الجمعة: 18 سبتمبر، 2020 - 30 محرم 1442 - 02:19 مساءً
دفاتر
الأثنين: 9 مارس، 2020

 

أدى الانتشار العالمي الأخير لفيروس كورونا الجديد الذي نشأ في مدينة ووهان الصينية، لتبني قادة العالم اتّباع تقليد قديم للسيطرة على انتشار المرض: الحجر الصحي.

سُجّلت هذه الممارسة لأول مرة في العهد القديم، حيث تنص عدة آيات على عزل المصابين بالجذام، فقد اعتمدت الحضارات القديمة استراتيجية عزل المرضى، قبل معرفة الأسباب الميكروبية الفعلية للمرض.

 

وفي الأوقات التي كان فيها علاج الأمراض نادر، وكان هناك قلة في تدابير الصحة العامة، التفت الأطباء والقادة العلمانيون، بدءاً من الإغريق القدماء، إلى الحجر الصحي لاحتواء الوباء

في يناير من العام الجاري، قامت السلطات الصينية باحتجاز الملايين من سكان ووهان والمنطقة المحيطة بها، في محاولة لمنع انتشار فيروس كورونا الجديد إلى الخارج، وبدورها أغلقت البلاد المجاورة الحدود، وقامت شركات الطيران بإلغاء الرحلات الجوية، كما نصحت العديد من الدول مواطنيها بعدم السفر إلى الصين وإلى غيرها من البلدان التي ينتشر فيها فيروس الكورونا، وهذا مثال حديث من الدافع القديم لتقييد تحركات الأشخاص من أجل وقف انتقال الأمراض.

 

غير أن سياسة الحجر الصحي تكون دائماً محور تعارض بين الحريات المدنية الفردية وحماية سائر الأفراد المعرضين للخطر.

إبقاء العدوى على مسافة آمنة

تطور معنى الحجر الصحي من التعريف الأصلي: “احتجاز وفصل الأشخاص المشتبه بإصابتهم بمرضٍ معدٍ”، وبات يمثل الآن فترة من العزلة للأشخاص أو الحيوانات المصابة بمرض معد، أو الذين ربما تعرضوا لكنهم لم يصابوا بالمرض بعد.

 

وعلى الرغم من أن الحجر الصحي كان في الماضي انفصالاً طوعياً عن المجتمع، فقد أصبح يمثل في الآونة الأخيرة إجراءً إلزامياً تفرضه السلطات.

 

في العادة نتعامل مع المرضى المصابين بفيروسات خطيرة وكأنهم مجرمين، “نشيطنهم” ونحملهم مسؤولية انتشار المرض ونعمل على نبذهم وكأنهم الداء بذاته، الأمر الذي من شأنه تدميرهم نفسياً

وفي هذا السياق يعتبر الجذام أول مرض موثق فُرض الحجر الصحي على المصابين به، فقد عرفت دمشق تطبيق العزل الصحي، وقام الخليفة الأموي السادس الوليد بن عبد الملك، ببناء أول مستشفى بيمارستان في دمشق، وأصدر أمراً بعزل المصابين بالجذام وتجنب اختلاطهم ببقية المرضى في المستشفى.

 

واستمرت ممارسة الحجر الصحي غير الطوعي للجذام في المستشفيات العامة في العالم الإسلامي لقرون، وفي العام 1431 بنى العثمانيون مستشفى للجذام في أدرنة، التي كانت عاصمة عثمانية قبل فتح القسطنطينية.

 

وفي العصور الوسطى، انتشرت مستعمرات الجذام التي تديرها الكنيسة الكاثوليكية، في جميع أنحاء العالم، وعلى الرغم من أن العامل المسبب للجذام – البكتيريا المتفطرة الجذامية- لم يتم اكتشافه حتى العام 1873، إلا أن طبيعته المشوهة وغير القابلة للشفاء جعلت الحضارات تعتقد عن طريق الخطأ أنه ينتشر بسهولة.

 

أما طاعون القرن الرابع عشر، فقد أوصل إلى بروز المفهوم الحديث للحجر الصحي، بحيث ظهر “الموت الأسود” لأول مرة في أوروبا في العام 1347، وعلى مدار 4 سنوات قُتل ما بين 40 مليون إلى 50 مليون شخص في أوروبا، وبين 75 مليون و200 مليون في جميع أنحاء العالم.

 

في العام 1377، أصدر الميناء البحري في راغوزا في إيطاليا والذي يعتبر بمثابة ميناء دوبروفنيك الحديث في كرواتيا، ما يسمى بترينتيناtrentina ، وهي كلمة مشتقة من الكلمة الإيطالية trenta التي تعني العدد 30.

وبالتالي، كان يتعيّن على السفن التي تسافر من مناطق ترتفع فيها معدلات الإصابة بالطاعون، البقاء في الخارج لمدة 30 يوماً قبل الإرساء، وأي شخص كان على متن السفينة اتضح أنه يتمتع بصحة جيدة في نهاية فترة الانتظار، كان يُسمح له بالوصول إلى الشاطىء، على اعتبار أنه من غير المرجح له نشر العدوى.

 

وبعدها تم تمديد فترة الثلاثين يوماً إلى 40 يوماً، الأمر الذي أدى إلى إطلاق المصطلح كوارانتين quarantine، المشتق من الكلمة الإيطالية quaranta التي تعني العدد 40، وفي راغوسا، تم تنفيذ أول قانون لتطبيق الحجر الصحي.

 

ومع مرور الوقت، ظهرت اختلافات في طبيعة وتنظيم الحجر الصحي، فقد طلب مسؤولو الميناء من المسافرين إثبات عدم ذهابهم إلى المناطق التي تفشى فيها المرض بشدة، قبل السماح لهم بالدخول.

 

وفي القرن التاسع عشر، تعرض استخدام الحجر الصحي للإساءة، وذلك لأسباب سياسية واقتصادية، الأمر الذي أدى إلى الدعوة لعقد مؤتمرات دولية لتوحيد ممارسات الحجر الصحي، وقد كشف وباء الكوليرا طوال أوائل القرن التاسع عشر عدم وجود أي سياسة موحدة.

بين الحرية والحماية العامة

بدءاً من العام 1793، حصلت الولايات المتحدة الأميركية على نصيبها من الأوبئة، مع اندلاع الحمى الصفراء في فيلادلفيا.

 

وقد أدت سلسلة من تفشي الأمراض إلى قيام الكونغرس في العام 1878، بإصدار تشريعات تفرض مشاركة الحكومة الفيدرالية في الحجر الصحي، كما أدى وصول الكوليرا إلى الولايات المتحدة في العام 1892 إلى زيادة التنظيم.

 

سياسة الحجر الصحي تكون دائماً محور تعارض بين الحريات المدنية الفردية وحماية سائر الأفراد المعرضين للخطر

ولعلّ أفضل مثال معروف للحجر الصحي في التاريخ الأميركي، والذي ساهم في تهميش الحريات المدنية للفرد لصالح تأمين الحماية العامة، هو قصة ماري مالون، الملقبة بـ”تيفوئيد ماري”، والتي لم تعان من أعراض حمى التيفوئيد في أوائل القرن العشرين، ولم تشعر أبداً بالمرض، لكنها مع ذلك نقلت المرض إلى الأسر التي عملت لديهم طباخة، ففرض المسؤولون الحجر الصحي على هذه المرأة في جزيرة نورث بروذر، في مدينة نيويورك. بعد إطلاق سراحها بعد 3 سنوات، تعهدت بعدم الطهي لأي شخص مرة أخرى، لكنها خالفت وعدها واستمر انتشار المرض، وعادت إلى جزيرة نورث بروذر، حيث بقيت طوال حياتها في عزلة.

 

أما في الآونة الأخيرة، وتحديداً في العام 2007، فقد فرض مسؤولو الصحة العامة الحجر الصحي على محام من أطلنطا يبلغ من العمر 31 عاماً، وهو أندرو سبيكر، الذي كان مصاباً بمرض السل المقاوم للأدوية، وقد استحوذت قضيته على الاهتمام الدولي عندما سافر إلى أوروبا، على الرغم من علمه أنه بمقدوره نشر هذا النوع من السل.

 

وخوفاً من الحجر الصحي في إيطاليا، عاد سبيكر إلى الولايات المتحدة، فاعتقلته السلطات الفيدرالية، وحُجز في مركز طبي في دنيفر حيث تلقى العلاج أيضاً، وبعد الإفراج عنه طُلب منه إبلاغ مسؤولي الصحة المحليين 5 أيام في الأسبوع حتى نهاية علاجه.

 

واليوم يستمر الحجر الصحي كتدبير من تدابير الصحة العامة للحد من انتشار الأمراض المعدية، بما في ذلك فيروس كورونا، الإيبولا، الإنفلونزا والسارس.

التضامن الاجتماعي والصحة النفسية

من الملاحظ تاريخياً أنه بمواجهة الأزمات والكوارث، يسعى البشر إلى التضامن من أجل الصمود وشحن الطاقة بعد مواجهة الأوقات الصعبة، والأمثلة على ذلك كثيرة: إعصار كاترينا في نيو أورليانز في العام 2005، هجمات 11 سبتمبر، زلزال هايتي في العام 2010…

ولكن كيف يمكن إظهار التضامن الاجتماعي عندما يكون مجرد التحدث مع الآخرين أمراً خطيراً قد يؤدي إلى الموت؟

في مدينة ووهان الصينية، مركز اندلاع فيروس كورونا، كان السكان يصرخون عبر نوافذهم Wuhan jiāyóu، التي تعني “كونوا أقوياء”، وذلك لتشجيع المصابين والطاقم الطبي على الصمود.

 

ففي الواقع، أُرغم الناس في ووهان على البقاء في منازلهم لمنع التواصل المباشر مع الآخرين، ومع تزايد الخوف والقلق، شعر البعض بالحاجة إلى تعزيز الروح المعنوية وخلق شعور بالتضامن الاجتماعي، وسرعان ما انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي الدعوات التي تطالب السكان في هذه المدينة الصينية بالاقتراب من نوافذهم، بدءاً من الساعة الثامنة مساء، وإطلاق الصرخات التشجيعية، وهكذا تحولت Wuhan jiāyóu إلى مصطلح يتردد على ألسنة سكان المدينة الذين يكافحون من أجل البقاء على قيد الحياة، في مواجهة هذا الوباء المنتشر.

 

بالإضافة إلى رفع الروح المعنوية، وإعادة نبض الحياة إلى مدينة أصبحت كمدينة أشباح، فإن الهتافات خدمت غرضاً آخر: فقد ساعدت في إضفاء الطابع الإنساني على مواطني ووهان، بحيث أننا في العادة نتعامل مع المرضى المصابين بفيروسات خطيرة وكأنهم مجرمين، “نشيطنهم” ونحملهم مسؤولية انتشار المرض ونعمل على نبذهم وكأنهم الداء بذاته، الأمر الذي من شأنه تدميرهم نفسياً.

 

في موضوع فيروس الكورونا وتأثيره على الصحة النفسية، تحدث الأخصائي في علم النفس هاني رستم، عن ظاهرة الرعب الاجتماعي التي تعززها وسائل الإعلام، بحيث تجعلنا نعيش في حالة من الشك والخوف والرعب من الإصابة بالفيروس في أية لحظة.

 

وأوضح رستم أن هذا الرعب يخلق ضغطاً نفسياً كبيراً على الأشخاص، إذ يعتقدون أنهم مهما فعلوا فإنهم لن يكونوا بمأمن، وشرح ذلك “مع انتشار فيروس الكورونا، لم يعد هناك من مكان آمن بنسبة 100%، لأنه ببساطة لا يمكننا رؤية الفيروس بالعين المجردة أو لمسه، أو حتى معرفة إصابتنا به قبل مرور أسبوعين… هذا يعني أنه بعد ظهور العوارض ليس هناك من مجال للعودة إلى الوراء”.

الأفراد الذين يوضعون تحت الرقابة المشددة والعزل، يعيشون في حالة من الترقب والشك والخوف من مواجهة مصير قد يكون سوداوياً

وفي سياق متصل، أشار هاني إلى أن العديد من البلدان، وبخاصة في وطننا العربي، تفتقر للمستشفيات المجهزة بشكل مناسب لاحتضان المرضى المصابين بالكورونا وتقديم الرعاية لهم: “ليس هناك ثقة لدى المصابين بأن وطنهم قادر على التعامل مع حالتهم الصحية بشكل مناسب، والواقع أن هناك عدم ثقة جماعية بأداء الدولة، الأمر الذي يزيد من الضغط النفسي على المريض”.

 

وعن مسألة احتجاز الأفراد في الحجر الصحي خشية إصابتهم بفيروس الكورونا، قال رستم: “نحن لا نعرف هذا النوع من الفيروسات وكيف سيكون عليه في المستقبل، وبالتالي هناك خوف من المجهول وخشية من عدم التعافي والشفاء منه”، مشيراً إلى أن الأفراد الذين يوضعون تحت الرقابة المشددة والعزل، يعيشون في حالة من الترقب والشك والخوف من مواجهة مصير قد يكون سوداوياً: “من الصعب أن يشعر المرء بأنه ليس لديه القدرة على التحكم بحياته… هيدا بحد ذاتو ممكن يعمل خلل نفسي كبير”، على حدّ قوله.

 

هذا وتحدث هاني عن الوصمة التي تلاحق الأشخاص المصابين بالفيروس والذين يعانون من الرفض والنبذ في مجتمع قد يعتبر أنهم جزء من وباء يشكل خطراً على حياة الآخرين: “يعيشون ضغطاً نفسياً هائلاً لكونهم يشعرون انهم يحملون جرثومة قاتلة ويحضنون الموت”.

 

وبالرغم من هذه النظرة السوداوية وحالة الهلع التي يعيشها العالم هذه الفترة بسبب انتشار فيروس كورونا، أكد هاني رستم أن الإنسان بطبعه لديه قابلية كبيرة لتطوير أدوات تساعده على التأقلم مع الواقع مهماً كان صعباً، مشدداً على أهمية نشر الوعي حول فيروس كورونا، وتقديم الدعم الاجتماعي والنفسي للمصابين به.