الخميس: 16 سبتمبر، 2021 - 08 صفر 1443 - 04:43 مساءً
دفاتر
الأحد: 13 أغسطس، 2017

 

عواجل برس _ بغداد

 

الحلقة 7 7
تأليف: ويليام زيمان
ترجمة عبد الجليل البدري

 

 

الملاحق
تضمنت هذه الاطروحة اثنين من الملاحق الهامة التي لم نتمكن من ادراجها في المتن بهدف اعطاء المزيد من الايضاحات الهامة.
الملحق رقم 1 : تدخل الولايات المتحدة السرية
تعرقل هذا المشروع بسبب الحقيقة الماثلة في ان حكومة الولايات المتحدة نفت وما زالت تنفي ضلوعها في انقلاب 1963. وينفي الضابط السابق في وكالة المخابرات المركزية (سي آي أي) ايد كين، بشدة أية صلة للسي آي أي في الانقلاب(197). ففي رسالة موجهة الى مدير العلاقات العامة في الوكالة، قال كين “ان انقلاب شباط/فبراير 1963 فاجأ الوكالة مفاجأة تامة، وإنني على يقين بأنه فاجأ حكومة الولايات المتحدة بأكملها”(198). وفي عام 2005 أرسلتُ الى كين بواسطة الفاكس الوثيقة الموسومة “من كومر الى كندي” -“Komer to Kennedy”. وعندما سألته “مَنْ هم” هؤلاء الذين يشير اليهم كومر، فأجاب: “ليس لدي فكرة على الاطلاق. فلم أر أية تقارير ومن أي مصدر، بما في ذلك مذكرات الصرف العامة أو ما رصد للمراسلات عندما كنتُ مسؤول شعبة العراق، ولا حتى أي تلميح حول انقلاب قيد الإعداد. ولم ير أي موظف في الخارجية ذلك. وعندما اتصلتُ هاتفياً برؤسائي في الوكالة من المقر في حوال منتصف ليلة 8 شباط/فبراير، اعربوا جميعا عن دهشتهم لوقوع انقلاب”(199).
وعندما اتصلتُ به هاتفيا وطلبُت منه ايضاحاً عن ما كان يتحدث كرومر عنه؟. فأجاب كين:”اعتقد انه كان يتحدث مع نفسه”(200).لقد كان كين يريد ان نصدقه وإنه يقول الحقيقة. ولكن بوب كومر كان يكذب على رئيس الولايات المتحدة في مذكرة سرية للغاية. ان كين يعمل بنشاط على ترويج ما تطلق عليه يه السي آي بـ”الدعاية البيضاء”، أي الأكاذيب التي تُقال للجمهور لتبييض صفحتنا. ان هذا الشيخ ابن الثمانين ما زال وفيا لتقاليد “المهنة”.
إنني لستُ الوحيد الذي واجه مشاكل في مقابلة عملاء قدماء في السي آي أي وما زالوا يعملون لمصلحة “الشركة”. فان كريتشفيلد نفى ضلوع الوكالة في الانقلاب في المقابلة التي اجراها ابو ريش معه عام 1994 (201). وكتب ريتشارد سيل في عام 2003، ان “مسؤولا كبيرا جدا في السي آي أي” نفى بشدة مؤخرا انهم كانوا شركاء المتآمرين ]في انقلاب 1963[. وقال: “لقد ذُهلنا تماما، وراح أشخاص عندنا يهرولون هنا وهناك سائلين ماذا حدث بحق الجحيم”(202).
ومن الممكن تفسير هذه التناقضات وهذا التعتيم بمدى عمق الثقافة السرية الصارمة التي كانت سائدة في وكالة المخابرات المركزية. وهذا ما يوضحه الباحث في شؤون الوكالة توماس باورز Thomas Powers. فقد كان يجري استدعاء آرمين ماير Armin Meyer مدير مكتب شؤون الشرق الأدنى في وزارة الخارجية في عام 1959 وبحكم موقعه، كلما تفكر السي آي أي بالقيام بعمليات سرية داخل العراق. وكان ماير حاضراً في احد الاجتماعات لبحث السبل التي يمكن ان تعتمدها الولايات المتحدة في الاطاحة بحكم قاسم:
“خلال الاجتماع اقترح احد الحاضرين إن قاسم هو المشكلة، “ولعل خير طريقة للتخلص منه هي التخلص منه”. فقال دلاس الذي كان يشغل مدير السي آي أي آنذاك: تمهل… ، وأعقب ذلك صمت رهيب. لقد كان دلاس شخصية ذات هيبة، وكان لكلماته في هذه المناسبة وقع بارد وتأكيد مقصود، لم ينساها ماير قط. لقد أراد دلاس أن يعبر عن شيئ واحد مفهوم،وهو ان ليس من شيم الولايات المتحدة اغتيال الخصوم، وان القتل لن يُناقش في مكتبه، لا الآن ولا في اي وقت آخر ابداً. فهو لا يريد حتى ان يسمع مقترحاً آخراً كهذا من موظف يخدم في حكومة الولايات المتحدة. فهذا الاسلوب هو ليس اسلوب الامريكان في العمل. كان دلاس واضحاً وبلا لبس في هذه النقطة، وتحدث بعاطفة وبقناعة واضحين، حتى ان ماير بكل بساطة لم يفهم كيف يمكن ان يكون دلاس ذات يوم طرفاً في مؤامرة اغتيال بغض النظر عن مَنْ يصدر الأوامر بتنفيذها. كان ماير يعرف ما تحويه تقارير لجنة تشرتش لكنه بكل بساطة لم يصدق ما فيها، وإن خطأ ما لا بد قد حدث. كان فوق قدرة ماير ان يتصور انه قد ارتكب خطأ في هذا الشأن. ولم يترك دلاس أي مجال للشك في أنه لن يكون طرفاً في عملية اغتيال”(203).
أوضح تقرير لجنة تشرتش عن الاغتيال المفترَض بكل جلاء بأن الن دلاس والسي آي أي كانا ضالعين حتى الأذن في مؤامرات الاغتيال بحلول عام 1959، وخاصة ضد العراق! وكانت هذه المسرحية محاولة متعمدة للتضليل والخداع بدافع بديهي هو الحفاظ على السرية. ويفسرذالك حالة البلبلة والجهل حتى بين مسؤولين كبار في الوكالة. إن مسؤولين أمريكان كبار يلجأون إلى هذه الطريقة أي “النفي المعقول”،من أجل التستر بشكل مقنع على ما يجري من عمليات خفية في الواقع.
ان عملاء متقاعدين في السي آي أي مثل كين اما أن يكونوا كذّابين أو يتعرضون للخديعة كما خُدع آرمين ماير. ويصر كين على أنه من غير الممكن ألا يعلم بعمليات السي آي أي بالتعاون مع البعث لأنه كان مسؤول شعبة العراق في واشنطن وقت الانقلاب، وكان يتعين ان يمر كل شيءعلى مكتبه من بغداد. ومع ذلك فهناك في تاريخ السي آي أي حالات من تجاوز التسلسل الاعتيادي للقيادة وتدفق المعلومات. وكان جورج اوريل George Aurell قد أبلغ جوزيف بركهولدر سمث Joseph Burkholder Smith بأنهم كانوا يتجاوزونه عندما تولى رئاسة القسم في منطقة المحيط الهادئ:”هل تعرف ماذا اكتشفتُ…ماذا ]يفعل العقيد لاندسديل وشركاؤه سيئو الصيت[ معي حينما كنتُ رئيس قسم؟. كانوا يرسلون برقيات بشفراتهم السرية ويحصلون على موافقات على أمور وانفاق أموال ما كنتُ لأُوافق عليها قط لو عرفتُ بها.
إنهم كانوا يرسلون برقيات ادارية بدلا من برقيات عملياتية عندما يريدون الحصول على موافقة على نفقات عمليات جديدة. كانوا يطلبون المال لأغراض التمويل السياسي والمخططات الدعائية… بالطبع كانوا يحصلون على موافقة من دون مراجعة أي موظف أو مراجعتي أنا للتدقيق فيها… لم اعلم بهذه الحيلة الملعونة إلى أن ذهبتُ هناك واطلعتُ على بعض الأمور في السجلات”(204).
مع توفر أدلة كثيرة على مثل هذه المعلومات “الممتازة” عن انقلاب 1963، يبدو أنه من المستبعد للغاية قد جرى تجاوز كين وأنه لم يكن قادراً على ايجاد أي شخص يصححه طيلة كل هذه السنوات، ولكن خبرة اوريل قد تفسر قدرا كبيرا من النفي الذي يصطدم به الباحثون. فان من عادة السي آي أي ان تكذب وتخدع حتى بعضهم البعض! فعندما توجه جوزيف سمث الى مبنى الوكالة في وشنطن لإجراء مقابلته الاولى (تستغرق يوم كامل) بوصفه مرشحا للعمل، فإنهم نقلوا سيارته الى الجانب الآخر من نصب لنكولن، بعيدا عن انظار الخارج من المبنى وأوقفوها على الرصيف. كان سمث فطناً، فدار حول النصب ليصل الى سيارة الجيب على الرصيف. وعندما انطلق سمث بسيارته تساءل إن كان ذلك من صنع “عالم نفسي من مخلفات مكتب الخدمات الاستراتيجية (أو أس أس) من الذين يعملون الآن في الـ”سي آي أي”، وما زال يمارس أحابيله القديمة لاختبار المرشحين للعمل”!(205).
بهذا النمط من الثقافة التي يتعين على الباحثين ان يتعاملوا معها، يكون من العجائب ان نفلح في التوصل إلى أي شيء. ومما يزيد المهمة تعقيدا إن وثائق الحكومة تحظر بصورة أعتيادية أي ذكر لوكالة المخابرات المركزية والعمليات الخفية والتدخلات العسكرية وغيرها من المواد الحساسة. وان ملف “العلاقات الخارجية للولايات المتحدة” بشأن العراق خلال الفترة الممتدة من 1958 الى 1963 يتضمن أكثر من مئة مقطع ما زال مصنف سرياً، وأحيانا وثائق كاملة. ويبدو ان هذه الوثائق تغدو دائما بيضاء عندما يراد مناقشة الموضوع المتعلق بها. ويستطيع الباحث ان يقدم طلبات برفع الحظر عن المواد المصنفة سرياً استنادا الى قانون حرية المعلومات، ولكن أشهراً يمكن ان تمر قبل ان يتلقى رداً على طلبه، وغالباً ما تعود الوثائق من دون تغيير، أو بتغييرات طفيفة تبقي على سرية المواد المتعلقة بالسي آي أي أو العمليات الخفية.
وفي الوقت الذي لم تترد فيه السي آي أي عن اللجوء إلى أية وسيلة للتستر على مشاركتها في انقلاب 1963 حتى اللحظة الراهنة، فان العراقيين ايضا عمدوا الى “تطهير السجل”. فعلى امتداد خمسة وثلاثين عاما لم يكن من مصلحة النظام العراقي أن يكشف هذه التفاصيل. “وفي غضون ذلك رحل عن هذه الدنيا ثلاثة من أقرب اصدقاء صدام في القاهرة – عبد الكريم الشيخلي (اغتيل في عام 1980) ومدحت ابراهيم جمعة (قُتل في عام 1986) ونعيم الاعظمي (قتل في اوائل الثمانينات). اما العنصر الوحيد المعروف بأنه ما زال على قيد الحياة فهو فاروق النعيمي الذي يعيش في بغداد”(206). وربما يستطيع النعيمي ان يسلط قدراً من الضوء إذا أمكن العثور عليه، لان صدام قتل الكثير من الأشخاص، بمن فيهم غالبية من الذين تهادنوا معه، وبالتالي فإنه من المستبعد ان نتلقى مساعدة كبيرة من الجانب العراقي.
الملحق رقم 2
لماذا ليكلاند ليس من عناصر السي آي أي ولماذا ترى غالبية العالم العربي عكس ذلك؟
يكتب سعيد ابو ريش، الذي يعد من أكثر الكتّاب غزارة في الكتابة حول موضوع تدخل الولايات المتحدة في العراق، إن ويليام ليكلاند هو الذي قاد الانقلاب(207). أما لماذا أخطأ ابو ريش في هذا الحكم، وهو رجل واسع الاطلاع وكثير في البحث؟ فهذا يتطلب شيئا من الايضاح. ان موطن قوته كما يتضح في هذه الحالة تحول إلى مصدر ضعفه. فان ابو ريش صاحب باع طويل من العمل في الشرق الأوسط والتعامل مع شخصيات مرموقة. وتتمثل قوته في انه يعرف الكثير من الأشخاص، وهو قادر على اجراء مقابلات مع الجميع، من رجل الشارع الى اطفال عبد الناصر الى قادة الحكومة أو مع قادة سابقين من كل صنف. وبالتالي فإن المشكلة هي أن الغالبية العظمى من العرب المطلعين على ضلوع السي آي أي في انقلاب 1963 يعتقدون ان ليكلاند كان قائد الانقلاب.
لكن ليكلاند لم يكن عنصراً في السي آي أي. فقد كان موظفاً مسلكياً في الخدمة الدبلوماسية، وهذا ما يشير اليه ملفه الرسمي. ولم يُستخدم مركز الموظف في السلك الدبلوماسي ذات يوم كغطاء لعملاء السي آي أي، لأن وزارة الخارجية ما كانت لتسمح بذلك. وعندما كانت الوزارة تُجبر على توفير غطاء لوكالة المخابرات المركزية، كانت تعطي عملاء الوكالة عنوان “احتياط في الخدمة الخارجية” Foreign Service Reserve أو موظف في سلك الخدمة الخارجيةForeign Service Staff. وإبان الخمسينات، الغت وزارة الخارجية بالتدريج عنوان “الاحتياط في الخدمة الخارجية” عند تعيين موظفيها، كي يتسنى استخدام كل هذه العناوين الوظيفية لوكالة المخابرات المركزية (سي آي أي). وشكل ذلك مشكلة للوكالة “ففي كل بلد أجنبي هناك وظيفة تعادل تلك الوظيفة في السفارة، يتعامل موظفوها مع مسؤولين محليين كبار ويتحركون في دوائر مهمة من المجتمع المحلي دون ان تكون لهم عناوين وظيفية يمكن ان تبرر مثل هذا النشاط”(208).
إن ليكلاند، شأنه في ذلك شأن العديد من موظفي الخدمة الخارجية التقليديين، كان يمتعض من إقدام وكالة المخابرات المركزية على استخدام المناصب الدبلوماسية كغطاء لها. وكان لا يحب “التظاهر بأن آرت كالاهان وكل جماعته كانوا موظفين عندي”. ويضاف الى ذلك، ان ليكلاند شأنه شأن دبلوماسيين آخرين، كان يختلف في العديد من سياسات السي آي أي. وقد استشاط ويليام ليكلاند غضبا لأن ابو ريش كتب عنه الكثير من الأشياء غير الصحيحة، لكنه بكل بساطة يبقى طيب السريرة. وفي الواقع إن موقفه يتحدد في كونه يعرف الحقيقة، والباقي بالواقع لا يهمه كثيرا. ولكن إذا أمكن تصحيح السجل، فسيتخذ ليكلاند موقفاً ايجابيأً، فقد كان منفتحا للغاية وقدم المساعدة في هذا المشروع(209). ويتعارض هذا تعارضاً صارخاً مع الصورة التي ترسمها عنه كتابات ابو ريش.
بدا ابو ريش غير مشجع لي لمقابلة وليام ليكلاند، حيث كتب يقول “ان ليكلاند إذا كان حياً، يمتنع عن اجراء مقابلات”(210). وفكرتُ ان هذا موقف غريب لأن ابو ريش أدرج مقابلة اجراها عام 2001 مع ليكلاند في كتابه عن عبد الناصر واقتبس منه(211). وبعد مقابلاتي مع ليكلاند وغيره من المسؤولين الامريكان السابقين ومراجعة السجلات، أطلعتُ ابو ريش على ما توصلتُ اليه، لا سيما ما يخص ليكلاند. وأقر ابو ريش بأن ليكلاند “كان على الأرجح من موظفي وزارة الخارجية”، لكنه ظل يعتقد انه كان “خبير انقلاب”. واعترف ابو ريش بأنه شخصيا “لم يكشف” شيئا عن ليكلاند، ولكن من باب البرهنة ذكَّرني بأن عبد الناصر أورد اسمه بوصفه أحد عملاء السي آي أي خلال اجتماعات الوحدة بين مصر والعراق وسوريا في عام 1964. ويذهب ابو ريش الى ان عبد الناصر في هذه الاجتماعات حذر العراقيين من ليكلاند وتسبب في طرده من العراق. إنه على علم بذلك، لأنه قال بأن المصريين سجلوا سراً محاضر هذا الاجتماع ثم أذاعوها لاحقا(212). لم استطع التحقق من ذلك في الملفات الاذاعية، ولا يعتقد ليكلاند ان ذلك حدث ذات يوم. وغادر ليكلاند فعلا العراق للالتحاق بوظيفة في واشنطن عام 1964، ولكنه ينفي ان يكون قد طُرد. ويشير ليكلاند الى انه وزوجته التقيا عبد الناصر بصورة غير رسمية في القاهرة حين كانا في طريق عودتهما الى بلادهما عام 1964(213). ولعل الرجلين يقولان الحقيقة التي يعرفانها، وفي ضوء الأدلة المتاحة فان عبد الناصر كان محقاً تماماً في الظن بأن ليكلاند كان عميل في السي آي أي.
من المؤكد ان عبد الناصر كان يعتقد ان ليكلاند يعمل في المخابرات الامريكية بحلول عام 1964. وكتب مستشاره القريب وحافظ اسراره محمد حسنين هيكل عن “الوجود الدبلوماسي الاميركي في القاهرة” في اوائل الخمسينات. وقال هيكل ان “ويليام ليكلاند، وهو دبلوماسي شاب ذكي، كان موجودا وربما كان يعمل بالفعل لصالح وكالة المخابرات المركزية، كما عمل لاحقا، رغم ان هذا لم يكن موضع شبهة وقتذاك”(214). لقد كان هيكل الذي تولى لفترة طويلة رئاسة تحرير صحيفة “الاهرام”، أكبر الصحف المصرية صيتاً، أحد القلائل الذين يشكلون البطانة الداخلية لعبد الناصر. وتعرَّف ليكلاند على عبد الناصر من خلال هيكل. وإذا ما توصل هيكل في نهاية المطاف الى الاعتقاد بأن ليكلاند عميل في السي آي أي، فمن المؤكد ان عبد الناصر قد أعتقد ذلك، ولكن ليس من البداية.
في عام 1952 كان ليكلاند السكرتير الثاني في الدائرة السياسية للسفارة الاميركية في القاهرة. وفي اطار واجباته الوظيفية المعهودة فقد أصبح على معرفة بهيكل الذي كان يمده بملاحظات لمراقبة عبد الناصر والضباط الأحرار. وكان ليكلاند ينقل هذه المعلومات الى رؤسائه. وبعد مجئ عبد الناصر الى الحكم كُلِّف ليكلاند بأن يكون حلقة الوصل الرئيسية معه لأنه المستعرب المؤهل الوحيد في القاهرة، في حين ان السفير جيفرسن كافري Jefferson Caffrey كان يقترب من نهاية حياة مهنية مديدة أمضاها في السلك الدبلوماسي، ويقضي شطرا من موسم الصيف في مدينة الاسكندرية. وفي الفترة الأولى بعد الانقلاب كان اللواء محمد نجيب رئيس الوزراء الشكلي، فيما كان موقع عبد الناصر يترسخ ببطئ بوصفه صاحب السلطة الفعلي، وبالتالي كان من المنطقي ان يتعامل كافري مع نجيب ويتعامل ليكلاند مع عبد الناصر.
ومع مرور الوقت وعندما أصبح واضحا ان عبد الناصر صاحب السلطة الحقيقية في مصر، اكتسبت مهمة ليكلاند أهمية اكبر. وكان بيل وزوجته ماري جو غالباً ما يستضيفانه في بيتهما، وكانت ماري جو المرأة الغربية الوحيدة التي تخاطب جمال عبد الناصر بالاسم بعيدا عن الرسميات. وعندما اعترى الجفاء علاقة الولايات المتحدة مع الجمهورية العربية المتحدة واكتسبت احداث مصر أهمية دولية، عمدت وكالة المخابرات المركزية الى ازاحة وزارة الخارجية تدريجيا عن موقع التفاوض المباشر مع عبد الناصر. وأصبح عبد الناصر على معرفة بارتشيبولد روزفلت وجيم ايغلبرغر ومايلز كوبلاند الذين يعملون في الوكالة. ونُقل ليكلاند الى وظيفة في عدن عام 1955 ثم الى العراق عام 1960 كسكرتيراول للدائرة السياسية. وإزاء ما كان يُحاك من دسائس ضد قاسم، فكان من الطبيعي بالنسبة للناس أن تعتقد بأن ليكلاند هو مسؤول وكالة المخابرات المركزية في العراق، لأن الكثيرين فهموا بأن الوكالة تعمل ضمن الدائرة السياسية في السفارة. وقال لي ليكلاند: “إني واثق من ان الاشاعات السارية عموما في بغداد كانت تذهب بإتجاه كوني عنصر في السي آي أي”(215).
وبعد تعامل عبد الناصر على هذا النطاق الواسع مع وكالة المخابرات المركزية على امتداد سنوات، فلربما بات من الصعب عليه ان يصدق ان الامريكان سمحوا لموظف صغير في وزارة الخارجية أن يكون حلقة الاتصال به خلال كل هذه الفترة الطويلة دون ان يكون مرتبطا بأجهزة المخابرات. وبتولي ليكلاند رئاسة الدائرة السياسية في السفارة الاميركية في بغداد خلال الانقلاب المدعوم من السي آي أي، بدا ان ارتباطات ليكلاند بالوكالة لم تعد موضع شك. وكان ليكلاند وزوجته يدركان ان كثيرا من العراقيين يظنون ان ويليام ليكلاند عميل في وكالة المخابرات المركزية (سي آي أي). وفي احدى المناسبات استُبعدت ماري جو من قائمة المدعوين لحضور حفل استقبال لأن “زوجها في السي آي أي”(216).
ويعتقد ابو ريش ان غالبية العراقيين يستخدمون “الأدلة الظرفية للاجتماعات المستمرة بين عماش وليكلاند” كي يثبتوا ان عماش “جندته السي آي أي”(217). ولعل هذه الأدلة الظرفية تتمثل في ان عماش كثيراً ما كان يُشاهد مع موظفين في السفارة. ومرة أخرى كان الافتراض يقود الى ان ليكلاند هو المسؤول المكلف عما يدور مع المتآمرين من البعثيين وعناصر السي آي أي. ومن المؤكد ان عماش لم يعرف الكثير من الاميركيين، لكن ليكلاند يقول انه لم يسمع بعماش ذات يوم(218). ولعل آرت كالاهان وغيره من عملاء السي آي أي كانوا يعرفونه معرفة وثيقة.
إن مصدر ابو ريش الرئيسي بشأن عمل ليكلاند في السي آي أي هو الوزير السابق في حكومة البعث هاني الفكيكي(219). لم يكن لدى الفكيكي نفسه اتصال مباشر مع السي آي أي، لكنه كان على ما يبدو يعرف الكثير من تفاصيل التعاون مع السي آي أي من رفاقه البعثيين. وقد أعطى لابو ريش اسماء بعض العراقيين الذين عملوا مع الوكالة. ولعل اسماء وهويات عناصر السي آي أي الذين عملوا مع البعثيين كانت خافية على الفكيكي، وقد يكون هذا هو السبب في ان الاسم الوحيد الذي اعطاه الى ابو ريش هو الاسم الوحيد الذي كان يعرفه، وهو أشهر الاسماء المعروفة، رئيس الدائرة السياسية وليام ليكلاند.