السبت: 24 فبراير، 2018 - 08 جمادى الثانية 1439 - 07:59 صباحاً
ملفات
الأربعاء: 31 يناير، 2018

مصطفى حبيب

وضعت الفصائل المسلحة التي حاربت “داعش” سلاحها جانبا ونزع قادتها القيافة العسكرية استعدادا للانتخابات التشريعية والمحلية المزدوجة، وهذا يطرح تساؤلات حول ديناميكية الانتخابات التي تعد الأهم في تحديد مسار البلاد اليوم.

 

 

 في مدينة البصرة أقصى جنوب البلاد أنصت مجموعة من مقاتلي “فرقة العباس” القتالية” الى كلام قائدهم ميثم الزيدي بانتباه “نحن لن نشارك في الانتخابات ولا يمثلنا اي حزب سياسي ونوصيكم في اختيار الافضل كفاءة ومهنية، ممنوع عليكم الترويج لأي حزب، ونحذر المرشحين للانتخابات من استخدام أسماء او صور شهدائنا في الدعاية الانتخابية”.

“فرقة العباس القتالية” هي احدى الفصائل المسلحة التي أعلنت رسميا عدم مشاركتها في الانتخابات، خضوعا لمؤسسها المرجع الشيعي علي السيستاني الذي رفض المشاركة في السياسة بشكل قاطع، ولكن اكثر من عشرين فصيلا مسلحا آخر قررت المشاركة في الانتخابات واندمجت في التحالفات الانتخابية.

الأسبوع الماضي أعلنت مفوضية الانتخابات القائمة النهائية بالأحزاب والقوى السياسية التي سجلت نفسها للمشاركة في الانتخابات، بينها العشرات من الفصائل المسلحة الشيعية التي دخلت في تحالفات سياسية متناقضة، فالمعارك وحدتهم في الجبهات وفرقتهم السياسة، وأكثر المخاوف اليوم من ان تستخدم نفوذها للتأثير على الانتخابات.

ويمنع قانون الاحزاب العراقي الذي اقره البرلمان في العام 2015 مشاركة الفصائل المسلحة في الانتخابات، وتقول المادة (8) المتعلقة بشروط تأسيس الاحزاب بان “لا يكون تأسيس الحزب وعمله يتخذ شكل التنظيمات العسكرية او شبه العسكرية كما لا يجوز الارتباط باي قوة مسلحة”.

ولكن الفصائل المسلحة تمكنت من تأسيس احزاب للمشاركة في الانتخابات، بعدما اعلن قادتها وضع مقاتليهم تحت تصرف هيئة “الحشد الشعبي” التابعة الى الحكومة، ولكن في الواقع ما زال مقاتلوها يرتبطون بأوامر قادة الفصائل، وما زالت العشرات من مكاتب هذه الفصائل منتشرة في جميع المحافظات بين السكان.

منذ أشهر يدور جدل داخل البلاد حول مستقبل الفصائل الشيعية، وفشلت محاولات حكومية عديدة لدمجها في الجيش والشرطة لرغبة قادة الفصائل البقاء قوة مستقلة، ولكن طموحها السياسي بالمشاركة في الانتخابات مؤخرا اثار جدلا بين العراقيين، وقدم سياسيون مقترحات عدة حول ذلك.

عضو لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان النائب عباس البياتي قال لـ “نقاش” ان “الحشد الشعبي قوة امنية عراقية ذات شرعية وهي تشكل القوة الثالثة في البلاد بعد الجيش والشرطة ولا نقبل التعدي عليها، ولكن هذه القوة تحتاج الى تنظيم وابعادها عن الاحزاب والعمل السياسي وفقا للقانون الذي شرّعه البرلمان في شان الحشد الشعبي”.

لكن القانون الذي اقره البرلمان في اعتبار “الحشد الشعبي” مؤسسة رسمية لم يوضح تفاصيل مهمة حول تطبيق ذلك، وهو ما دفع نوابا للمطالبة بتفعيل وتعديل القانون، كما أن رئيس لجنة الأمن والدفاع النيابية حاكم الزاملي دعا إلى إخراج مكاتب الفصائل المسلحة الى خارج المدن، ولكن كل ذلك لم يحصل.

في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي اعلنت عشر فصائل مسلحة تشكيل تحالف سياسي باسم “المجاهدين” للمشاركة في الانتخابات، ولكن بعد كلام صارم أطلقه المرجع الشيعي علي السيستاني في 15 كانون الاول (ديسمبر) الماضي بعدم مشاركة الفصائل في الانتخابات، أعلن قادة في الفصائل بينهم هادي العامري زعيم منظمة “بدر” وقيس الخزعلي زعيم “عصائب اهل الحق” وضع مقاتليهم تحت تصرف الحكومة، ولكن في الحقيقة ليس جميع المقاتلين ولم يعلن أي فصيل حتى الآن تسليم سلاحه إلى الدولة.

اختفى “تحالف المجاهدين” من الاعلام، وعاد مرة أخرى الأسبوع الماضي تحت أسماء جديدة ضمن تحالف واحد حمل اسم “الفتح” بقيادة هادي العامري، والشيء نفسه حصل مع فصائل أخرى مثل “سرايا السلام” والفصائل التابعة الى “المجلس الاعلى الاسلامي”، وجميعها تتنافس من اجل الانتخابات.

لم يقتنع النواب السنة كثيرا بتصريحات الفصائل تخليها عن السلاح، واقترحت الاحزاب السنية في جلسة البرلمان الاثنين الماضي تضمين قانون الانتخابات فقرة جديدة تلزم الحكومة بان “لا تكون للأحزاب التي تخوض الانتخابات اجنحة مسلحة، ومنع السلاح خلال فترة الدعاية الانتخابية وحتى يوم الاقتراع”، ولكن أحزابا شيعية تحفظت على ذلك.

وتصنف الفصائل الشيعية التي ستخوض المنافسة الانتخابية الى قسمين، الاول تلك المقربة من ايران وتدين بالولاء الديني الى المرشد الايراني علي خامنئي ولها مقاتلون في سورية حتى الان، والثانية التابعة الى الاحزاب والحركات السياسية الشيعية وهي بعيدة عن ايران، اما الفصائل التابعة الى السيستاني هي الوحيدة التي أعلنت عدم المشاركة في الانتخابات بشكل قاطع.

 

“تحالف الفتح”

انضوت جميع الفصائل المقربة من ايران في تحالف “الفتح” بزعامة هادي العامري، ويضم (18) تشكيلا سياسيا اتخذ غالبيتها اسماء جديدة مغايرة لما عرفت فيه خلال المعارك ضد “داعش”.

وعلى سبيل المثال “حركة الصدق والوفاء” هي الواجهة السياسية لفصيل “أنصار الله الاوفياء”، و”الحركة الإسلامية” الواجهة السياسية لـ “كتائب الامام علي”، وحركة “الصادقون” الواجهة السياسية لـ “عصائب أهل الحق”، وكتلة منتصرون الواجهة السياسية لـ”كتائب سيد الشهداء”، وحزب الطليعة الواجهة السياسية لـ”سرايا الخراساني”، اضافة الى “حزب الله العراق” التي لم تغير اسمها.

وهناك اختلافات فكرية بين هذه الفصائل وباقي الفصائل الاخرى، ابرزها الولاء الديني للمرشد الايراني علي خامنئي، كما انها تعتبر العراق وسورية جبهة واحدة، وتضع نفسها ضمن ما يسمى بـ”محور المقاومة” في الشرق الاوسط، ولها افكار سياسية حادة اتجاه الكرد، وترفض التقارب الدبلوماسي الاخير بين العراق ودول الخليج خصوصا السعودية.

ولمحدودية خبرتها السياسية أبرمت هذه القوى تحالفا مثيرا للجدل مع رئيس الوزراء حيدر العبادي للاستفادة من القاعدة الشعبية التي يتمتع بها العبادي، في المقابل حاول العبادي من هذا التحالف الإفادة أيضاً من نفوذ وشعبية هذه الفصائل، ولكن التحالف سرعان ما انهار بعد ردود افعال شعبية سلبية.

“الصدر والحكيم”

يمثل زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر وزعيم تيار “الحكمة عمار الحكيم الجيل السياسي الشيعي الشاب، فالرجلان اللذان تحالفا معا لمنع رئيس الوزراء السابق نوري المالكي من الحصول على ولاية ثالثة في العام 2014 اخذوا منهجا سياسيا وطنيا بعيدا عن النفوذ الايراني، وبعد هجوم المتطرفين على العراق وجدوا أنفسهم مجبرين على تشكيل فصائل مسلحة الى جانب الفصائل الاخرى التي بدأت تكسب شعبية كبيرة.

اختارت الحركة الصدرية التي تمتلك فصيل “سرايا السلام” تشكيل تحالف باسم “سائرون” بعيدا عن الاحزاب الشيعية الاخرى، ويضم التحالف الحزب الشيوعي ليعزز التعاون بين الطرفين الذي بدا في ساحات التظاهرات منذ العام 2015 عندما انضم اتباع التيار الصدري الى المتظاهرين من الحزب الشيوعي والتيار المدني.

أما الحكيم المعروف بسياسته البراغماتية قرر التحالف مع العبادي مستفيدا من شعبيته بدل المغامرة بالمشاركة في الانتخابات وحيدا خصوصا وانه يقود حزبا جديدا اسسه الصيف الماضي ويخشى من خسارة في الانتخابات بعد انسحابه من “المجلس الاعلى الاسلامي” الذي ارتبط بعائلة الحكيم.

من يضمن تحييد السلاح؟

في 16 من الشهر الجاري اعلنت “كتائب حزب الله” عن خطة مشتركة مع الجيش السوري لتنفيذ عملية عسكرية على الحدود مع العراق لمنع التواجد الاميركي، فيما يشارك هذا الفصيل في الانتخابات باسم “حزب الله العراق”.

وبعد يومين على إعلان الخزعلي وضع مقاتليه تحت تصرف الحكومة العراقية، ظهر الرجل في مقطع فيديو بالزي العسكري عن الحدود الجنوبية للبنان مع إسرائيل، وقال تعليقا على قرار الرئيس الاميركي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة إسرائيل “من الحدود مع إسرائيل تعلن فصائل المقاومة عن جاهزيتها للوقوف مع الشعب اللبناني والفلسطينيين ضد الاحتلال الإسرائيلي”.

فصيل “سرايا الخراساني” احد الفصائل التي تم تشكلها من قبل “الحرس الثوري الإيراني”، يقول عباس المحمداوي احد أعضائها خلال اتصال عبر الهاتف مع “نقاش”: ان “هناك فرق بين “الحشد الشعبي” وفصائل المقاومة، الأول يقاتل في العراق فقط وتحت قيادة الحكومة العراقية، أما الثاني له أهداف اكبر فنحن نقاتل في اي ارض يتواجد فيها الإرهابيون في سورية وغيرها”.

كل ذلك يثير مخاوف من ان يفرز التنافس للحصول على أصوات الناخبين الى صدامات مسلحة او التأثير على الناخبين عبر مكاتبها المنتشرة داخل الاحياء المأهولة بالسكان، وامام الحكومة تحد كبير في تنظيم الانتخابات الاصعب بسلام والحؤول دون ان يتحول الصراع السياسي عبر البنادق لا صناديق الاقتراع.