الجمعة: 15 نوفمبر، 2019 - 17 ربيع الأول 1441 - 09:54 صباحاً
سلة الاخبار
السبت: 17 أغسطس، 2019

أكد تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش صدر في 22 تموز/يوليو أن تقاعس السلطات العراقية عن إدارة وتنظيم الموارد المائية في محافظة البصرة (جنوب البلاد)، تسبب بحرمان سكانها البالغ عددهم قرابة 4 ملايين، من حقهم الحصول على مياه شرب آمنة، وترتبت عليه مشكلات صحية واقتصادية عدة.

 

وفيما تعتمد المحافظة على نهر شط العرب وقنوات مياهه العذبة مصدراً أساسياً لمياه الشرب، أدت الإخفاقات الحكومية المتمثلة في “سوء إدارة المنابع في أعلى النهر، وسوء تنظيم التلوث والصرف الصحي، والإهمال المزمن وسوء إدارة البنية التحتية للمياه”، منذ ثمانينيات القرن الماضي، إلى تدهور نوعية هذه المجاري المائية، بحسب التقرير.

أزمة إنسانية مستمرة

وعلى الرغم من وجود مشكلة إمدادات المياه بالبصرة منذ بضعة عقود، فإن هيومن رايتس ووتش تشدد على أنها أصبحت “أزمة متكاملة الأركان” في صيف عام 2018، بعد نقل 118 ألف شخص على الأقل إلى المستشفى بسبب أعراض مرضية رجح الأطباء ارتباطها بنوع المياه.

 

وكان شهر آب/أغسطس الماضي قد شهد تدفق مئات الأشخاص إلى مستشفيات البصرة بسبب “الطفح الجلدي وآلام البطن والقيء والإسهال”.

 

وفي 16 من الشهر نفسه، أشارت “دائرة صحة البصرة” إلى أن تلوّث المياه سبب محتمل للحالات المرضية. ودعا مديرها رياض عبد الأمير المواطنين إلى “غلي المياه” قبل شربها أو استعمالها في أغراض الطهو.

 

لكن في الأسبوع التالي، نفت وزارة الصحة العراقية تفشي وباء الكوليرا أو أي أمراض أخرى بسبب تلوث المياه في البصرة، برغم استمرار تدفق المئات إلى المستشفيات بشكل يومي.

 

واتضحت جسامة الأزمة في 29 أيلول/سبتمبر الماضي، إذ صرح مدير مكتب “المفوضية العليا المستقلة لحقوق الإنسان” في البصرة، مهدي التميمي، بأن عدد الحالات المرضية وصل إلى 100 ألف. وفي تشرين الثاني/نوفمبر الماضي بات العدد المسجل رسمياً لدى السلطات الصحية 118 ألفاً.

 

وفيما اختلف الخبراء بشأن أسباب الحالات المرضية، اتفقوا جميعاً على أنها مرتبطة بنوع مياه الشرب.

 

وكان تقرير للأمم المتحدة قد كشف عن اضطرار قرابة 4 آلاف إلى مغادرة منازلهم في آب/أغسطس الماضي. وترجح هيومن رايتس ووتش أن السبب يكمن في عدم تمكنهم من الحصول على كفايتهم من المياه الصالحة للشرب، وإن لم تتضح بدقة بعدُ العلاقة بين الأمرين.

 

أزمة بين تركيا والعراق… هل تبدأ حرب المياه من بلاد الرافدين؟

“عسكرة المياه” في المنطقة العربية… كيف استُخدِمت في الصراعات العسكرية؟

نزاعات عربية على المياه قد تؤدي إلى حروب

ويشير التقرير إلى انخفاض تدفقات المياه إلى شط العرب وقنواته من الأنهار في المنابع خلال العام 2018، وهذا ما أدى إلى ارتفاع “مستويات مياه الصرف الصحي، والتلوّث الزراعي والصناعي، وملوحة المياه”، وهذه العوامل يعتبرها بعض الخبراء سبباً في تكاثر الطحالب التي عُدّت سبباً للأزمة الصحية في الصيف الماضي.

 

ويبيّن التقرير أن أكثر السكان فقراً هم الأكثر تضرراً من أزمة المياه في البصرة، لا سيما أن أكثر من 338,400 شخص من سكان المحافظة يعيشون في مساكن غير رسمية (عشوائيات)، لا تتصل بشبكة المياه أو الصرف الصحي الرسمية، وتعتمد مياه الصنبور، لذا هي أكثر المناطق تأثراً من حيث انعدام الأمن المائي في المنطقة.

 

كيف تقاعست السلطات؟

ويذكّر التقرير بأزمات صحية سابقة بسبب مشكلات متعلقة بالمياه في عامي 2009 و2015، مشدداً على أن “السلطات المحلية والاتحادية تقاعست بعد هذه الأزمات عن معالجة أسبابها الكامنة، وعن وضع إجراءات لحماية السكان عند حدوث أزمة جديدة”.

 

وأوضح أن السلطات “تواصل أيضاً السماح للأنشطة التي تلوث مصادر المياه في البصرة أو تغض الطرف عنها، وهذا ما يساعد على انخفاض تدفق المياه برغم المخاطر الصحية والمالية التي يتعرض لها السكان”.

 

عانت البصرة طوال عقود من أزمات المياه، لكن الصيف الماضي شهد تفاقماً غير مسبوق إذ أصيب نحو 118 ألف شخص بأمراض ناتجة عن انعدام الأمان في المياه، وهذا ما يثير مخاوف أكبر هذه السنة.

 

لم تقتصر الآثار المدمرة لأزمة المياه في البصرة على الأوضاع الصحية للمواطنين فحسب، بل تضرر اقتصادها كذلك بعدما فقدت 87% من الأراضي الزراعية بسبب تسرب مياه البحر.

 

ولفت التقرير إلى عجز السلطات عن منع “التخلص من النفايات غير المعالجة في أي من المجاري المائية، وهذا ما نتج منه امتلاء المجاري المائية، وأحدها شط العرب، بملوثات من النفايات البشرية والحيوانية والصناعية والزراعية”.

 

ووثق التقرير حالات تلويث للمجاري المائية بـ”المواد العضوية، بما في ذلك الفضلات البشرية والحيوانية، والقمامة، والجريان السطحي للتربة الملوثة بالأسمدة الزراعية ومخلفات النفط”.

 

واعتبر أن “عدم تنفيذ المشاريع الحكومية الموعودة لتحسين نوعية المياه بسبب سوء الإدارة والفساد يعقد الأزمة”، فضلاً عن “عدم تزويد السلطات للسكان بالنصائح، يراها الخبراء ‘حتمية‘ لحماية أنفسهم لدى حدوث أزمة مستقبلاً”.

 

وعلى وجه الخصوص، ينتقد التقرير عدم إعلان السلطات العراقية نتائج الاختبارات التي أجريت على عينات المياه التي أخذتها خلال أزمة صيف عام 2018 على طول شط العرب، أو النتائج الرسمية بشأن أسباب الأزمة الصحية والمائية أو الاستعدادات الرسمية لعدم تكرارها في المستقبل.

 

وأشار التقرير الحقوقي إلى أن هذه الإخفاقات الحكومية تنتهك حقوق سكان البصرة في خدمات “الماء والصرف الصحي والصحة والمعلومات والبيئة الصحية والملكية (الأراضي والمحاصيل)”، وجميعها مكفولة بحكم القانونين الدولي والمحلي.

 

ونقل التقرير عن الأستاذ المحاضر في علوم البحار بجامعة البصرة، شكري الحسن، قوله إن “أزمة المياه في 2018 كانت ذروة سنوات من سوء الإدارة، تجاهلت خلالها السلطات الحقائق الواضحة والمسؤوليات المنوطة بها”.

 

وأضاف الحسن: “أثبتت هذه الأزمة أن الحكومة ضعيفة ويعتريها سوء إدارة الخدمة العامة. لهذا السبب استمرت الأزمة أكثر من ثلاثة أشهر. كل المسؤولين كانوا يتخذون قرارات لتبرئة أنفسهم، و(كان هناك) إحجام عن طلب مساعدة المجتمع الدولي واستقدام الخبراء الضروريين لحماية سكان البصرة. لهذا السبب كان هناك هذا العدد الكبير من الضحايا، وطبعاً الأكثر فقراً هم الذين يعانون. عار على الحكومة”.

آثار اقتصادية مدمرة

في السياق نفسه، نبه التقرير إلى أن أزمة المياه لم يقتصر أثرها السيئ على الصحة فحسب، بل ألقت بظلالها على اقتصاد المحافظة، وخاصةً الزراعة، مصدر الدخل  الرئيسي للمجتمعات الريفية فيها.

 

وأكد أن المزارعين البصراويين فقدوا، خلال العقد الماضي، جزءاً كبيراً من أراضيهم نتيجة الري بالمياه المالحة، التي تضر التربة وتقتل النباتات، مسببةً انخفاضاً هائلاً في مقدار إنتاجية المحاصيل بالمحافظة منذ ثمانينيات القرن الماضي.

 

وبعدما كانت البصرة تصدر قرابة 130 ألف طن من التمور (منتجها الأساسي والمصدر الأول للعمالة الريفية) سنوياً، فقدت حوالى 87% من أراضيها الزراعية كلياً أو جزئياً بسبب تسرب مياه البحر.

 

وبعدما كانت البصرة تصدر قرابة 130 ألف طن من التمور (منتجها الأساسي والمصدر الأول للعمالة الريفية) سنوياً، فقدت حوالى 87% من أراضيها الزراعية كلياً أو جزئياً بسبب تسرب مياه البحر.

 

واستناداً إلى تقارير “برنامج الأمم المتحدة للبيئة”، يفقد العراق حالياً نحو 25 ألف هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة سنوياً، معظمها في الجنوب، كما أن التصحر في ازدياد في البصرة وفي غيرها من المناطق.

 

ويرشّح التقرير أزمة المياه في العراق بشكل عام والبصرة بشكل خاص إلى التفاقم، إذا لم تلتزم السلطات “احترام وحماية وإعمال الحق في الماء”، من خلال منع تلويث موارد المياه أو قطع خدمات المياه والصرف الصحي بشكل تعسفي وغير قانوني.

 

بالإضافة إلى تطبيق التشريعات لضمان امتثال الجهات الفاعلة في القطاعين العام والخاص، مثل المحطات الخاصة، لتصفية المياه وفق معايير الحق في الماء، مع “تنسيق الإجراءات بين مختلف السلطات، والتشاور مع السكان المتضررين لمعالجة أزمة المياه في البلاد بطريقة إستراتيجية وطويلة الأمد ومستدامة”.

 

في سياق متصل، أكد رئيس مجلس النواب العراقي، محمد الحلبوسي، في 21 تموز/يوليو، أن “البرلمان يسعى للعمل على حل أبرز مشاكل محافظة البصرة ووضع حلول جذرية للخدمات فيها”، مبيّناً أن “المجلس وضع أولوية للبصرة في الموازنة العامة”.

 

جاء ذلك خلال استقبال الحلبوسي عدداً من مشايخ ووجهاء ورجال الدين بالمحافظة للحديث عن المشكلات الخدمية التي تعانيها المحافظة، وعن قضايا أخرى مثل التعويضات جراء الفيضانات والسيول، وانتشار ظاهرة المخدرات بين الشباب، وسبل مواجهتها.