الأربعاء: 25 نوفمبر، 2020 - 09 ربيع الثاني 1442 - 02:23 صباحاً
سلة الاخبار
الثلاثاء: 21 يوليو، 2020

عواجل برس/ بغداد

حين أراد جلجامش معرفة سر الخلود، ذهب من بيئة الأهوار التي تحاذي حافات آخر المسطحات المائية في أوروك إلى مزارع الأرز لمكان غير معروف لينتصر على خمبابا الذي يمثل الشر، ويحول دون خلود البشر في الرواية السومرية الأولى في التاريخ التي وجدت مكتوبة بخط مسماري في أحد عشر لوحاً.
السومريون سر الخلود
تعود الملحمة الأولى في التاريخ البشري إلى عصر سلالة أور الثالثة في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، حين قام الملك جلجامش برحلة مصطحباً معه صديقه أنكيدو البشري الشجاع وهو من أهالي مملكة سومر.
وتصف الرواية الأولى قصة عوالم “ميزوبوتوميا” أو بلاد ما بين النهرين التي ترجمها الآثاري العراقي طه باقر عن السومرية، حيث كتبت عن الإنسان البدائي الذي حاول قهره الموت، وأراد معرفة سر الخلود على مشارف أربعة ممالك على حافة الأهوار هي أور وسومر وأريدو والوركاء أول السلالات السومرية التي استمرت بثلاث مراحل شغلت الحقبة الأطول في تاريخ العراق ما بين (3500-1600) قبل الميلاد.
الأهوار بطائح العرب وامتدادهم
حين كانت سومر تتألف من دويلات تتمتع باستقلال ذاتي ولها حاكمها وآلهتها الخاصة هناك، استمدت حضارة وادي الرافدين من المياه سر وجودها، وديمومتها ومن بساطة وبدائية الحياة التي اعتاشت على الأهوار، وهي مجموعة من المسطحات المائية التي تغطي الأرض المنخفضة جنوب السهل الرسوبي لبلاد ما بين النهرين، على شكل كمثرى، أطلق عليها العرب الأوائل اسم “البطائح”، جمع بطيحة، لأن المياه تبطحت فيها، أي سالت واتسعت في الأرض وكان ينبت فيها القصب.
وقامت عليها مدن العراق الجنوبية ميسان وذي قار والبصرة التي كان يُهددها دوماً الفيضان في الشتاء حيث المطر ينهمر بغزارة لأيام من دون توقف، كما وصفه السياب شاعر الخصب والنماء في قصيدته “إنشودة المطر”:
في كل قطرةٍ من المطرْ
حمراءُ أو صفراء من أجنَّة الزَّهَرْ.
وكلّ دمعةٍ من الجياع والعراة
وكلّ قطرةٍ تُراق من دم العبيدْ
فهي ابتسامٌ في انتظارِ مبسم جديد
أو حُلمةٌ تورَّدتْ على فمِ الوليدْ
في عالم الغد الفتيّ، واهب الحياةْ!
الأهوار معادلة الصراع بين المياه واليابسة
خليط بين معاناة الفلاحين والمطر الذي يهبهم الحياة والموت معاً في الغرق الذي يشكل معادلة الصراع الأبدي في بيئة الأهوار، الممتدة على مساحة الجنوب العراقي المغطاة بالمياه والطيور وأنواع من السمك، في مساحة تتراوح بين 35 و40 ألف كيلومتر، وهي مساحة تفوق حجم مساحة لبنان، ممتدة بين العراق وعربستان، الامتداد الطبيعي لهذه البيئة الثرية بالخصب والمياه.
تتميز بيئة الأهوار بالتنوع البيئي والإحيائي حيث تحتضن 371 كائناً حياً، على حد تأكيد علماء البيئة، وتتوزع على ثلاثة أهوار رئيسة هي: الحويزة والحمّار وأنوار الفرات، يسكنها عرب الأهوار، وعمرها يصل إلى أربعة آلاف سنة.
وترجح الباحثة الفرنسية المستشرقة في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى جيرالدين شاتلار أن “خريطة الأهوار كانت مختلفة عما هي عليه الآن، فقبل ستة آلاف سنة كانت بحدود أوسع بكثير حتى استقرت قبل ألفي عام، وشهدت نشوء حضارات عظيمة في الوركاء وأور، في تفرد لافت بين الماء والصحراء في مكان واحد”.
فقد ظل هذا التناغم بين الماء واليابسة اللصيقة يفرض أثره على نمط الحياة وبساطتها وثرائها وتنوعها وقدرة الوصول الى الثروات الحيوانية والنباتية، ما جعل العراقيين يقولون في أمثالهم الشعبية “لا أحد يموت من الجوع في العراق”. وظلت الناس تحصل على سلتها الغذائية من السمك الوفير الذي يختزنه الأهوار، والماء الذي ينبت فيه القصب مادة لصناعة بيوتهم التي تقيهم حر الصيف اللاهب وبرد الشتاء القارس.
المساكن على اليابسة وداخل المياه
فعلى اليابسة قبالة الأهوار تكتشف بيوت القصب المنتشرة على الطرق القصية، وفي أطراف الأهوار الثلاثة المكتظة بنباتات القصب والبردي الذي يوفر مادة لا غنى عنها لسكان الأهوار، آخر سلالة بشرية سومرية تعتاش على مخلفات تلك البيئة العائمة، قرب منابع النفط والقار والغاز المحترق منذ عصور، وهم يطلون في القار قواربهم (المشاحيف) كي لا تغرقها مياه الهور، وهي قوارب صغيرة تحمل شخصاً او اثنين تمخر روج الأهوار بين مزارع القصب المتشابكة ليصل سكانها إلى مناطق “الچيٓش” (مفردها چيشة) حيث يسكن أولئك السومريون في بيئة يطلق عليها المستشرقون بـ “فينيسيا الشرق”، حيث البساطة والبدائية والاتكال الكلي على موارد الهوار المؤلفة من أربعة مكونات البشر والسمك والبردي والطيور.
طيور الأهوار حيث الدفء والأعشاش
ولطيور الأهوار قصص وتاريخ كونها تأتي في الشتاء من مجاهل المناطق الباردة نحو دفء فوق مسطحاتها، لتلقي ببيضها في أعشاشها قاطعة آلاف الكيلومترات في رحلة أزلية منذ بواكير الحضارة نحو الأهوار لتستمر دورة الحياة، طالبة الدفء والطعام والمزاوجة والحماية، لكنها عاشت أسوأ ما كانت تتوقعه حين حلت حرب الثمانينات بين العراق وإيران واتخذ قرار تجفيف الأهوار، ما جعلها تنتحر حين تصل إلى المياه الدافئة ولم تلق أعشاشها أو البيئة التي تعودت الاحتماء فيها، فقد روى لنا بعض سكان الأهوار قصصاً لا تصدق عن حزن الطيور التي قطعت مسافات مهولة حيث الأهوار لتكتشف بأنها تبخرت وصارت أرض يباب؟
تجفيف الأهوار نتائج الحرب والقسوة
قصة تجفيف الأهوار وخراب البيئة فيها، مأساوية حقاً ليس على الحيوانات وحدها كونها من أكبر المحميات الطبيعية، بل على سكانها البشر، الذين اعتادوا العيش في هذه البيئة وبساطتها، وهم مئات آلاف من سكان حافات الأهوار، والمدن اللصيقة فيها الذين يعيشون على مواردها الغذائية، بعد أن اتخذ نظام صدام حسين قرار تجفيفها، لا سيما قبالة أهوار الحويزة، التي شهدت معارك عنيفة طيلة السنوات الثماني من الحرب وما تلاها من خروق أمنية مصدرها التسلل من منافذ الأهوار، في جبهة عريضة كبدت الجيش العراقي والأجهزة الأمنية خسائر باهظة.
فكان قرار تجفيفها وتحويلها إلى أرض محروقة، بلّطت بسواتر ترابية اشتغل عليها الجهد العسكري والمدني معاً لتأمينها، وألغيت خصوصيتها المائية وهجّر سكانها إلى مناطق محاذية، مما ولد واقعاً بيئياً مغايراً لخصوصيتها البيئية، وأثار ذلك ضجة عالمية تبنتها اليونسكو آنذاك، ونشطاء حماية البيئة ما خلّف حزناً عراقياً جنوب البلاد ذكّر الناس بتاريخ طويل من الثورات التي مرّت فيها الأهوار مثل “ثورة الزنج” حين عمد العباسيون إلى تجفيفها بعد أن احتموا في مناطق الأهوار، وعملوا على مقاتلة الدولة آنذاك، فاضطر الخليفة إلى الأمر بتجفيفها.
لكن تجفيفها نهاية ثمانينيات القرن الماضي كان منهجياً (إذ تم تجفيفها بالكامل)، وغيّر جزءاً بسيطاً من هور الحويزة  ما قلل من سكانها لدرجة أن مدينة الجبايش التابعة للناصرية، انخفض عدد سكانها من 60 ألف نسمة إلى 6 ستة آلاف نسمة، كما يؤكد الباحث جاسم الأسدي الخبير المتخصص في التنوع الإحيائي.
تحديات إعادة الحياة إلى الأهوار
كانت مهمة إعادة الحياة إلى الأهوار مرة أخرى، شبه مستحيلة. فبعد أحداث 2003، شرعت القوى المدافعة عن البيئة في العراق والعالم، إلى اعتبار إعادة الأهوار مهمة وطنية وإنسانية عالمية.
فقد أعلنت وزارة خاصة بالأهوار، وشرعت ببرنامج لإزالة السواتر الترابية التي حالت دون وصول المياه إليها، وبذل الخبراء والفنيون العراقيون جهوداً مضنية حتى ظهرت النباتات مجدداً، في ظل دعوات إلى مواجهة تبذير مياه الأهوار ومواجهة التحديات المتمثلة بنوعية وكمية المياه ومعالجة قضية التجاوز على حصص أهوار أعالي الفرات المائية للحفاظ على المستوطنات البشرية المعتمدة على الأهوار.
الأهوار ضمن لائحة التراث العالمي
في المقابل، منح قرار منظمة اليونسكو القاضي بوضع أربعة أهوار ضمن لائحة التراث العالمي، غطاءً دولياً إيجابياً لمناصري البيئة باعتبارها محمية دولية ضمن مواقع وكنوز الحضارات الأولى على الأرض.
كذلك اعتبرت آثار ثلاث مدن على أطراف الأهوار هي أور وأريدو والوركاء، ضمن لائحة التراث العالمي وعدّ  ذلك نصراً دولياً، لتحسين هذه المواقع وحمايتها من الإرهاب والتخريب لها من أي جهة كانت، بعد أن صوتت أكثر مم 70 دولة مساندة لذلك القرار، وضمان حصة مائية ثابته للأهوار تعيد إليها الحياة وألقها الذي تلاشى عقدين من الزمن.
ماذا كفل قرار الحماية الدولية
من جهة ثانية، يؤكد المنسق الثقافي الوطني لدى منظمة اليونسكو قحطان العبيد أن الهدف من إدراج أي موقع على لائحة التراث العالمي يجعل مهمة حمايتها مشتركة، “لذا علينا كمنظمة دولية تقديم شهادة حية ومبررات ليكون موقع الأهوار عالمياً بما يحفظ حصصه المائية، كما أن من واجبنا العمل على تسهيل وصول السائح إلى مواقع الأهوار”.
ويرى وزير الري العراقي الأسبق والرئيس التنفيذي للجنة إدراج الأهوار على لائحة التراث العالمي “أن الظروف التي رافقت ذلك الإدراج كانت خطيرة لكن كان هناك إصرار على النجاح، فقد واجهتنا معوقات كثيرة، وما زلنا قلقون بخصوص استدامة المياه المغذية للأهوار، لا أخفي نحن في أزمة حقيقية، إذا لم يكن هناك مياه فلن يكون هناك أهوار، وللأسف هناك غياب للإحساس بهذه الأزمة”.
ومن أهم التحديات التي تواجهه بيئة الأهوار قيام إيران بتحويل مصب نهر الكارون المغذي الرئيس للأهوار على ضفتي الهور في العراق وإيران لأسباب سياسية.
السدود مظهر تحدي لبيئة الأهوار
تستعيد الأهوار اليوم الحياة فيها، لكنها محاصرة بالسدود التي بنتها تركيا على نهر الفرات وقيام إيران بتحويل مجرى نهر الكارون الذي كان رافداً طبيعياً مهماً لتغذية بيئة الأهوار مما يجعل العراق وأنهاره وأهواره يتبع سياسة مائية مقتصده وحكيمة، وإلا فإن زمن الوفرة والفيضان صار من عوالم الماضي.
وكما يقول السياب “يا بلاد المياه يا بلاد الظمأ