الثلاثاء: 21 أغسطس، 2018 - 09 ذو الحجة 1439 - 12:59 صباحاً
ثقافة وفن
الأربعاء: 24 يناير، 2018

عواجل برس/ بغداد

عرفت الشعوب الألوان وارتبطت بها في تقاليدها حتى أصبحت جزءاً من تراثها الشعبي.

ظهر اهتمام الإنسان باللون مع أولى الحضارات الإنسانية في العالم، بدءاً من حضارة وادي الرافدين في العراق، وحضارة وادي النيل بمصر، ووصولاً إلى الفترة الحديثة في العصر الحديث.

ولكن، هل كان لألوان الملابس دلالات معينة في الماضي أم أن اختيارها كان عشوائياً؟!

المصريون القدماء واللون الأبيض

غلب على أزياء المصريين القدماء اللون الأبيض؛ لأن بشرتهم كانت تميل إلى السمرة، كما أن اللون الأبيض كان خياراً جيداً للجو الحار.

وقد فضلت المرأة المصرية لثيابها اللون الواحد في معظم المناسبات، خاصة اللون الأبيض الذى يتناسب مع خمريتها أكثر من الألوان الأخرى، إلى جانب نصاعة هذا اللون وسهولة تنظيفه.

كما أنه يشير إلى النقاء والصفاء والرفعة، وقد تم اختيار الألوان الملونة أيضاً.

وبصفة عامة، كان عند المصري القديم معنى ومغزى لكل لون .فاللون الأخضرعند الفراعنة كانمرادفاً للخصوبة والنماء، بينما اللون الأحمر كان يعني لديهم القوة والغضب، واللون الأسود كان يشير إلى الظلام وإلى خصوبة التربة وإعادة الإنماء. فالأسود هو لون الطمي الذي خلّفه غَمْرُ النيل، والذي أدى إلى اسم مصري قديم للبلاد: “كميت”؛ أي: الأرض السوداء.

أما عن اللون الأصفر، فكان يعني الخلود والديمومة، وكانت أكبر مظاهره تتمثل في أشعة الشمس الذهبية. وكان اللون الأزرق الذي يمثل لون السماء والماء مرتبطاً بالطقوس والعبادات.

الإغريق والرومان واللون الأحمر

استُعمل اللون الأحمر في اليونان القديمة، ومن ثم في روما حتى القرن الـ15 الميلادي؛ بهدف التمييز بين الطبقات.

فقد استعمل الأباطرة الرومانيون اللون البنفسجي المحمرَّ (المائل إلى الأحمر) في ملابسهم أو ديكورات منزلهم كعلامة على السُّلطة والملك.

وقد برع الفينيقيون في اصطياد الأصداف البحرية واستخراج الأصباغ المستخدمة في تلوين هذه الملابس وتصديرها لروما بأسعار عالية.

وكان اللون الأحمر القاني يلي اللون البنفسجي المحمرَّ في السُّلم الهرمي للألوان عند الرومان، وكان خاصاً بالقضاة والقادة العسكريين والنبلاء . وقد منعت قوانين روما عامة الشعب من ارتداء الملابس بالألوان الملكية.

وقد تم الحصول على اللون الأحمر الملكي من نوع من المحار اسمه Lapillus Purpura، وهو ينتج إفرازات ذات صبغة أرجوانية تم اكتشافها عام 1400 قبل الميلاد. وقد عُرفت هذه الصبغة بأنها مستقرّة للغاية ومقاوِمة للقلويات والصابون ومعظم الأحماض، كما أنها غير قابلة للذوبان في معظم المذيبات العضوية.

وترجع أسطورة اكتشاف الأرجوان للإله ملكارت-هرقل؛ إذ بينما كان يسير على الشاطئ الفينيقي مع تيروس الحورية، اكتشف كلبُه صَدَفة الموريكس، وحاول التهامها فانصبغ خطمه بلون لامع أحبَّته الحورية وطلبت من الإله أن يصنع لها رداء من اللون نفسه فنفّذ رغبتها، وأمر بجمع الصدفات البحرية وإعداد صبغة من هذا اللون القرمزي.

وما زال هذا اللون حتّى الآن دليلاً على العظمة، ويحافظ الكرادلة في الكنيسة الكاثوليكية الرومانية على امتياز ارتداء اللون الأرجواني.

وعكس الحال، كانت تشير تلك الألوان؛ البني والأصفر والرمادي والأسود، إلى الفقر لمن يرتدي ملابس بهذه الألوان.

الإغريق والرومان لم يحبوا اللون الأزرق

أطلق اليونانيون القدماء على قبائل وشعوب الكلتيون والجرمان لقب الشعوب المتوحشة والبربرية؛ لأنها كانت متخلفة عنهم وعلى الدوام تهاجم مدنهم.

ومما أثار حنقهم على هذه القبائل، هو أن الكلتيون كانوا يطلون أجسادهم باللون الأزرق قبل الدخول في أي معركة، كما كانت نساؤهم نصف عاريات، ويغطي اللون الأزرق الأجزاء العارية من أجسادهن.

وقد ربط الرومان اللون الأزرق بالانحطاط والبربرية والعبودية. هذه النظرة ورثوها من أسلافهم اليونان، الذين انعكس كرههم اللون الأزرق في لغاتهم وكتاباتهم أيضاً.

فيقول الباحثون في اللغات الإغريقية القديمة إنه لا توجد عندهم كلمة واضحة تدل بشكل مباشر على الأزرق، وإنما هي دائماً تنويع لجذر كلمة أخرى.

ولهذا السبب، اعتقد عدد كبير من المفكرين الغربيين في القرن الـ19 أن الإغريق لم يكونوا يستشعرون بوجود اللون الأزرق كما نفعل نحن!

الأزرق تعود له مكانته في العصور الوسطى

في القرون الوسطى، بدأ الناس يربطون اللون الأزرق بمريم العذراء باعتبارها ملكة السماء، فدخل هذا اللون الكنيسة رغم جهود الأساقفة الكارهين للألوان.

وقد أصبح الأزرق لون البروتستانت، وفيما بعدُ لون الأغنياء وأصحاب السلطة، وحالياً هو لون أصحاب اليمين والمحافظين.

واعتبر الفُرس اللون الأزرق مصدراً للتفاؤل والحظ السعيد.

دلالات الألوان في العصور الوسطى

كانت ألوان الملابس لها معنى ومغزى في العصور الوسطى. فاللون الأبيض كان للنقاء والبراءة والتعاطف؛ وكان على المزارعين ارتداء اللون الأسود مع الرمادي بأمر من شارلمان (لإمبراطور الروماني المقدس الأسبق في القرون الوسطى). كما كان لون الحداد والتوبة أيضاً، وبعد هذا أصبح واحداً من الألوان الأرستقراطية المفضلة.

كان الأحمر لون الملوك، وكان يشير إلى الانتصار والمأوى من الأمراض والأرواح الشريرة. وبالنسبة للون الأرجواني، فإن ندرة صدفة الموريكس أدت إلى تضاؤل تكنولوجيا تصنيع الصبغة الأرجوانية.

وكان اللون البني غير محبَّب لدى معظم الناس؛ فهو لون ثياب السكان الفقراء في العصور الوسطى، كما نشاهد بالأفلام التاريخية، والمشرَّدين.