الثلاثاء: 17 يوليو، 2018 - 04 ذو القعدة 1439 - 01:49 صباحاً
دفاتر
الثلاثاء: 26 يونيو، 2018

محمد يسري

استأثرت قضية الإمامة الكبرى، أو الخلافة، بقدر عظيم من الاهتمام والعناية على مدار التاريخ الإسلامي الطويل. وبينما اعتبر أهل السنة والجماعة أن موضوع الإمامة من الفروع، فإن الشيعة اعتقدوا أنه من أصول الدين وثوابته، ولذلك كان لمنصب الإمام عندهم مكانة كبرى لا تضاهيها مكانة أو منزلة.

ومن بين كل الشخصيات التي آمنت بعض فرق الشيعة بإمامتها، يحتل محمد بن علي بن أبي طالب، والمعروف بابن الحنفية، منزلة شبه متفردة في العقل الجمعي عند الشيعة.

لطالما أحاطت بشخصية محمد بن الحنفية هالات متداخلة من الغموض والجدل، وذلك بسبب الروايات المتناقضة التي رسمت ملامح ضبابية لذلك الرجل الذي أثر كثيراً على المستويين الفكري والسياسي في المرحلة المبكرة من تاريخ الدولة الإسلامية.

ضريح منسوب إلى محمد بن الحنفية في خارك بوشهر.

تفاصيل ميلاد ابن الحنفية والجدل السني-الشيعي

بحسب ما يذكره ابن جرير الطبري في تاريخه، فإن عدد أبناء علي بن أبي طالب قارب الثلاثين ما بين ذكور وإناث. ولكن ومع ذلك، لم تحظَ لحظة ميلاد أحدهم بالاهتمام الذي حظيت به لحظة ميلاد محمد بن الحنفية.

فقد حاولت العديد من الروايات التاريخية أن تجعل من مولده حدثاً بشّر به الرسول وأخبر عنه قبل وقوعه، وهي إحدى التيمات المعروفة والتي تُستخدم بكثافة في سرد قصص وأخبار الشخصيات المؤثرة في التاريخ الإسلامي.

فبحسب ما يذكره ابن سعد في كتابه “الطبقات الكبرى”، أخبر الرسول علي بن أبي طالب أن مولوداً سوف يولد له بعد وفاته، وأمره بأن يسميه محمد، بل ورخص له أيضاً بأن يكنى بأبي القاسم، وهي كنية الرسول التي ورد النهي عن اتخاذها في الكثير من الأحاديث النبوية.

بعد وفاة الرسول مباشرة، بدأت حروب الردة بين السلطة الإسلامية والقبائل العربية التي رفضت دفع الزكاة للخليفة الأول. وفي وسط تلك الأحداث، تم أسر مجموعة من نساء بني حنيفة، وتقول رواية إنه أهديت واحدة منهن، واسمها خولة بنت جعفر، إلى علي بن أبي طالب، فأنجب منها ابنه محمد الذي اشتهر بابن الحنفية نسبة إلى قبيلة والدته، كما يُعرف أيضاً باسم محمد الأكبر، تمييزاً له عن أخويه محمد الأوسط ومحمد الأصغر.

في الواقع، فإن مسألة قبول علي لهدية أبي بكر إبان حروب الردة هو أمر تحيط به الكثير من الإشكاليات، ذلك أن المصادر السنية، ومنها على سبيل المثال “منهاج السنة النبوية” لابن تيمية، اعتادت أن ترى في ذلك الموقف، موافقة ضمنية من جانب ابن عم الرسول على حكم أبي بكر، بينما ترفض المصادر الشيعية القصة من أساسها وتؤكد أن علي كان يرفض حكم الخليفة الأول، وأنه كان معارضاً لحروب الردة، ولذلك لا يمكن أن يقبل هدية منها.

وحاولت المصادر الأخيرة أن تؤكد أن وصول خولة إلى يد علي لم يكن أمراً يتعلق بحروب الردة. فعلى سبيل المثال، يذكر المجلسي في كتابه الموسوعي “بحار الأنوار” أن علي ملك خولة الحنفية في حياة الرسول، وأن محمداً وُلد بعد وفاة الرسول مباشرة.

وفي السياق نفسه، فإن بعض المصادر الشيعية حاولت أن تضفي على الأمر بعداً إعجازياً أسطورياً. فبحسب ما يذكره هاشم البحراني في كتابه “مدينة المعاجز”، فإن خولة حلمت بعد أن أسرها المسلمون بأنها سوف تتزوج بعلي بن أبي طالب، وبأنها سوف تنجب منه ولداً يكون له مستقبل عظيم، وبالتالي فإنها اختارته راضية دون إجبار أو قهر.

في حياة أبيه… بطل الجمل وصفين

تكاد المصادر التاريخية لا تذكر دوراً ملحوظاً لمحمد بن الحنفية في عصر الخلفاء الثلاثة الأوائل، وقد يكون ذلك الأمر منطقياً إلى حد بعيد بسبب صغر سنه وبعده عن بؤرة الأحداث السياسية في تلك الفترة.

يبدأ ذكر ابن الحنفية في فترة خلافة أبيه، إذ كان اسمه حاضراً في جميع المعارك التي خاضها الخليفة الرابع ضد أعدائه.

في معركة الجمل التي وقعت بالقرب من البصرة، في عام 36هـ، كان ابن الحنفية قد ناهز العشرين عاماً من العمر، واختاره أبوه ليحمل الراية وليقود الجيش، في الوقت الذي منع فيه الحسن والحسين من القتال والمخاطرة.

ويذكر ابن خلدون في تاريخه أن تصرف الخليفة أثار التساؤلات بين صفوف جيش العراق حتى “قيل لمحمّد ابن الحنفية ذات مرّة: لِمَ يغرر بك أبوك في الحرب، ولا يغرر بالحسن والحسين؟ فقال: إنّهما عيناه، وأنا يمينه، فهو يدفع عن عينيه بيمينه”.

وفي معركة صفين التي خاضها الخليفة الرابع ضد معاوية وجيش الشام، أظهر ابن الحنفية شجاعة فائقة في القتال، واستطاع أن يجبر الشاميين على التراجع في الكثير من المواقف، وذلك حسبما يذكر ابن سعد في الطبقات الكبرى.

بعد مقتل علي بن أبي طالب، عُرف ابن الحنفية بملازمة أخويه الحسن والحسين، فكان ممن شاركوا في حرب الحسن ضد معاوية، ولكن بعد إتمام الصلح بين الطرفين في عام الجماعة 41هـ، ابتعد كثيراً عن الأحداث السياسية، ومال إلى الاعتزال والبعد عن المجادلات والفتن وقبل خلافة معاوية بن أبي سفيان.

ومن الروايات التي تؤيد قبوله لخلافة معاوية ما أورده ابن كثير في “البداية والنهاية”، عندما ذكر أن الإمبراطور البيزنطي عندما أرسل إلى الخليفة الأموي أحد المصارعين للتباهي بقوته وقدرته البدنية، قام معاوية باستقدام ابن الحنفية إلى دمشق، وحرّضه على قتال المصارع البيزنطي، فلما انتصر ابن الحنفية في المعركة أجزل له معاوية العطاء وأغدق عليه الأموال.

ولعل من أهم الأدلة التي تؤكد اعتزال ابن الحنفية للشأن السياسي بعد وفاة والده، أنه لما عرف بخروج أخيه الحسين إلى كربلاء، أرسل إليه من المدينة محذراً وطلب منه عدم الخروج، وهو الموقف الذي حاولت المصادر الشيعية أن تبرره بمرض ابن الحنفية الشديد وبعده عن أخيه، كما ذهب إلى ذلك الشيخ المفيد في كتابه “الإرشاد إلى معرفة حجج الله على العباد”.

ما بعد كربلاء… من الهامش إلى المركز

تُعتبر معركة كربلاء حدثاً مفصلياً فارقاً في تاريخ محمد بن الحنفية، ذلك أنه وبعد مقتل الحسين بن علي في تلك المعركة، ظهر كشخصية رئيسة ومحورية في خضم الصراعات السياسية الطاحنة، بعد أن كان مجرد شخصية ثانوية هامشية قبل ذلك.

فبعد مقتل الحسين، انتقلت الزعامة الروحية للبيت العلوي إلى ابن الحنفية الذي كان يقبع في مكة منكباً على العلم والدرس. ورغم بعده المكاني عن الأحداث والتطورات المتسارعة في معقل مؤيدي العلوية في الكوفة، تنسب بعض الروايات إليه دوراً مهماً في حركة المختار الثقفي التي رفعت شعار الانتقام للحسين بن علي والثأر له من قاتليه.

وبحسب ما يذكره الدكتور محمد إبراهيم الفيومي في كتابه “الشيعة العربية والزيدية”، فإنه لما قام المختار بدعوة الناس للانضمام إلى حركته باسم ابن الحنفية، شك بعض الناس في ذلك، فقدموا على محمد ليتأكدوا منه، فقال لهم: “وأما ما ذكرتم من دعاء من دعاكم إلى الطلب بدمائنا فوالله لوددت أن الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه”.

ولم يكتفِ ابن الحنفية بذلك، بل أرسل إلى واحد من كبار مؤيدي العلوية، وهو إبراهيم بن الأشتر، يدعوه إلى نصرة المختار وتأييده، وقد جاء في خطابه حسبما يذكر أبو حنيفة الدينوري في كتابه “الأخبار الطوال”: “بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن علي إلى إبراهيم بن الأشتر، أما بعد فإن المختار ابن أبي عبيد على الطلب بدم الحسين فساعده في ذلك وآزره يثبك الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة”.

وتذكر بعض الروايات الشيعية الإثناعشرية، ومنها ما ذكره الطبرسي في كتابه “إعلام الورى بأئمة الهدى”، أنه وقع في ذلك الوقت خلاف بين علي زين العابدين وعمه محمد بن الحنفية حول أحقية كل منهما بمنصب الإمامة، فاستشهد علي بالحجر الأسود على عمه، فنطق الحجر وأقر بإمامة علي بن الحسين، فقبل ابن الحنفية بذلك ورضي به.

وإذا ما استثنينا الطابع الأسطوري الذي يصبغ الرواية السابقة، فإنه من الممكن أن نلحظ فيها ملامح المنافسة على منصب الإمامة لأول مرة داخل العقل الشيعي، ولعل هذا كان طبيعياً ومنطقياً في تلك الفترة. فبمقتل الحسين انتهى الجيل الأول من الأئمة الذين ارتبطوا بالرسول بشكل مباشر عن طريق ابنته فاطمة، وانفتح المجال أمام العلويين غير الفاطميين، وكان ابن الحنفية يقف في طليعتهم، أي أن نوعاً من المنافسة الشيعية-الشيعية ظهر في تلك الفترة العصيبة.

الإمامة المهدية وشرعية الدعوة العباسية

التأثيرات التي أحدثها تصدّر ابن الحنفية للمشهد السياسي العلوي بعد كربلاء، لم تنته بقيادته المعنوية لحركة الثأر من قتلة الحسين، بل امتدت وتشعبت لتطال البُنى العقائدية والفكرية لعدد من المذاهب الشيعية التي استطاعت أن تثبت حضورها في المجتمع الإسلامي على مدار قرون ممتدة من الزمان.

أول تلك التأثيرات هو ارتباط اسم ابن الحنفية بالمذهب الشيعي الذي يُعرف بالكيسانية. وبحسب ما يذكره الأشعري في كتابه “مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين”، هناك اختلاف كبير بين المؤرخين حول أصل ونسبة تلك الفرقة، بينما يذكر النوبختي في كتاب “فرق الشيعة” أن أهل تلك الفرقة اتفقوا على الاعتقاد بإمامة محمد بن الحنفية، وإن اختلفوا في تحديد توقيت إمامته.

ومن أهم العقائد التي قالت بها الكيسانية أن ابن الحنفية هو المهدي المنتظر الذي يعود إلى الدنيا فيقيم الحق والعدل.

ويذكر الشهرستاني في كتابه “الملل والنحل” أن هناك أشعاراً وضعها بعض المنتسبين للكيسانية للتأكيد على تلك العقائد، ومنها ما نُسب إلى كثير عزة: ألا إن الأئمة من قريش/ ولاة الحق أربعة سواء/ علي والثلاثة من بنيه/ هم الأسباط ليس بهم خفاء/ فسبط سبط إيمان وبر/ وسبط غيبته كربلاء/ وسبط لا يذوق الموت حتى/ يقود الخيل يقدمه اللواء/ تغيب لا يرى فيهم زماناً/ برضوى عنده عسل وماء.

لكن الاعتقاد بإمامة ابن الحنفية ومهديته لم يكن الأثر الفكري الوحيد الذي خلّفه، فمن الغريب والمثير في الوقت ذاته أن نعرف أن واحدة من أهم وأقوى الدول السنية في التاريخ الإسلامي، وهي الدولة العباسية، استمدت في الأساس جزءاً كبيراً من شرعيتها من اعترافها بإمامة محمد بن الحنفية.

فبحسب ما يذكره النوبختي في فرق الشيعة، فإن البقية الباقية من الكيسانية الذين اعتقدوا بإمامة ابن الحنفية التفوا بعد وفاته، في عام 81هـ، حول ابنه أبي هاشم عبد الله وبقوا مخلصين له واعتبروه الإمام العلوي الهاشمي الذي يستحق الطاعة.

ولما كان أبو هاشم عقيماً ولم ينجب، فإنه أمر أصحابه وأتباعه بأن يتبعوا محمد بن علي بن عبد الله بن العباس. فلما توفي أبو هاشم، وقع الانتقال في خط الإمامة الشرعية من الفرع العلوي إلى الفرع العباسي، وقامت الدعوة العباسية السرية والتي تسببت في 132 هـ في سقوط الدولة الأموية وتأسيس الدولة العباسية