الأربعاء: 21 أكتوبر، 2020 - 03 ربيع الأول 1442 - 11:32 مساءً
ثقافة وفن
الأربعاء: 5 فبراير، 2020

ليس من اليسير التعامل مع أمة خائفة، نحن أمة خائفة لا تمتلك مصيرها ولا تقرر شيئاً فيه، تنساق كسيل جارف وراء أي كلمة مقصودة، مفهومة أو غير مفهومة، كان قائلها متأكداً منها، أو مجرد توهمات متسعة، فائضة عن المعقول.

هذا ما حدث هذه الأيام، بعد الجدل الذي أثاره تقرير على قناة مؤسسة الشهاب الفلسطينية، حول الترجمة العبرية للقرآن التي أقرّها مجمع الملك فهد، من إعداد الأستاذ أسعد نمر بصول، ومراجعة تيسير حسن محمد العزّام، أستاذ مشارك في جامعة اليرموك، كلية الآداب قسم اللغات السامية والشرقية، الأردن.

نُشرت الترجمة على موقع المجمع، إلى جانب ترجمات أخرى، بعضها كامل وبعضها طور الإنجاز. إلا أن المثير في هذه القضية ليس الترجمة ذاتها، بل ما طرأ هذه الأيام من خلاف حول الترجمة، وما أثير من زوبعة تكاد تكون بلا معنى لعدة أسباب، هي نفسها التي دعتني لكتابة هذا المقال الذي سأحاول فيه توضيح ما حدث كما أفهمه.

ليس من اليسير التعامل مع أمة خائفة، تنساق كسيل جارف وراء أي كلمة مقصودة، مفهومة أو غير مفهومة، كان قائلها متأكداً منها، أو مجرد توهمات متسعة، فائضة عن المعقول.

بداية، وانطلاقاً من عنوان الكتاب، أي القرآن الذي سأتعامل معه على أنه كتاب موضوع ترجمة لا أقل ولا أكثر- عكس أسعد نمر البصول لأنه من المتدينين الذين يرون القرآن بقلوبهم لا بنظرة الباحث كما أراه-، ذكر المترجم أن ترجمته هي ترجمة للمعاني وليست ترجمة مبنى،

أي سيتم اختيار الألفاظ حسب المعنى التقريبي الذي يمكن فهمه، إما مباشرة من السياق، أو من خلال الاحتمالات التي وضعها المفسرون القدماء خاصة، لأن القرآن ذاته يطرح إشكالاً عميقاً يتعلق بفهمه، شأنه في ذلك شأن كل الكتب المقدسة، لها معاني بدل المعنى، وللناس أفهام بدل الفهم الواحد،

يذكرني هذا بصورة جميلة قدّمها الشارح التوراتي والفيلسوف موسى ابن ميمون، في مقدّمة كتابه “دلالة الحائرين” (نشرة حسين أتاي، مكتبة الثقافة الدينية، المقدمة، ص 6-7)، حينما تحدث عن حقيقة معاني الكتب المقدسة، التي لا تظهر إلا كبروق للعقول الكبيرة، وبريقها في الذهن قد يوضح شيئاً واحداً، وقد يوضح أشياء متعددة، ولكنه لا يوضح أبداً كل الحقيقة، هذا ما هو عليه القرآن كذلك، فالفاهم له مهما بلغ من ذكاء وسعة فكر لا يبلغ الفهم الحقيقي، وربما هذا رحمة للمؤمنين قد تغنيهم عن كثير من المجادلات التي لا طائل منها.

فعندما ينتقد السيد علاء الدين أحمد، الذي قُدِّم على أنه الشيخ المختص بالشأن الإسرائيلي، على قناة وكالة شهاب، والذي يدعي أنه أحصى 300 خطأ في الترجمة، يتجاهل تماماً هذه الإشارة إلى ترجمة المعاني.

ثم يبدأ بالعنوان ليعلق: لماذا لم يذكر صاحب الترجمة القرآن الكريم وذكره بصفة أخرى، هل تساءل هذا الشخص عن هذه التسمية للقرآن ومتى ظهرت؟ لا شك أن صفات كثيرة التصقت بالقرآن كمصحف بعد تدوينه، وبالتراكم الزمني الذي يتجاهله كثير من المسلمين.

ما تضاعف من تسمية للقرآن، فهو تراكمات واختيارات بشرية، نسميه الآن العزيز، الحكيم، الكريم… أو غير ذلك، هي مسألة ذوقية تقديرية بحتة، تختلف من لغة إلى أخرى لتتناسب وعبقريتها، ولفظ מפואר التي يمكن ترجمتها بالمجيد، ليست بعيدة أبداً عن صفات القرآن المعتادة

بين التجاهل والتناسي لتاريخ المصحف، أنه لم يكن للقرآن ككتاب مادي أي تسمية إلا كونه كتاباً يحتوي كلام الله الذي نقله محمد، هنا تنتهي الحكاية، أما ما تضاعف بعدها فهو تراكمات واختيارات بشرية، نسميه الآن العزيز، الحكيم، الكريم… أو غير ذلك، هي مسألة ذوقية تقديرية بحتة، تختلف من لغة إلى أخرى لتتناسب وعبقريتها، ولفظ מפואר التي يمكن ترجمتها بالمجيد، ليست بعيدة أبداً عن صفات القرآن المعتادة.

ركّزت وكالة الشهاب من بين 300 خطأ افتراضي على ترجمة كلمة مسجد بهيكل، ومنحت هذه اللفظة الكثير من المعاني التي لا تحتملها، أو التي أصبحت تحتملها سياسياً، بينما لفظاً وتاريخاً فهي لا تعني أبداً ما أشير إليه وما أثارته من ردود فعل، وصلت إلى حد وصفها بمحاولة “تهويد القرآن” أو قرآن برؤية “إسرائيلية”، كما جاء في مقال نشره موقع رصيف22.

المراجعة البسيطة لقاموس ابن شوشان الخاص بتاريخ اللغة العبرية، يذكر تطور اللفظ تاريخياً، ويذكر من بين معاني هيكل، أول معنى وأهمه، أن الهيكل هو مكان لإقامة العبادة والصلاة خاصة، هل هذا مختلف عن وظيفة المسجد؟

كلمة مسجد ذاتها، والتي استعملت عند الأنباط لوصف معابدهم الوثنية كبيوت عبادة، ليست عربية، وعُربت مع احتفاظها بنفس المعنى الوظيفي، كان يمكن أن تعرّب وتطلق على أي مكان آخر غير بيت العبادة، ثم يفترض بالترجمة أنها موجهة للناطقين بالعبرية ومن ذوي الثقافة اليهودية، أليس هذا المعنى أقرب لأفهامهم وربما يكون أيديولوجياً أوضح من المسجد؟

وحتى في حالة رفض كل هذه الاحتمالات، يبقى الهيكل يحمل نفس المعنى للمسجد، كما اختار المترجم الاحتفاظ بلفظ مسجد بين قوسين. أما أن يفترض منذ البداية أن صاحب الترجمة، أسعد نمر بصول، يقصد تهويد القرآن ومنح الأحقية لليهود ولإسرائيل في القدس على المسلمين، فأعتقد أنه ضرب من الخيال، افتقار للواقعية، وقصور في التفكير.

والذي يدعوني إلى نفي هذا الاتهام عن المترجم أمر متعلق أساساً بأسباب شخصية تخصّ الاتجاه الفكري للمترجم، وهذا بعد اطلاعي على كتابه “دور القرآن الكريم والسنة النبوية في نهضة الأمة الإسلامية، 2011″، لا من السؤال عنه عند صاحب الكتبية في زاوية الشارع، وكأن باعة الكتب أصبحوا مراجعاً في البحث، مثلما فعل السيد الذي قاموا بدعوته إلى قناة شهاب، بصفته “مختصاً في الشأن الإسرائيلي” ليقول أي شيء عن كل شيء.

كلمة مسجد، والتي استعملت عند الأنباط لوصف معابدهم الوثنية كبيوت عبادة، ليست عربية، وعُربت مع احتفاظها بنفس المعنى الوظيفي، كان يمكن أن تعرّب وتطلق على أي مكان آخر غير بيت العبادة، ثم يفترض بالترجمة أنها موجهة للناطقين بالعبرية، أليس كلمة هيكل أقرب لأفهامهم من المسجد؟

ثمّة مسألة أخرى يذكرها المختص في الشأن الإسرائيلي، ألا وهي غياب محمد عن جدول قائمة الأنبياء الوارد ذكرهم في القرآن… وما الغرابة في ذلك؟ لو فكر بعض الشيء وتريث قليلاً، لفهم أن المترجم ذكر الأسماء التي تتغير من العربية إلى العبرية فقط، وإلا ما ضرورة كتابة الاسمين باللغتين؟ كان بإمكانه الاكتفاء بوضع الأسماء مع فهرست الأعلام وتنتهي القصة، لكن المترجم حرص على أن يوضح المقابل العربي لكل اسم عبري أو العكس، بينما محمد كاسم فالجذر العبري والعربي واحد، والمعنى والنطق واحد: محمد = מחמד وتعني المحمود السلوك، لماذا إذن تتم كتابته في جدول مماثل؟

النقطة الأخرى التي يجب توضيحها، هي الإشارة المتكررة إلى استبدال إسماعيل بإسحاق، في الواقع هذه تهمة خطيرة من حق المترجم أن يقاضي عليها وكالة شهاب وضيفها، لأنه لم يحدث ذلك ولا مرة، لم يتم استبدال اسم إسماعيل بإسحاق مطلقاً، لقد أمضيت أمسية كاملة في مراجعة كل الآيات التي ورد فيها الاسمان، وغالباً ما ذكرا معاً، فلم أجد خطأ مماثلاً.

أما مسألة ذكر أن إبراهيم أب لإسحاق وابنه يعقوب، ولا يذكر إسماعيل، فهذا غير صحيح في المتن، ومرة أخرى يحاول السيد أحمد علاء الدين تغليط المتابع لمجرد أنه لا يفقه اللغة العبرية، لأن ما ذكره ورد في مسارد الأعلام، عندما يذكر اسم ابراهيم وأمامه كل الآيات التي تذكر ابراهيم، والمترجم ركّز على الصفات ففي أول مقام أنه: أب لإسحاق ويعقوب تماشياً مع الآية 84 في السورة 06: “وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ”، صحيح أنّه ذكر في نفس السطر آية أخرى فيها إسماعيل “الآية 133 من سورة 02″، ولكن لا يمكن مع ذلك اعتبار كلامه في المسارد، والتي هي إشارات مساعدة على القراءة ليس إلا، أنها مقصودة لتضليل القارئ، أو للتهويد واستجابة للرواية الإسرائيلية وغيرها من الخواطر المتضخمة.

أما باقي الاعتبارات التي ذكرها، والتي لم أجهد نفسي محاولة التحقق منها، لتشابهها ولتركيزها أيديولوجياً على قاعدة أنها ترجمة خبيثة، لأنني واثقة من الخطأ الذي يقع عندما تنطلق من مثل هذه الاعتقادات، لكن مع ذلك أحببت هنا أن أدرج مثالاً واحداً عن ذلك: استدلاله بالآية “ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين”، حيث ترجم أسعد البصول الفتح بـ”الحكم” الأمر الذي اعتبره المعلق المختص بالشأن الإسرائيلي من الأخطاء، وهو في نظري اختيار لترجمة إحدى المعاني التي وردت في التفسير: قول تعالى ذكره: “وَيَقُولُون” هؤلاء المشركون بالله يا محمد، لك: “مَتَى هَذَا الْفَتْحُ”، واختلف في معنى ذلك، فقال بعضهم معناه: “متى يجيء هذا الحكم بيننا وبينكم، ومتى يكون هذا الثواب والعقاب”، حسب تفسير الطبري لسورة السجدة، قد يكون عقاباً، قد يكون حكماً، قد يكون نهاية وضعية غالباً صعبة، كما هو سياق السورة 32 في الآيات التي قبل هذه.

هذه الوصاية الممارسة من الشيوخ، أشباه المتعلمين وأنصاف المثقفين، إتاحة وسائل الإعلام لهم، لتناقل أفكارهم وتحليلاتهم، هي السبب الرئيسي في تأخرنا، انعدام الجرأة على مواجهتها والاعتراف بها كعائق أمام المعرفة هو أكبر إشكالية أمام تطور العلم، أمام العقلانية، أمام بلوغنا إنسانيتنا

أخيراً أجد أن اختيارات المترجم كانت محتشمة جداً، بل ومراعية جداً للحالة النفسية للمسلم في أيامنا هذه، مسلم يشعر بالتهديد واللاثقة بأي شيء، رغم أن الترجمة ليست موجهة إليه، مثل الاحتفاظ بلفظ الله بدل الوهيم، أو آل، أو ياهو ה، إبقاؤه على أسماء السور وما يقابلها باللغة العبرية في المقام الثاني، مقدّمة المترجم باللغة العبرية تاريخية عن تاريخ ترجمات قديمة للقرآن، وهذا مهم جداً لأي باحث في الدراسات القرآنية، كثرة التهميشات وتنوعها ومقارنات من حين لآخر، وكذلك تسبيقه لكتابة أسماء الأعلام بالنطق العربي والاكتفاء بوضع النطق العبري بين قوسين، مثل إسماعيل אסמעיל (ישמעאל).
هذه الوصاية الممارسة من الشيوخ، أشباه المتعلمين وأنصاف المثقفين، إتاحة وسائل الإعلام لهم، تناقل أفكارهم وتحليلاتهم وسطوتهم على العقول، هي السبب الرئيسي في تأخرنا، انعدام الجرأة على مواجهتها والاعتراف بها كعائق أمام المعرفة هو أكبر إشكالية أمام تطور العلم، أمام العقلانية، أمام بلوغنا إنسانيتنا.