الثلاثاء: 11 ديسمبر، 2018 - 01 ربيع الثاني 1440 - 09:44 مساءً
دفاتر
السبت: 24 نوفمبر، 2018

عواجل برس/متابعة

محمد مصطفى

دائمًا ما تتحدث الروايات التاريخية عن الجانب الحربي والوحشي للغزو المغولي الذي اجتاح العالم بقيادة جنكيز خان، لكن قلما يتحدث أحد عن الجانب الاجتماعي والنفسي الذي أدى لنشوء هذا الزحف المميت، فقد نشأ جنكيز خان في بيئة شديدة القسوة والوحشية، ولربما تكون لهذه الخلفية علاقة بما حدث.

تيموجين الفتى الذي نجا

ولد جنكيز خان في سهول منغوليا لأب يدعى ياسوجي الذي كان رئيسًا لقبيلة الذئاب الزرقاء المتفرعة من قبيلة بورجيجين المغولية. قام ياسوجي بتسمية ولده تيموجين تيمنًا بقتله لأحد أعدائه من القبائل المنافسة، والذي كان يحمل نفس الاسم، وبعد وفاة والده تعرض هو ووالدته (هولين) وإخوته (بكتر- خاسار- كشيون- تيموج- بيجويتي- تيمولن) للطرد في الصحراء المنغولية المقفرة دون طعام، أو شراب، أو حماية من رجال القبائل الذين كانوا يمارسون أعمال النهب والاغتصاب، ونظرًا لأن جنكيز كان يتمتع بجسد مفتول، وطول فارع، وقوة عضلية مقارنة بأقرانه؛ لذا فقد اعتمدت عليه أسرته وبموهبة فطرية قام تيموجين «جنكيز» بصناعة بعض الأقواس له ولإخوته بغرض الصيد والحماية، وتروي بعض المصادر قيامه بقتل شقيقة الأكبر (بكتر) هو وشقيقته (خاسار) إذ اكتشفا أنه يقوم باختزان الطعام لنفسه في تلك الظروف الحالكة، وقد قام الإخوة بمقاومة رجال القبيلة الذين أرسلوا من الخان الجديد للتأكد من هلاك أسرة الخان السابق، وأجبروهم على التراجع مما ترك صدى واسعًا لشجاعتهم في القبائل المجاورة.

في خلال فترة قصيرة قام جنكيز بتجميع عدد من القبائل المتجولة، وقام بتسليحهم بالأقواس والحراب المصنوعة بصورة يدوية، وسعى في ضم قبائل أكثر معتمدًا على سمعته التي بدأت تنتشر، وخاصة بعد الأنباء التي انتشرت عن قتله لصهره في خيمته وسط حراسته ورجاله، وتمكنه من الهرب، وذلك لرفضه تسليم زوجته التي كان والده قد خطبها له قبل وفاته.

وبعد فترة قصيرة تمكن من تكوين قوة عسكرية لا يستهان بها لفتت أنظار كبار قادة القبائل المجاورة، الذين أعجبوا بقدراته، وعندما أضحت بين يديه قوة لا يستهان بها بدأت أنظارة تتجه لغزو المدن في المحيط الخارجي وكانت مدينة (كزي كزيا) الواقعة في نطاق إمبراطورية (تشن) المجاورة، ورغم أن فكرة الجزية كانت غير معروفة في أوساط القبائل المغولية، إلا أن جنكيز أقر هذا النظام مع أهالي هذه المدينة مؤسسًا عهدًا جديدًا يهدف لتكوين إمبراطورية وليست أعمال سلب ونهب كما جرت العادة.

اتجه جنكيز فيما بعد لغزو المدن المجاورة في إمبراطورية (تشن)، وحقق انتصارات هائلة في مدن مثل (يان كينج)، وقام بغزو مملكة (كوريو) التي هي كوريا الحالية وعندما أعاقه سور الصين عن غزو المدن الحصينة اتجه غربًا نحو بلاد المسلمين، وحقق انتصارات نعرفها من المذابح التي ارتكبتها قواته حيث كان يعتمد على إثارة الرعب والهلع بين السكان فتروي بعض المصادر قيامة بنصب خيمة بيضاء أمام المدينة التي يقوم بمحاصرتها، مما يعد طلبًا للاستسلام فإذا رفضت نصب خيمة حمراء تعني قتل كل من قاوم أو قادر على حمل السلاح ثم الخيمة السوداء، والتي تعني قتل كل كائن حي داخل المدينة حتى النساء والأطفال، والذي لم يكن يتورع عن التنكيل بهم لمزيد من الرعب والفزع.

وقد أسس أيضًا نظامًا للمراسلة عبارة عن محطات تسمى (يام) تبعد كل محطة عن الأخرى 25 ميلًا تقوم بتوصيل الرسائل بين المدن التي تقع في نطاق حكمه، ويتوفر لفرسان اليام الحماية التامة والمؤن اللازمة من الطعام والخيول.

أما على الصعيد الحربي فقد قام بتشكيل السرايا، والتي تتكون من 10 أفراد، ثم كل 10 سرايا يشكلون ما يسمى (جاجون)، ثم كل 100 جاجون يشكلون فيلقًا يسمى (تومان) يتكون من 10000 مقاتل.

(جوشي) الفتى المتمرد

هناك خلفية تاريخية أخرى ساهمت في تشكيل هذه الإمبراطورية المترامية الأطراف، فقد تعرضت زوجة جنكيز للاختطاف من إحدى القبائل التتارية وتعرضت للاغتصاب في أثناء حملها في طفلهما البكر جوشي؛ مما جعل جنكيز دائمًا متشككًا في نسب هذا الطفل، وخاصة بعدما كبر الفتى ومال شكله للتشابه مع التتار أكثر من المغول، وقد أسند إليه جنكيز بعض المهام الانتحارية التي أنجزها جوشي بنجاح «مثلما تحكي بعض الروايات عن تحدي جنكيز خان لابنه لمصارعة أحد النمور وقام بقتل النمر لكن أصابته جروح بليغة» مما منحه قيادة فيلق يتكون من عشرة الآلاف مقاتل، وتوجه به نحو غزو السهوب الروسية، وعندما أغرى القادة جوشي بالتمرد أرسل إليه جنكيز قائد جيوشه (أورلوك تسوبودي) الذي قام بقتله وبالتالي انقطع هذا الفرع عن إمكانية خلافة جنكيز كخان على هذه الإمبراطورية، ولأن التنافس كان على أشده بين (جوشي) وأخيه الأصغر (تشاجاتي) لخلافة والدهم، فقد اعتمد جنكيز ابنه الثالث (أوقطاي) كخليفة له قبل وفاته التي أعيت الباحثين لمحاولة تحديد سببها بدقة، ولم يتم تأكيد رواية واحدة لسبب الوفاة على الأرجح.