الجمعة: 6 ديسمبر، 2019 - 08 ربيع الثاني 1441 - 06:30 مساءً
سلة الاخبار
الثلاثاء: 19 نوفمبر، 2019

كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية في تقرير لها عن وثائق مسربة للاستخبارات الإيرانية تتحدث عن مخططات طهران للتوسع على الصعيد الإقليمي وجهودها الكبيرة داخل العراق لبسط نفوذها من خلال الجواسيس والموالين لها داخل المؤسسات العراقية المختلفة. 

 

ونشر موقع «إنترسبت» الأمريكي هذه الوثائق أولًا، وشاركتها «نيويورك تايمز» لاحقًا. 

التقرير المطول للصحيفة الأمريكية، الذي أعده الصحافيون تيم أرانجو، وجيمس ريزين، والصحافية فرناز فسيهي، ورونين بيرجمان، ومرتضى حسين، يكشف عن مئات الوثائق المسربة التي تلقي الضوء على الحرب السرية لإيران من أجل التأثير في المنطقة والمعارك الدائرة داخل المؤسسة الأمنية الإيرانية نفسها.

 

أرسِلت التقارير المسربة التي جاءت في 700 صفحة إلى موقع «إنترسبت» بعد ترجمتها من الفارسية إلى الإنجليزية وتشاركها الموقع مع «نيويورك تايمز» حيث تأكدا من صحة الوثائق، لكنهما لا يعرفان من قام بتسريبها.

سليماني في بغداد

في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ومع تصاعد الاضطرابات في العاصمة بغداد، تسلل زائر مألوف بهدوء إلى العاصمة العراقية بغداد.. كانت المدينة تحت الحصار طيلة أسابيع، حيث احتشد المحتجون في الشوارع مطالبين بإنهاء الفساد وإسقاط حكومة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، كما استنكروا نفوذ إيران الكبير في السياسات العراقية، وقاموا بإحراق أعلام إيران والهجوم على قنصليتها.

 

كان قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، في العراق لاستعادة النظام، لكن وجوده سلط الضوء على مظالم كبرى للمحتجين، حيث جاء سليماني لإقناع حليفه في البرلمان العراقي بمساعدة رئيس الوزراء للبقاء في منصبه.

 

لم تكن تلك المرة الأولى التي يتم إرسال قاسم سليماني فيها إلى بغداد لإصلاح الأضرار حيث تُعد جهود طهران لدعم عبد المهدي جزءًا من حملتها الطويلة للحفاظ على العراق بصفته دولة تابعة.

 

تقدم وثائق إيرانية مسربة جديدة وصفًا تفصيليًا للحملة الشرسة التي عملت من خلالها طهران على تضمين نفسها في السياسات العراقية، والدور الفريد لسليماني، وهي الوثائق التي كانت ضمن أرشيف وثائق سرية إيرانية حصل عليها موقع «إنترسبت» أولًا، وتشاركها مع صحيفة «نيويورك تايمز».

 

بعيدًا عن التعبيرات الدبلوماسية.. هل تحتل إيران العراق حقًا؟

جواسيس وعملاء

تكشف تلك التسريبات غير المسبوقة النفوذ الواسع لطهران في العراق، وتشرح تفصيلًا سنوات من العمل الدؤوب للجواسيس الإيرانيين لاختيار قادة العراق، ودفع المال لعملاء عراقيين يعملون لصالح الأمريكيين من أجل تغيير مواقفهم واختراق جميع ملامح الحياة السياسية، والاقتصادية، والدينية داخل العراق.

 

وفقًا للتقارير الإيرانية، فبعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق في عام 2011، تحركت إيران سريعًا لتجنيد عملاء سابقين بوكالة «السي آي إيه» الأمريكية.

 

تصف العديد من الوثائق الإيرانية عمليات تجسس نشعر وكأنها مأخوذة عن رواية تجسس، حيث كان يتم الترتيب لاجتماعات في أزقة مظلمة، ومراكز تسوق، أو تحت غطاء رحلات صيد، أو حفلات أعياد ميلاد. أضف إلى ذلك المخبرين الذين ينتشرون في مطار بغداد، ويقومون بالتقاط صور للجنود الأمريكيين، ويراقبون رحلات قوات التحالف، كما يقود الجواسيس سياراتهم في طرق متعرجة لتجنب الرقابة في طريق وصولهم إلى الاجتماعات. أيضًا يتم تقديم الكثير من الهدايا للمصادر من الفستق، والكولونيا، والزعفران، كما يتم تقديم رشى للمسؤولين العراقيين.

 

يحتوي الأرشيف على تقارير تخص مبالغ جرى إنفاقها من ضباط وزارة الاستخبارات العراقية، بينها فاتورة بقيمة 87.5 يورو أنفِقت لشراء هدايا لقيادي كردي.

 

«علاقة خاصة بين إيران وعادل عبد المهدي»

وفقًا لإحدى الوثائق الإيرانية المسربة، فإن عادل عبد المهدي عمل عن قرب مع إيران؛ حيث كان في المنفى خلال عهد الرئيس الأسبق صدام حسين، وكان يحظى بعلاقة خاصة مع إيران عندما كان وزيرًا للنفط عام 2014.

 

لم تذكر البرقية طبيعة العلاقة بين الجانبين، وكما حذر مسؤول أمريكي سابق فإن العلاقة الخاصة قد تعني الكثير من الأشياء، ولا تعني أنه كان عميلًا للحكومة الإيرانية.

 

لكن لا يمكن لأي سياسي عراقي أن يصبح رئيسًا للوزراء دون مباركة إيران، وعندما جرى انتخاب عبد المهدي لشغل منصب رئيس الوزراء في 2018، كان يُنظر إليه على أنه شخص جرى التوافق عليه، ومقبول من كل من إيران والولايات المتحدة.

 

تقدم الوثائق المسربة لمحة مثيرة للدهشة عما يدور داخل النظام الإيراني، كما أنها تقدم تفصيلًا الطريقة التي وقع فيها العراق تحت النفوذ الإيراني منذ الاحتلال الأمريكي عام 2003، والذي حوّل العراق إلى بوابة للنفوذ الإيراني تربط الهيمنة الجغرافية للجمهورية الإسلامية من شواطئ الخليج العربي إلى البحر الأبيض المتوسط.

 

تفوق إيراني على الولايات المتحدة

تؤكد تقارير الاستخبارات الإيرانية التي تم تسريبها إلى حد كبير ما كان معروفًا بالفعل حول قبضة إيران القوية على السياسة العراقية، لكنها تكشف المزيد عما كان معروفًا في السابق حول الطريقة التي استخدمت من خلالها إيران والولايات المتحدة العراق كساحة لعملياتهم التجسسية.

 

كما أنها تسلط الضوء على السياسات الداخلية المعقدة للحكومة الإيرانية، حيث تواجه الفصائل المتناحرة التحديات ذاتها التي واجهتها القوات الأمريكية المحتلة، بينما كانت تصارع من أجل إرساء الاستقرار في العراق في أعقاب الاحتلال الأمريكي، وتكشف الوثائق كيف تفوقت إيران على الولايات المتحدة في لعبة النفوذ.

 

يحتوي الأرشيف الإيراني على مئات التقارير والوثائق التي تعود للعام 2014 و2015 من جانب ضباط في وزارة الاستخبارات والأمن بإيران ممن يعملون داخل العراق وتحظى الوزارة الأمنية، وهي النسخة الإيرانية من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «سي آي إيه»، بسمعة تصفها بأنها مؤسسة مهنية غير أنها تخضع لهيمنة منظمة أخرى داخل الحرس الثوري الإيراني «منظمة مخابرات حرس الثورة الإسلامية» والتي تأسست ككيان مستقل في العام 2009 بأوامر من المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي.

 

في العراق، ولبنان، وسوريا، والتي تعتبرها إيران دولًا مهمة لأمنها القومي، يحدد الحرس الثوري وبشكل خاص وحدة النخبة بها المعروفة بـ«فيلق القدس» الذي يقوده سليماني، سياسات إيران حيث يتم تعيين السفراء لهذه الدول من الرتب العليا داخل الحرس الثوري لا وزارة الخارجية، والتي تشرف على وزارة الاستخبارات وفقًا للعديد من المستشارين الحاليين والسابقين بالحكومات الإيرانية.

 

وقالت هذه المصادر: إن ضباط من وزارة الاستخبارات والحرس الثوري عملوا بالتوازي مع بعضهم البعض داخل العراق، حيث كانوا يقومون بتقديم تقاريرهم إلى المنظمة الأمنية في طهران، والتي كانت تقدم التقارير للمجلس الأعلى للأمن القومي.

علاقات سرية

وكانت إقامة العلاقات جزءًا أساسيًا من عمل هؤلاء الضباط، وسهّلت من مهمتهم التحالفات التي أبرمها العديد من القادة العراقيين مع إيران أثناء وجودهم في صفوف جماعات المعارضة ضد صدام حسين، كما كان لدى العديد من الساسة والقادة العسكريين والأمنيين في العراق علاقات سرية مع طهران، بحسب الوثائق.

 

تصف البرقية نفسها التي تحدثت عن العلاقة الخاصة لعبد المهدي، علاقات رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي بالمؤسسة الإيرانية. ويقول المحلل السياسي والمستشار العراقي لدى الحكومة الإيرانية غيث قريشي: إن «إيران ركزت على إقامة علاقات مع مسؤولين رفيعي المستوى داخل العراق»، مضيفًا: «لدينا عدد جيد من الحلفاء بين القادة العراقيين الذين يمكننا الوثوق فيهم وأعيننا مغمضة».

 

وطلب الصحافيون بالرد على ما ورد في التقرير من ثلاثة مسؤولين إيرانيين، وكان أولهم هو المتحدث باسم بعثة إيران بالأمم المتحدة علي رضا مير يوسف، وثانيهم ماجد تخت رافانشي سفير إيران بالأمم المتحدة، والذي لم يرد على طلب مكتوب تم تسليمه إلى مقر إقامته، أما الثالث فهو وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، فلم يرد على طلب التعليق، والذي وصله عبر رسالة بريد إلكتروني.

 

ورفض حسن دانيفار، سفير إيران لدى العراق في الفترة من 2010 إلى 2017، التعليق على الوثائق، لكنه أشار إلى أن بلاده تتفوق في مسألة جمع المعلومات داخل العراق، وقال: «نعم لدينا الكثير من المعلومات من العراق حول العديد من القضايا، وخاصةً عما تقوم به أمريكا هناك، وهناك فجوة كبيرة بين الحقيقة والمفهوم حول ما تقوم به أمريكا في العراق. لدينا الكثير من القصص لنسردها» لكنه رفض التحدث بالتفصيل.

 

استغلال الانسحاب الأمريكي لتجنيد عملاء سابقين في «سي آي إيه»

وفقًا للتقارير الإيرانية، فبعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق في عام 2011 تحركت إيران سريعًا لتجنيد عملاء سابقين بوكالة «سي آي إيه» الأمريكية، حيث تكشِف برقية غير مؤرخة لوزارة الأمن كيف بدأت إيران عملية تجنيد جاسوس داخل الخارجية الأمريكية، لكن ليس واضحًا ما تمخض عن محاولة التجنيد تلك. لكن وفقًا للوثائق فقد بدأت إيران الاجتماع بالمصدر، وعرضت عليه راتبًا، وقطعًا ذهبية، وهدايا أخرى.

 

تقدم الوثائق الإيرانية المسربة تقييمًا نهائيًا حول الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003. وتتمتع فكرة تسليم الأمريكيين العراق لإيران وقت الغزو بدعم واسع حتى داخل الجيش الأمريكي

لم يتم ذكر اسم مسؤول بوزارة الخارجية الأمريكية، لكنه وصِف بأنه الشخص القادر على تقديم رؤى استخباراتية عن خطط الولايات المتحدة داخل العراق، سواء للتعامل مع «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، أو أية عمليات سرية أخرى، كما أن الحافز للشخص المتعاون سيكون ماليًا. ورفضت الخارجية الأمريكية التعليق على المسألة.

 

واعترف مسؤولون عراقيون خلال مقابلات بأن إيران كانت تنظر إلى مراقبة النشاط الأمريكية داخل العراق بعد الاحتلال الأمريكي أمرًا مهمًا وحاسمًا لأمنها القومي وبقائها، وعندما أطاحت القوات الأمريكية بصدام حسين قامت إيران سريعًا بإيفاد أفضل ضباطها بوزارة الاستخبارات والمنظمة الأمنية بالحرس الثوري إلى العراق، بحسب مستشارين للحكومة الإيرانية، وشخص آخر على صلة بالحرس الثوري.

 

وكان الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن قد وصف إيران بأنه جزء من «محور الشر»، وكان القادة الإيرانيون يعتقدون أن طهران ستكون الهدف المقبل على قائمة واشنطن لتغيير نظامها بعد كابول وبغداد.

700 صفحة من الوثائق

يتوجب على الحكومات في شتى أنحاء العالم التصدي للتسريبات، سواء كانت بيانات سرية، أو رسائل بريد إلكتروني شخصية، لكن لا يكون الأمر كذلك في إيران؛ حيث تخضع المعلومات لرقابة مشددة.

 

لقد أرسِلت التقارير المسربة التي جاءت في 700 صفحة إلى موقع «إنترسبت» بعد ترجمتها من الفارسية إلى الإنجليزية وتشاركها الموقع مع «نيويورك تايمز» حيث تأكدا من صحة الوثائق، لكنهما لا يعرفان من قام بتسريبها.

 

وتواصل موقع «إنترسبت» بطريقة مشفرة مع المصدر، لكنه رفض اللقاء مع الصحافي الخاص بالموقع، وفي رسائل مشفرة أخرى قال المصدر إنه يريد أن يعرف العالم ما الذي تفعله إيران داخل العراق. وتحتوي بعض التقارير على معلومات استخباراتية أولية مشكوك في صحتها، في حين يبدو أن تقارير أخرى تعكس وجهات نظر أجندات ضباط الاستخبارات والمصادر الإيرانيين.

تصف بعض تلك التقارير مواقف مثيرة للسخرية، مثل تلك التي تتحدث عن اقتحام جواسيس إيرانيين المركز الثقافي الألماني في العراق؛ ليجدوا أن لديهم الأرقام السرية الخطأ للخزانة داخله، ولم يتمكنوا من فتح الخزائن، كما تعرض ضباط آخرون للترهيب من جانب رؤسائهم بسبب كسلهم وقيامهم بإرسال تقارير إلى طهران اعتمدت فقط على تقارير إخبارية.

 

ولكن إلى حد كبير يبدو أن عملاء الاستخبارات الذين ورد ذكرهم في التسريبات صبورون ومحترفون، وكانت مهامهم الرئيسة تكمن في منع التشدد السني، وانزلاق العراق إلى حرب طائفية قد تجعل الشيعة أهدافًا للعنف؛ ومنع خروج كردستان العراق عن السيطرة؛ الأمر الذي يهدد استقرار إيران الإقليمي.

 

وقد عمل الحرس الثوري وقاسم سليماني أيضًا للقضاء على تنظيم «داعش»، ولكن مع تركيز أكبر على الحفاظ على العراق كدولة تابعة لإيران والتأكد من بقاء الفصائل السياسية الموالية لطهران في السلطة.

 

هذه الصورة هي الأكثر إثارة للانتباه في زمن التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، ومنذ عام 2018 عندما انسحب الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق النووي مع إيران وأعاد فرض العقوبات عليها سارع البيت الأبيض إلى إرسال السفن للخليج العربي، وقام باستعراض الخطط العسكرية للحرب مع إيران. 

 

وفي أكتوبر الماضي وعدت إدارة ترامب بإرسال قوات أمريكية إلى المملكة العربية السعودية في أعقاب الهجمات على منشآت النفط هناك، والتي تم إلقاء اللوم فيها على إيران.

«أخبرهم أننا في خدمتكم»

مع تشارك جنوب العراق وإيران في العقيدة والانتماءات القبلية حظيت إيران بوجود كبير هناك؛ حيث قامت بفتح مكاتب دينية في المدن المقدسة بالعراق، ونشرت ملصقات للمرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، في شوارع تلك المدن، كما دعمت بعضًا من أكثر الأحزاب السياسية نفوذًا جنوبي العراق، وقامت بإرسال طلاب إيرانيين للدراسة في مدارس عراقية، وإرسال عمال بناء إيرانيين لبناء فنادق عراقية وتجديد الأضرحة المقدسة.

 

يقول المسؤولون العراقيون: إن الجواسيس الإيرانيين موجودون في كل مكان جنوبي العراق، وكانت المنطقة منذ فترة طويلة خلية نحل للتجسس.

 

رغم أن إيران ربما تكون قد تفوقت على الولايات المتحدة في المنافسة على النفوذ في بغداد، فقد صارعت لكسب التأييد الشعبي في الجنوب العراقي، وفي الوقت الحالي، كما أوضحت الأسابيع الستة الأخيرة من الاحتجاجات، تواجه تراجعًا قويًا بشكل غير متوقع في تلك المنطقة. 

 

وفي جميع أنحاء الجنوب، شهدت الأحزاب السياسية العراقية المدعومة من إيران إحراق مقراتها الرئيسة واغتيال قيادييها، وهذا مؤشر على أن إيران ربما لم تقدر جيدًا رغبة العراق في الاستقلال، ليس فقط عن الولايات المتحدة، ولكن أيضًا عن إيران الجارة.

 

تقدم الوثائق الإيرانية المسربة تقييمًا نهائيًا حول الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003. وتتمتع فكرة تسليم الأمريكيين العراق لإيران وقت الغزو بدعم واسع حتى داخل الجيش الأمريكي، وكشفت دراسة مؤلفة من مجلدين عن حرب العراق نشرها الجيش الأمريكي تفصيلًا العديد من الأخطاء الأمريكية، والثمن الباهظ للحرب، سواء في الأرواح، أوالكلفة المالية.

 

وقُتِل قرابة 4500 من القوات الأمريكية، ومئات الآلاف من العراقيين، كما أنفق دافعو الضرائب الأمريكيون 2 تريليون دولار في الحرب، وتخلص الدراسة إلى أن إيران التوسعية هي المنتصر الوحيد في هذه الحرب.

كان صعود إيران كلاعب قوي في العراق من نواحٍ كثيرة نتيجة مباشرة لافتقار واشنطن إلى أي خطة بعد غزو العراق، حيث كانت السنوات الأولى التي تلت سقوط صدام فوضوية أمنيًا، أو على صعيد نقص الخدمات الأساسية، مثل الماء والكهرباء. 

 

وكان من بين أكثر السياسات الأمريكية كارثية قرارات حل الجيش العراقي وإقرار سياسة اجتثاث البعث: «تطهير المصالح الحكومية والجيش من أي منتسب لحزب البعث الحاكم في عهد صدام»، تلك العملية التي ساعدت في تهميش معظم السنة؛ ليصبحوا عاطلين عن العمل تملؤهم مشاعر الاستياء؛ ما دفعهم للشروع في تمرد عنيف يستهدف الأمريكيين والشيعة الذين يعتبرون حلفاء للولايات المتحدة.

 

ومع اندلاع الحرب الطائفية بين السنة والشيعة نظر الشيعة إلى إيران كحاميتهم، وعندما سيطر تنظيم «داعش» على الأراضي والمدن داخل العراق أدى ضعف الشيعة وفشل الولايات المتحدة في حمايتهم إلى جهود من الحرس الثوري وقاسم سليماني لتجنيد وتعبئة الميليشيات الشيعية الموالية لإيران.

 

ووفقًا لوثائق وزارة الاستخبارات الإيرانية فقد واصلت إيران الاستفادة من الفرص التي منحتها الولايات المتحدة لها في العراق، واستطاعت جمع مجموعة كبيرة من المعلومات الاستخباراتية عن الأسرار الأمريكية؛ حيث بدأ الوجود الأمريكي في التراجع بعد انسحاب القوات الأمريكية عام 2011.

 

وكانت وكالة الاستخبارات الأمريكية «سي آي إيه» قد طردت العديد من عملائها السريين في العراق الذين خدموها لفترة طويلة، وتركتهم دون عمل في بلد لا يزال يعاني ويلات الحرب، وبدأ الكثيرون من هؤلاء في عرض خدماتهم على إيران، وتقديم معلومات عن عمليات «السي آي إيه» في العراق.

 

«المصدر 134992».. عميل أمريكي سابق وإيراني حالي

في نوفمبر (شباط) عام 2014، انشق أحد الجواسيس الذين كانوا يعملون لصالح «سي آي إيه» خشية أن تكلفه علاقاته مع الأمريكيين حياته، وشرع في التعاون مع إيران، وأطلقت عليه إيران «المصدر 134992»، وكانت تُعرِفه وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية باسم «دوني براسكو». 

 

ومع تعاونه مع إيران صرح بجميع المعلومات عن مواقع «سي آي إيه»، ومنازلها الآمنة، والفنادق التي كان يجتمع فيها العملاء العراقيون مع وكلائهم، إضافة إلى تفاصيل خاصة بالأسلحة والتدريب على المراقبة، وأسماء عراقيين آخرين كانوا يعملون كجواسيس للأمريكيين.

 

وقال «المصدر 134992» للعملاء الإيرانيين إنه عمل مع الوكالة الأمريكية طيلة 18 شهرًا، بداية من عام 2008 على برنامج لاستهداف تنظيم «القاعدة»، وحصل على راتب 3 آلاف دولار شهريًا، إضافة إلى مكافأة 20 ألف دولار وسيارة.

 

وأقسم الرجل على القرآن أن أيامه في العمل كجاسوس لصالح الولايات المتحدة قد انتهت، ووافق على كتابة تقرير كامل للإيرانيين حول كل شيء عرفه خلال فترة عمله مع «سي آي إيه»، وقال: «سأعطيكم الوثائق والفيديوهات التي بحوزتي من الدورة التدريبية الخاصة بي، مع صور تحدد ملامح الذين تدربوا معي، والمساعدين أيضًا».

ورفضت «سي آي إيه» التعليق على الأمر.

جنوب العراق يغص بالجواسيس الإيرانيين

يقول المسؤولون العراقيون: إن الجواسيس الإيرانيين موجودون في كل مكان جنوبي العراق، وكانت المنطقة منذ فترة طويلة خلية نحل للتجسس. في كربلاء في أواخر عام 2014 التقى ضابط مخابرات عسكري عراقي من بغداد بمسؤول مخابرات إيراني، وعرض التجسس لصالح إيران، وإخبار الإيرانيين بكل ما لديه بشأن الأنشطة الأمريكية في العراق.

 

وقال المسؤول العراقي للضابط الإيراني، بحسب إحدى الوثائق: «إيران هي بلدي الثاني وأحبها»، وخلال اجتماع استمر أكثر من ثلاث ساعات، كشف المسؤول العراقي عن إخلاصه لنظام الحكم الإيراني وإعجابه بالأفلام الإيرانية.

 

وأوضح أنه جاء برسالة من قائده في بغداد قائد الاستخبارات العراقية بوزارة الدفاع حاتم المكصوصي قال فيها: «أخبرهم أننا تحت خدمتكم، وكل ما تطلبونه تحت تصرفكم، نحن شيعة وعدونا واحد».

 

وأردف الرجل: «اعتبروا أن استخبارات الجيش العراقي ملككم»، كما أخبر المسؤول العراقي ضابط الاستخبارات الإيراني عن برنامج استهداف سري قدمته الولايات المتحدة للعراقيين، وعرض تقديمه للإيرانيين، وقال: «إذا كان لديك جهاز حاسوب محمول جديد، فأعطني إياه وسأحمله عليه».

 

وقال الرجل أيضًا: إن الولايات المتحدة أعطت العراق منظومة شديد الحساسية للتجسس على الهواتف النقالة كان يديره مكتب رئيس الوزراء ومقرات الاستخبارات الحربية العراقية. وأضاف: «سأضع تحت تصرفكم كل ما تريدونه من معلومات استخباراتية».

 

ونفى المكصوصي في مقابلة أي علاقة له بما ورد في الوثائق، ونفى أيضًا العمل لصالح إيران، وأشاد بمساعدتها للعراق في الحرب ضد تنظيم «داعش»، لكنه قال أيضًا إنه حافظ على علاقة وثيقة مع الولايات المتحدة. وأكد أنه عمل لصالح العراق لا لصالح أية دولة أخرى، ولم يكن مدير استخبارات الشيعة فقط، بل لجميع العراقيين.

 

وقال مسؤول أمريكي سابق إن بلاده كان على علم بالعلاقات التي تجمع ضباط الاستخبارات العسكرية العراقية بإيران، واعترف باطلاعه على معلومات حساسة في ذلك الصدد.

مرشح أمريكا

بحلول أواخر عام 2014 قامت الولايات المتحدة مرة أخرى بإرسال الأسلحة والجنود للعراق عندما بدأ يقاتل تنظيم «داعش»، وكانت لإيران أيضًا مصلحة في هزيمة المتشددين. عندما سيطر تنظيم «داعش» على الغرب والشمال، سافر شبان عراقيون متجهين إلى إيران لتلقي تدريبات عسكرية.

 

كان يعتقد البعض داخل الحكومتين الإيرانية والأمريكية أنه ينبغي أن ينسقا جهودهما ضد عدو واحد، لكن إيران كانت تنظر إلى تزايد الوجود الأمريكي، كما تظهر الوثائق المسربة، على أنه تهديد وغطاء لجمع المعلومات الاستخباراتية عن إيران.

 

وكتب ضابط إيراني: «ما يجري في الأجواء العراقية يظهِر مستويات عليا من النشاط الذي يقوم به التحالف.. يجب التعامل بجدية مع النشاط الذي يهدد مصالح الجمهورية الإسلامية الإيرانية».

 

وتسبب صعود تنظيم «داعش» في نفس الوقت في إفساد العلاقة بين إدارة أوباما وجانب كبير من الطبقة السياسية العراقية، حيث سعى أوباما للإطاحة برئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي كشرط لتجديد الدعم العسكري الأمريكي. 

 

وأعرب أوباما عن اعتقاده أن سياسات المالكي الوحشية والحملات القمعية ضد السنة العراقيين قد ساعدت في بزوغ نجم المتشددين، وكان بديل المالكي، الذي عاش في المنفى بإيران في ثمانينات القرن الماضي، والرجل المفضل لطهران، حيدر العبادي الذي تعلم في بريطانيا، والذي كان يُنظر إلى أنه موالٍ بشكل أكبر للغرب وأقل طائفيةً.

 

وفي مواجهة حالة عدم اليقين التي يكتنفها منصب رئيس الوزراء الجديد، دعا حسن دانيفار، سفير إيران في ذلك الوقت، إلى عقد اجتماع سري لكبار الموظفين في السفارة الإيرانية، وأثناء الاجتماع بدا واضحًا أن الإيرانيين لا ينتابهم قلق كبير حول الحكومة العراقية الجديدة.

 

وتم رفض تعيين العبادي باعتباره رجل بريطانيا ومرشح أمريكا، لكن الإيرانيين يعتقدون أن لديهم الكثير من الوزراء في جعبتهم، ووصف دانيفار علاقة هؤلاء الوزراء بإيران، كإبراهيم الجعفري الذي كان رئيسًا للوزراء ووزيرًا للخارجية نهاية عام 2014، وأيضًا عبد المهدي الذي يحظى بعلاقة خاصة مع إيران.

علاقات إيران الوثيقة بوزراء عراقيين

وفي مقابلة لم ينفِ الجعفري علاقاته الوثيقة بإيران، لكنه قال إنه تعامل مع الدول الأجنبية بناء على مصالح العراق. لقد اعتمدت إيران على ولاء وزراء آخرين أيضًا بالحكومة، مثل وزراء البلديات والاتصالات وحقوق الإنسان، وجميعهم كانوا في حالة تفاهم تام وواحد مع إيران ومع شعبها، بحسب الوثائق.

 

كما تشير الوثائق إلى أن وزير البيئة عمل مع إيران، بالرغم من أنه سني، كما توضح أن وزير النقل، بيان جبر، والذي كان وزيرًا للداخلية في فترة شهدت وفاة المئات من السجناء تحت التعذيب أو الإعدامات الجماعية، كان يُعد مقربًا بشدة لإيران، كما ذكر التقرير الإيراني فيما يخص وزير التعليم العراقي: «لم يكن لدينا مشكلة معه».

 

وكان وزراء البلديات والاتصالات وحقوق الإنسان السابقون أعضاء بمنظمة «بدر»، وهي جماعة عسكرية وسياسية أسستها إيران في ثمانينات القرن الماضي لمعارضة صدام حسين.

نفي واعتراف

ونفى وزير البلديات السابق أن تكون لديه علاقة وثيقة بإيران، في حين اعترف وزير حقوق الإنسان بقربه من إيران، وأثنى عليها في مساعدة الشيعة خلال فترة الحكم الديكتاتورية لصدام حسين، ولمساعدتها العراقيين في هزيمة تنظيم «داعش».

 

وقال وزير الاتصالات العراقي السابق إنه كان يخدم العراق لا إيران، وأنه حافظ على علاقاته بدبلوماسيين من عدة دول، في حين أكد وزير التعليم السابق أنه لم يكن مدعومًا من إيران، وأنه كان يأتمر بأوامر رئيس الوزراء حيدر العبادي، في حين تعذر التوصل إلى وزير البيئة السابق للتعليق على الأمر.

 

تظهر هيمنة إيران على السياسة العراقية بشكل واضح في حلقة واحدة مهمة خريف عام 2014، عندما استولى مقاتلو تنظيم «داعش» على ثلث مساحة العراق تقريبًا، وكانت القوات الأمريكية تتجه إلى المنطقة لمواجهة الأزمة المتفاقمة.

 

وسط تلك الفوضى رحب جبر، الذي كان وزيرًا للنقل آنذاك، بقاسم سليماني في مكتبه، الذي طلب منه السماح للطيران الإيراني باستخدام المجال الجوي العراقي لنقل طائرات محمّلة بالأسلحة وغيرها من الإمدادات لدعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد في معركته ضد المتمردين الذين تدعمهم الولايات المتحدة.

 

ووضع ذلك الطلب جبر في بؤرة المنافسة الطويلة بين الولايات المتحدة وإيران داخل العراق، وكان مسؤولو إدارة أوباما يضغطون بقوة من أجل إقناع العراقيين بإيقاف الرحلات الجوية الإيرانية عبر مجالهم الجوي، لكن وزير النقل العراقي لم يستطع أن يرفض طلب سليماني وجهًا لوجه.

 

ووفقًا لإحدى الوثائق المسربة، فقد قال جبر: «لقد جاءني سليماني وطلب أن نسمح للطائرات الإيرانية باستخدام المجال الجوي العراقي للمرور إلى سوريا»، ولم يتردد في تلبية طلب سليماني الذي بدا سعيدًا.

 

وأكد جبر اللقاء مع سليماني، لكنه قال إن الرحلات من إيران إلى سوريا كانت تحمل مساعدات إنسانية وزوارًا دينيين إلى سوريا لزيارة الأماكن المقدسة، وليس السلاح والمعدات العسكرية لمساعدة الأسد كما يعتقد المسؤولون الأمريكيون.

 

إيران تواجه النفوذ الأمريكي داخل العراق

في هذه الأثناء تعرض المسؤولون العراقيون المعروفون بأن لهم علاقة مع الولايات المتحدة لتدقيق خاص، واتخذت إيران تدابير لمواجهة النفوذ الأمريكي، حيث تظهِر الكثير من الوثائق أنه بينما التقى كبار الدبلوماسيين الأمريكيين خلف الأبواب المغلقة مع نظرائهم العراقيين في بغداد، كانت محادثاتهم تُرسل بشكل روتيني إلى الإيرانيين.

 

وخلال عامي 2014 و2015 التقى السفير الأمريكي ستيوارت جونز كثيرًا مع سالم الجبوري، الذي كان رئيسًا للبرلمان العراقي حتى العام الماضي، وبالرغم من كون الجبوري سنيًا، إلا أنه كان معروفًا بعلاقته الوثيقة مع إيران، لكن الوثائق الإيرانية تكشف أن أحد كبار مستشاريه السياسيين – المعروف باسم «المصدر 134832» – كان أحد أرصدة المخابرات الإيرانية.

 

وقال المصدر العراقي: «أنا موجود في مكتبه يوميًا، وأتابع اتصالاته مع الأمريكيين». وقال الجبوري في مقابلة إنه لا يصدق أن أحد موظفيه كان عميلًا لإيران، وأنه يثق بمساعديه تمام الثقة. ورفض جونز التعليق على الأمر.

 

وحث المصدر الإيرانيين على تطوير علاقات أوثق مع الجبوري، لعرقلة الجهود الأمريكية لرعاية طبقة جديدة من القادة السنة من الشباب داخل العراق، وربما لتحقيق المصالحة بين السنة والشيعة.. محذرًا أنه يتعين على إيران أن تتصرف لمنع رئيس البرلمان من تحول ولائه لأمريكا؛ لأن الجبوري يتصف بالسذاجة والقرارات المتسرعة.

 

تكشف وثيقة أخرى أن نيجيرفان بارزاني رئيس وزراء كردستان التقى بكبار المسؤولين الأمريكيين والبريطانيين وحيدر العبادي في بغداد في ديسمبر (كانون الأول) 2014، ثم توجه على الفور إلى لقاء مسؤول إيراني ليخبره بما جرى خلال ذلك الاجتماع.

 

ورفض بارزاني على لسان متحدثه ما جاء في البرقية الإيرانية، وأكد أنه لا أساس لها من الصحة، نافيًا بشكل تام إخبار الإيرانيين بتفاصيل حول حديثه مع دبلوماسيين أمريكيين وبريطانيين.

 

تكشف الوثائق أيضًا عن أن مستشار الجبوري كشف أن الولايات المتحدة كانت مهتمة بالوصول إلى حقل عكاس للغاز الطبيعي بالقرب من حدود العراق مع سوريا، وأوضح المصدر أن الأمريكيين ربما يحاولون في نهاية المطاف تصدير الغاز الطبيعي إلى أوروبا.

 

وكتب ضابط وزارة الاستخبارات في برقية إلى طهران «يوصى باستغلال المعلومات المذكورة أعلاه مع الروس وسوريا». وتمت كتابة تلك البرقية، بينما كانت تصّعِد روسيا من انخراطها العسكري في سوريا، وتواصل إيران تعزيز قدراتها العسكرية هناك دعمًا للأسد.

 

وعلى الرغم من تشكك إيران في البداية من ولاء العبادي لها، إلا أن تقريرًا كُتب بعد بضعة أشهر من وصوله إلى رئاسة الوزراء يشير إلى أنه كان على استعداد تام لإقامة علاقة سرية مع المخابرات الإيرانية.

 

يذكر تقرير يعود تاريخه إلى يناير (كانون الثاني) عام 2015 لقاء خاصًا جرى بين العبادي وضابط الاستخبارات الإيراني الذي يُعرف باسم بروجوردي، وهو اللقاء الذي جرى في مكتب رئيس الوزراء دون حضور سكرتير أو طرف ثالث.

 

وخلال الاجتماع سلط بروجوردي الضوء على الانقسام بين الشيعة والسنة في العراق. وقال ضابط الاستخبارات الإيراني وفقًا للبرقية إ:ن السُنة يجدون أنفسهم في أسوأ الظروف الممكنة، كما أنهم فقدوا ثقتهم بأنفسهم، وباتوا مشردين، ومنازلهم مدمرة كما ينتظرهم مستقبل غير واضح المعالم في حين يستعيد الشيعة ثقتهم بأنفسهم.

 

وتابع بروجوردي أن شيعة العراق يمرون بنقطة تحول تاريخية، ويمكن للحكومة العراقية وإيران أن تستفيد من الموقف الحالي. وفقًا للبرقية فإن رئيس الوزراء «العبادي» عبر عن موافقته الكاملة على رؤية بروجوردي. ورفض العبادي التعليق على ذلك الأمر.

من حلاوة النصر إلى المرارة

منذ بداية حرب العراق في عام 2003 قدمت إيران نفسها كحامية للشيعة في العراق، وقد استخدم سليماني أكثر من أي شخص آخر فنون التجسس والعمل العسكري السري لضمان بقاء صعود القوة الشيعية هناك، لكن ذلك جاء على حساب الاستقرار؛ حيث حُرم السنة من حقوقهم، وأخذوا يبحثون عن جماعات أخرى لحمايتهم مثل تنظيم «داعش».

 

تصف إحدى الوثائق الإيرانية الأضرار التي وقعت بالمدينة: «تم تطهير المنطقة المحيطة بجرف الصخر من عملاء إرهابيين.. لقد تم تهجير عائلاتهم، ودمرت القوات معظم منازلهم، وسيتم تدمير البقية»

وكانت المجزرة، التي وقعت بحق السنة في قرية جرف الصخر عام 2014 مثالًا صارخًا على الفظائع الطائفية التي ارتكبتها الجماعات المسلحة الموالية لفيلق القدس الإيراني، والتي أثارت قلق الولايات المتحدة خلال حرب العراق، وقوضت جهود المصالحة.

 

وكما توضح التقارير الميدانية، فقد تشاركت وزارة الاستخبارات الإيرانية المخاوف الأمريكية؛ ما يشير إلى انقسامات داخل إيران بشأن سياساتها في العراق، وذلك بين العناصر أكثر اعتدالًا في عهد الرئيس حسن روحاني والفصائل المسلحة مثل الحرس الثوري. واجتاح تنظيم «داعش» جرف الصخر التي تقع شرق الفلوجة في عام 2014، وأعطى ذلك المسلحين موطئ قدم يمكنهم من خلاله شن هجمات على مدينتي كربلاء والنجف المقدستين.

 

تُعد جرف الصخرة مهمة لإيران أيضًا؛ حيث إنها تقع على طريق ينتهجها الزوار الشيعة للسفر إلى كربلاء. عندما طردت الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران المسلحين من جرف الصخر في أواخر عام 2014، وهو أول انتصار كبير على تنظيم «داعش»، أصبحت مدينة أشباح.

 

ولم يعد هناك تهديد لآلاف الزوار الشيعة الذين سيمرون بالقرية، لكن فوز إيران جاء بتكلفة باهظة بحق السنة في جرف الصخر؛ حيث نزح عشرات الآلاف منهم، كما عُثِر على العضو السني الوحيد في المجلس الإقليمي مقتولًا برصاصة في رأسه.

 

تصف إحدى الوثائق الإيرانية الأضرار التي وقعت بالمدينة: «تم تطهير المنطقة المحيطة بجرف الصخر من عملاء إرهابيين.. لقد تم تهجير عائلاتهم، ودمرت القوات معظم منازلهم، وسيتم تدمير البقية». في بعض الأماكن تم اقتلاع بساتين النخيل وحرقها لمنع الإرهابيين من الاحتماء بها، وغدت الماشية ترعى الأراضي دون مالكيها.

إن عملية جرف الصخر وغيرها من الأعمال الدموية التي قادها وكلاء إيران بتوجيه من طهران، زادت من عزلة السنة في العراق، وفقًا لأحد التقارير الإيرانية، والذي يشير إلى أن «تدمير القرى والمنازل ونهب ممتلكات السنة والماشية حول حلاوة النصر ضد تنظيم «داعش» إلى مرارة».

 

تتحدث إحدى الوثائق عن تأثير الميليشيات الشيعية «في جميع المناطق التي دخلتها قوات الحشد الشعبي، يفر السنة ويتركون منازلهم وممتلكاتهم ويفضلون العيش في خيام كلاجئين أو يقيمون في المخيمات».

 

وتخشى وزارة الاستخبارات من تبديد المكاسب الإيرانية في العراق بسبب كره العراقيين للميليشيات الشيعية وفيلق القدس، حيث ألقى ضباط الوزارة باللائمة على سليماني، الذين رأوا أنه شخص خطير يستخدم حملة محاربة تنظيم «داعش» كمنصة انطلاق لتطلعاته السياسية داخل إيران.

 

ينتقد أحد التقارير سليماني بشكل شخصي لترويجه لدوره الرائد في الحملة العسكرية داخل العراق من خلال نشر صور لنفسه على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة؛ الأمر الذي يوضح أن إيران تسيطر على الميليشيات الشيعية هناك. وأوضح التقرير أن إيران في العراق سمحت للأمريكيين بالعودة إلى العراق بشرعية أكبر وأن الجماعات السنية التي قاتلت الأمريكيين سابقًا تتمنى الآن أن تدخل أمريكا وحتى إسرائيل العراق لتخليصه من براثن إيران.

 

في بعض الأحيان، سعى الإيرانيون إلى مواجهة المشاعر المعادية لهم والناتجة عن وجودهم في العراق بحملات القوة الناعمة التي تشبه جهود ساحة المعركة الأمريكية لكسب «القلوب والعقول». 

 

وعلى أمل كسب ميزة دعائية واستعادة صورة إيران بين العراقيين، ابتكرت إيران خطة لإرسال أطباء الأطفال وأطباء النساء إلى القرى في شمال العراق لإدارة الخدمات الصحية، وفقًا لتقرير ميداني، ولكن ليس من الواضح ما إذا كانت هذه المبادرة قد تحققت.

 

واستخدمت إيران في كثير من الأحيان نفوذها لإتمام صفقات التنمية المربحة بالعراق. ومع اعتماد العراق على إيران للحصول على الدعم العسكري في الحرب ضد تنظيم «داعش»، تظهِر إحدى الوثائق أن فيلق القدس حصل على عقود النفط والتنمية من أكراد العراق مقابل حصولهم على أسلحة وغيرها من المساعدات. وفقًا لتقرير ميداني آخر مُنحت إيران في جنوب العراق عقودًا لمعالجة مياه الصرف الصحي بدفع رشوة قيمتها 16 مليون دولار لأحد أعضاء البرلمان. 

 

واليوم تكافح إيران للحفاظ على هيمنتها في العراق، مثلما فعل الأمريكيون بعد غزو عام 2003. وفي الوقت نفسه يشعر المسؤولون العراقيون بقلق متزايد من أن يؤدي الاستفزاز في العراق من أي جانب إلى اندلاع حرب بين الدولتين المتنافستين: «إيران، والولايات المتحدة» من أجل الهيمنة في وطنهما.

 

لقد تعلم العراقيون منذ زمن بعيد اتباع نهج براجماتي تجاه مبادرات جواسيس إيران، حتى السنة الذين ينظرون إلى إيران كعدو. وكتب ضابط إيراني في أواخر العام 2014 حول مجند بالاستخبارات العراقية وصفه بأنه كان بعثيًا عمل سابقًا لصالح صدام حسين ووكالة «سي آي إيه» الأمريكية: «إنه لا يؤمن بإيران فحسب، بل أيضًا بأن نواياها تجاه العراق غير إيجابية».

 

لكن الضابط الإيراني وصف المجند العراقي بأنه جاسوس محترف يدرك حقيقة إيران والشيعة داخل العراق، وسيتعاون مع إيران لإنقاذ نفسه.

 

  • صفحات