الثلاثاء: 10 ديسمبر، 2019 - 12 ربيع الثاني 1441 - 10:26 صباحاً
سلة الاخبار
الأحد: 31 مارس، 2019

د.حميد عبدالله

مثلما لايكون التشيع بريئا في بعض وجوهه وتوجهاته فان التسنن هو الآخر يكون مريبا اذا اتخذ من اجتثاث الآخر سبيلا للازاحة والانتشار ، وبالنتيجة فان كليهما يتبادلان الادوار في لعبة الفعل ورد الفعل!

لا التشيع رسالة يتبناها الشيعة خارج اطار الادلجة والتسييس ، ولا التسنن مشروع يتبناه السنة خارج خطاب الاخونة التدعيش والتوهيب!

دولة اسلامية تقابلها دولة شيعية ، الحكم بما (انزل الله )يقابله الحكم بما (يقره الامام ) ، وفي الحالتين ليس لله علاقة بالدولة التي تتأسس باسمه ، وليس للامام صلة بما يضفى عليه من قداسة وعصمة ، وليس له تفويض لا من الله ولا من رسله وأئمته!

بعيدا عن الخوض في مستنقع الكراهية التي انتجتها النزعات الطائفية على مر التاريخ، فان دعوة الامام زيد بن علي القائلة ب(جواز خلافة المفضول مع وجود الافضل ) لم تنجح في نزع صاعق الفتنة الذي زرعته السقيفة في جسد الامة ، وظل منذرا بتفجير القنابل والعبوات كلما حشد الطائفيون جيوشهم في خندق التزمت والانغلاق ورفض الآخر!

باءت محاولة عباس محمود العقاد بالفشل عندما حاول ان يوحي لطرفي الصراع ( السنة والشيعة) بان الرسول الاعظم ( ص) كان يحب عليا ويحببه إلى الناس لكي يمهد له سبل الخلافة من بعده.

ويرى العقاد ان النبي لم يرد أن يفرض رغبته هذه على الناس، إنما اراد أن يختاره الناس طواعية وحبا ، غير ان المساعي الحميدة للعقاد باءت بالفشل هي الاخرى ، ولم يقبل بها اي من الجانبين.

وحسب الدكتور علي الوردي فان النزاع بين رجال الدين من الشيعة والسنة كان قد بني على أساس قبلي كما يتنازع البدو في الصحراء لأن جوهر الخلاف يدور حول من يمتلك السلطة.

ليس هناك تاريخ واضح ومحدد لزج المؤسسات الشيعية في الشأن السياسي ، فدور الفهاء والمراجع الشيعة ظل مقتصرا على الارشاد والتقليد واصدار المسائل الفقهية التي يحتاجها ( المكلفون) في تأدية عباداتهم ، ومعرفة الواجبات الدينية المترتبة عليهم ، واين يبدأ الحلال واين ينتهي الحرام في المعاملات والممارسات والسلوك ، وكان ثمة شبه اجماع بين مراجع الشيعة على ان الخوض بالشان السياسي ليس من واجبات الفقيه الشيعي والاحوط هو انتظار ظهور الامام المهدي الذي سينزل العدل والحق ، ويكافح الظلم والجور في دولة ( يعز بها الاسلام واهله ويذل بها النفاق واهله ) !!

حسب دعاء الافتتاح الشهير!

من بين العشرات من مراجع الشيعة الكبار لم نجد سوى نفر قليل يدعون الى اقامة (دولة دينية) يحكمها نواب المهدي المنتظر ، وربما كان للسيد الخميني قصب السبق في تبني مشروع ولاية الفقيه التي رسم ملامحها الاولى خلال 13 محاضرة القاها على طلبته في النجف عام 1969 ، ثم اصدرها بكتاب من عدة اجزاء يحمل اسم ( الحكومة الاسلامية و ولاية الفقيه ) اتذكر جيدا ان كتاب السيد الخميني ( الحكومة الاسلامية) كان قد طبع في عام 1970 في مطبعة الغري في مدينة النجف ، ثم نقل عبر دوائر البريد الحكومية الى المساجد والحسينيات في انحاء العراق كافة ، ووزع مجانا من غير ان يثير قلق الاجهزة الامنية ، مايعني ان فكرة اقامة دولة شيعية لم تاخذ ، حتى ذلك التاريخ ، اي مستوى من الاهتمام والجدية لامن ابناء الطائفة الشيعية ، ولا حتى من مؤسسات الدولة الامنية!

في الضفة الاخرى كان سيد قطب قد دعا عبر كتابه الشهير (معالم في الطريق ) الى اقامة دولة اسلامية واصفا الدين الاسلامي بانه ( لايقوم بدون دولة وبدون سلطة ) ووضع للدولة الدينية المطلوبة اركانها بقوله ( ان الدين ليس مجرّد مشاعر وجدانية تعيشُ في الضّمير بلا سلطة وبلا تشريع وبلا منهج محدد ودستور معلوم) اركان الدولة عند سيد قطب هي:

  السلطة
 التشريع
 منهج محدد في الحكم
 دستور بين كتاب (معالم في الطريق) الذي صدر لاول مرة عام 1964 وكتاب (الحكومة الاسلامية ) الذي طبع لاول مرة عام 1970 ست سنوات فقط ، ولا يستبعد كثير من الباحثين ان يكون السيد الخميني قد اطلع على افكار سيد قطب مثلما اطلع عليها الكثير من الباحثين والمفكرين ورجال الدين في العالم العربي والاسلامي ، وليس بعيدا ان يكون هناك تاثر وتاثير متبادلين بين دعاة اقامة الدولة الاسلامية عند الفريقين والطائفتين.
ان الاسلام السياسي بشقيه ارتبط ظهوره بظهور متبنيات اقامة الدولة الاسلامية عند الطائفتين، وهذا الترابط انتج ماعرف لاحقا ب(التسنن والتشيع ) وهي عملية زحف وازاحة تتبناها قوى الاسلام السياسي المتطرفة من كلا الجانبين وفق ثنائية ( الانتشار والانحسار) .
الاسلام السياسي الشيعي اضفى توصيفات على (التسنن السياسي ) مثلما اضفى الاسلام السياسي توصيفات مقابلة على (التشيع السياسي ) !
فهناك تسنن (اموي) مقابل (التسنن المحمدي) ، وبالمقابل هناك (تشيع عربي) و(تشيع اعجمي ) وايضا (تشيع علوي) و(تشيع صفوي) حسب تعبير المفكر الايراني علي شريعتي.
لم يعرف الاسلام ك(دين عبادة) مفهوم التسنن والتشيع ، انما (دين السياسة )هو من أسس لهذا المفهوم ،وتبناه وتوسع فيه لغايات سياسية اكثر منها دينية.
تتبنى ايران ، من غير مواربة، سياسة التشيع في المجتمعات الاسلامية ، وهذا هو السبب الرئيس وراء توجس الحكومات العربية والاسلامية من ايران وانكماشها في التعامل مع طهران بانفتاح واريحية .
بالمقابل فان حركات واحزاب الاسلام السياسي السني تتبنى سياسات التسنن قدر ماتستطيع ولكن باساليب وآليات تختلف تماما عن تلك التي تتبعها ايران ايران زرعت لها اذرع وخلايا عقائدية وامنية في المجتعمات التي تريد التغلغل فيها ، وانتهجت سياسة الاستمالة والضغط معا لتحقيق اهدافها لكن الاصل في منهجها هو الاستمالة الناعمة كما حدث في بعض البلدان العربية كالعراق وسوريا ولبنان والجزائر، لكن هذا لايعني ان مشروع التشيع الايراني اعزل ،او منزوع السلاح ، هو مدجج وشرس غاية الشراسة حين يقتضي قانون الازاحة ذلك .
على العكس فان التسنن الذي تتبناها حركات وقوى الاسلام السياسي السني يعتمد منهج التكفير والاستئصال والازاحة والاجتثاث .
ليس في قاموس التنظيمت السنية المتطرفة كالقاعدة وداعش وقبلهما التكفير والهجرة لغة للاستمالة والحوار مع الطرف الآخر ، وحتى ( جادلهم بالتي هي احسن ) لايرون انها تنطبق على مخاطبة الشيعة بل انها اقرب للجدال مع الكفار ومناظرتهم .
بحسب صحيفة وول ستريت جورنال فإن إيران تعتمد في حملات التشيع على تقديم المال والطعام للسوريين في تلك المنطقة التي كانت يسيطر عليها داعش ، وأشارت إلى أن إيران تقوم بتقديم بطاقات شخصية وتعليم مجاني وخدمات عامة أخرى، من أجل الانضمام إلى فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، وتقدم لهم راتب شهري بقيمة 200 دولار، في الوقت الذي يخطط فيه رئيس الولايات المتحد دونالد ترامب، لتقليص التواجد العسكري الأمريكي هناك.
هذا نموذج لاسلوب الاستمالة الناعمة في نشر التشيع على الطريقة الايرانية! اما لو بحثنا عن النماذج الخشنة فاننا سنغرف منها غرفا عند التنظيمات السنية التي تعتمد ( الحادلات العقائدية ) فتسوية الارض اذا كانت فيها نتوءات معارضة.

اقرأ ايضا