ليشتروا العلم حتى أضحت مقولة (هي أشياء لا تشترى) محصورة بقائمة محددة في القرن الواحد والعشرين، التعليم على أي حال ليس من ضمنها!

إن الأسلوب التقليدي في التعليم الذي تتبعه المجتمعات في المنطقة العربية هو التلقين والتحفيظ لأجل هدف واضح ومحدد وهو اجتياز الاختبارات بنجاح مقابل دراهم كثيرة. الأمر الذي لم يعد قادرًا على إعداد أفراد قادرين على مواكبة كل هذه التغيرات. كما لم يعد أسلوبًا فعالاً في فهم واستيعاب المادة التعليمية من أجل تطبيقها في مجالات الحياة المختلفة، وغير فعال أيضًا في التكيف مع التغير المتسارع في مستجدات العلوم والتكنولوجيا وفي وضع حلول لمشكلات المستقبل الغامض.

بكل أسف، معظم الناس في العالم ليسوا محظوظين جدًا.
في بعض مناطق كوكبنا، مثلاً جنوب أفريقيا فإن التعليم ليس فقط مسألة صعب الحصول عليها، فقد تم تأسيس التعليم هناك خلال عهد الفصل العنصري للأقلية البيضاء، وكنتيجة لذلك لا توجد اليوم مقاعد كافية للكثير من الناس الذين يرغبون ويستحقون تعليمًا ذا جودة.
هذه الندرة قادت إلى كارثة في يناير عام 2012 في جامعة جوهانسبرغ. فقد كانت هناك بضعة أماكن متاحة من نظام القبول المعتاد، وفي الليلة السابقة لليوم التالي للتسجيل، اصطف الآلاف خارج البوابة في صف بطول ميل، آملين أن يكون كل منهم الأول في الصف لأخذ تلك الأماكن.
حينما فتحت الأبواب، حدث تدافع، وجرح 20 شخصًا وماتت امرأة. لقد كانت أمًا ضحت بحياتها في محاولة أخيرة منها للحصول على فرصة تضمن من خلالها حياة أفضل لإبنها.
لكن حتى في أماكن مثل الولايات المتحدة، حيث يتوفر التعليم، ومع ذلك لا يكون في المتناول دائمًا.
جرت الكثير من النقاشات خلال الأعوام القليلة الماضية حول ارتفاع تكلفة الرعاية الصحية. الشيء غير المألوف بالنسبة للناس، هو أنه خلال نفس الفترة ارتفعت نسبة تكلفة المصروفات الدراسية تقريبًا بضعفين لإجمالي 559 بالمائة منذ عام 1985م. وهذا يجعل التعليم غير ممكن للكثير من الناس، من ضمنهم أولئك القادرون ماديًا للحصول على تعليم عالي، فإن أبواب الفرصة قد لا تفتح لهم.
توم فريدمان ذكر بمقاله له في صحيفة نيويورك تايمز أن: تحقيق الاختراقات الكبيرة هي ما يحدث حينما يلاقي الممكن فجأة الطلب الضروري جدًا.
لقد تحدث عن الضروري جدًا “التعليم”، لنتحدث نحن عن الممكن فجأة.
الممكن فجأة تم تدشينه بواسطة ثلاثة فصول دراسية كثيرة في جامعة ستانفورد، كل منها حضره 100.000 دارس أو يزيد.
لنفهم هذا سنلقي نظرة على أحد هذه الفصول وهو فصل التعلم الآلي الذي يقدمه الدكتور أندرو نغ.
يدرس أندرو أحد أكبر الفصول بجامعة ستانفورد، وهو فصل التعلم الآلي. يحضر المادة 400 دارس في كل مرة يتوفر فيها الفصل. عندما درس نغ المادة ذاتها عبر الإنترنت، سجل فيها 100.000 دارس.
لنضع هذا الرقم في السياق، بالنسبة لأندرو نغ ليصل لنفس حجم الدارسين بتدريس فصل بجامعة ستانفورد، فقد يحتاج لـ250 عامًا ليفعل ذلك!
لذا، برؤية أثر هذا الفصل، قررت دافني كولر وأندرو نغ أنهما بحاجة لزيادة الحجم، ولتوفير أفضل جودة تعليم لأكبر عدد يستطيعون الوصول إليه من الناس.
حتى أسسا كورس إيرا (Coursera)، الذي يهدف لجلب أفضل المقررات من أفضل المدرسين في أفضل الجامعات وتقديمها لأي شخص في العالم بالمجان.
حتى عام 2012 كانوا قد ضموا 43 مقررًا في المنصة من 4 جامعات في مختلف التخصصات. وقد اتضح أن الطلاب يرغبون بالحصول على أفضل الفصول من أفضل الجامعات مجانًا.
منذ أن افتتح الموقع الإلكتروني في شهر فبراير عام 2012م، انضم 640.000 طالب من 190 دولة.
لدى الموقع 1.5 مليون طلب مسجل، 6 مليون امتحان في 5 مليون فصل دراسي أطلق وتم إرساله .
بينما شوهدت الفيديوهات الدراسية 14 مليون مرة. لكن الأمر ليس فقط حول الأرقام، فهو متعلق أيضًا بالناس.
سواء كان أكاش، الذي يأتي من مدينة صغيرة في الهند ولم يكن ليصل مطلقًا في هذه الحالة لفصول دراسية بجودة جامعة ستانفورد، ولم يكن ليقدر على توفير المال اللازم لذلك.
أو جيني، والتي هي أم عازبة لطفلين وتريد صقل مهارتها بحيث ترجع وتكمل دراستها للماجستير.
أو راين، الذي لا يستطيع الذهاب إلى الجامعة، بسبب نقص مناعة ابنته، ولا يجازف بجلب جراثيم إلى منزله، لذا لا يستطيع مفارقتهأ على أي حال.
إذن، ما الذي يجعل المنظمات الغير ربحية في المجتمعات المدنية مختلفة حقًا؟
فوق كل شيء، محتوى الكورسات على الإنترنت متاحًا لفترة طويلة، والذي يحدث الفرق هو أن هذه تجربة دراسة حقيقية.
تبدأ الدراسة في يوم محدد، ثم يحضر الطلاب فيديوهات بواقع أسبوعي ويقومون بتأدية الفروض والواجبات.
وهذه الفروض والواجبات حقيقية على الطالب اجتيازها للحصول على درجة نجاح في موعد نهائي محدد أيضًا.
هذا الأسلوب الحديث في التعليم أكد أن فكرة وجود نموذج المقاس الواحد للجميع هي خاطئة بكل تأكيد، فهو يتيح اتباع منهج مخصص للفرد بصورة كبيرة.
كما أن الطلاب لا يتعلمون بالجلوس ومشاهدة الفيديوهات وفقط، وإنما كانت فكرة التعليم الإلكتروني هو استثمار محبين العلم وإعطائهم الفرص للتفاعل مع المواد التدريسية من أجل فهمها حقًا.
وتعد كل من منصتي رواق وإدراك العربيتان من أبرز نماذج التعليم الإلكتروني والذاتي معًا في المنطقة العربية، وتشتركان مع منصة كورس إيرا من حيث الفكرة والمضمون وآلية العمل.
إلا أن المجتمع المدني العربي لم يحظى من الشرعية المؤسساتية ما يؤهله ليكون شريكًا مؤثرًا في بناء البيئة التعليمية في المنطقة.
وهذا ما يتم ملاحظته تباعًا من رفض مؤسسات الدولة لشهادات التعليم الغير نظامي بدءًا من رفض تصديقها لدى الجهات المعنية ووصولاً لإلصاق وصف “غير معترف به” على تلك الأوراق التي يقف خلفها جهودنا واستثماراتنا الزمنية والتعليمية على حد سواء.
في الخلاصة، لأن الحصول على تعليم جيد هو حق للجميع وليس حكرًا على طبقة معينة.
فإذا استطعنا توفير أفضل جودة في التعليم لكل شخص، حول العالم مجانًا، بإستخدام التعليم الإلكتروني، فستكون نتيجة ذلك ثلاثة أشياء.
أولاً، سيؤسس لأن يكون التعليم حقًا من حقوق الإنسان، حيث كل شخص حول العالم لديه المقدرة والدافع يمكنه الحصول على المهارات التي يحتاج ليصنع حياة أفضل لنفسه وأسرته ومجتمعه.
ثانيًا، سيتيح تعليمًا مدى الحياة. فمن العار أن الكثير من الناس يتوقف تعليمهم بإنتهاء المرحلة الثانوية أو بإنتهاء فترة الجامعة.
بتوفير هذا المحتوى الرائع، سنقدر على تعلم شيء جديد كل مرة نرغب بذلك، سواء كان من أجل تغذية عقولنا أو لتغيير حياتنا.
أخيرًا، سيتيح هذا موجة من الإبتكارات، لأن الموهوبين المدهشين يمكن أن يكونوا في كل مكان.
ربما ألبرت أينشتاين القادم أو ستيف جوبز القادم يعيش في منطقة نائية في أفريقيا، أو لاجئًا فلسطينيًا في مخيمات غزة.
وإذا استطعنا توفير التعليم لذلك الشخص، سيتمكن من الوصول إلى الفكرة الضخمة القادمة ويجعل العالم مكانًا أفضل لنا جميعًا.