الأحد: 27 مايو، 2018 - 12 رمضان 1439 - 05:10 صباحاً
وجوه
الخميس: 17 مايو، 2018

أحمد الأمير

“أما والله إني لأحمل الشر بحمله وأحذوه بنعله وأجزيه بمثله وإني لأرى رؤوساً قد أينعت، وحان وقت قطافها وإني لأنظر إلى الدماء تترقرق بين العمائم واللحى”. بهذة الكلمات بدأ الحجاج بن يوسف الثقفي خطبته الشهيرة في الكوفة.

الحجاج هو أحد ولاة الأمويين القساة وأبرزهم. ويذهب كثيرون من الباحثين إلى اعتباره شخصية تجسّد الظلم ومثالاً بالغاً للطغيان. وأصبح ذكر اسمه يستدعي في الحال أفكار الظلم والاستبداد المستقاة من قصص عن تعطشه للدماء، وإسرافه في إسالتها، إذ لم يختلف المؤرخون حول اتباعه أسلوباً حازماً مبالغاً فيه وبطشه بمعارضي دولة عبد الملك بن مروان.

بدأ الحجاج طموحه السياسي من بلاد الحجاز على الرغم من بعدها عن الشام، حيث كان مركز الحكم الأموي. وكان يذهب إلى حلقات العلم التي كان يعقدها الصحابة والتابعون، وهو أحدهم، وعمل في بداية حياته معلّماً للصبيان يعلمهم القرآن الكريم، كما كان أبوه يفعل قبله.

من الطائف إلى جيش بني أمية

يذكر الكاتب منصور عبد الحكيم في كتابه “الحجاج الثقفي طاغية بني أمية”: “كانت الطائف تحت حكم عبد الله بن الزبير، والصراع على أشده بين ابن الزبير وعبد الملك بن مروان، فقرر الحجاج الانطلاق إلى الشام التي أصبحت حاضرة الخلافة الأموية حيث كان عبد الملك يحاول استعادة ملك وسلطان الدولة الأموية الذي تبعثر وأصبح في حكم عبد الله ابن الزبير وسيطرته”.

في الشام التحق الحجاج بشرطة الإمارة، يروي عبد الحكيم “وكانت تعاني وقتها من مشاكل جمة من سوء التنظيم وزعزعة الاستقرار، وعدم حماس جنود الشرطة والجيش ومن التزامهم الطاعة، والانضباط العسكري، فسارع الحجاج ونبّه أولي الأمر للخلل الواقع في صفوف الجند، فقرّبه الوزير روح بن زنباع، وهو الوزير المقرب للخليفة عبد الملك بن مروان، وقدّمه إلى الخليفة الذي ولاه أمر الجنود فقام بضبط أمور الجيش، وصار له شأن وأصبح من كبار قادة الجيش الأموي”.

حياة الحجاج

يقول أستاذ التاريخ الإسلامي أحمد عبد الجليل لرصيف22 إن الحجاج عاش في بيئة مشهود لها في الحجاز وكان أبوه من سادات ثقيف، وكانت ثقيف تنافس مكة في المكانة الاجتماعية والسياسية، وقالوا لو أن رسالة الإسلام أنزلت على أبي جهل المكي أو عروة بن مسعود الثقفي، وهو جد الحجاج لأمه لكنا قبلنا بهذا الأمر، كما ذكرت الآية 31 من سورة الزخرف {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}.

ويؤكد أن هذا أثّر فيه وكان يردده دائماً، وكان متأثراً بشدة بالقادة والساسة الذين ولدوا في ثقيف مثل زياد ابن أبيه والمختار الثقفي، وتمنى في حياته لو سلك مسلكهم.

الشدة والدهاء

عن وصفه بالشدة، يكشف المؤرخ البلاذري في كتابه “البلدان الكبير”، أنه لم يكن يمازح أصحابه ولم يكن يظهر البشاشة لجلسائه، وهذة الصفة جعلت المحيطين به يكوّنون عنه صورة الشخص الميّال إلى التزمت في تعامله مع الآخرين.

وكان الحجاج لا يحب أن يتفاخر أحد بنفسه أو يتعالى أمامه، وكان شديد الظن بمَن حوله ويبنى أحكامه أحياناً على الظن، كما كان متعجلاً وسريعاً في معاقبة المجرمين، والعصاة وكان صبره قليل.

وعن دهاء و فراسة الحجاج، يذكر منصور عبد الحكيم حادثة جرت حينما كان يحكم العراق. فذات يوم خرج من منزله في وقت القيلولة، وهو الوقت ما بين الظهر والعصر، ولم يكن أحد بالطريق إلا عبد الله بن ظبيان فرآه الحجاج فقال له: أما رأيت يزيد بن أبي مسلم؟ وهو الكاتب الخاص بالحجاج وقتها. فقال ابن ظبيان “لا” فرد الحجاج قائلاً: اذهب إليه فإني أصدرت قرار تعيينك مسؤولاً في مكان سيخبرك به يزيد. فذهب ابن ظبيان إلى يزيد فقال له إن الحجاج لم يرسل معه شيئاً يخصه قط، ففهم ابن ظبيان أن الحجاج خشي أن يُقتل على يده وكان ظن الحجاج في محله إذ كان ينوي قتله قبل أن يغريه بمنصب.

القائد البراغماتي

يصف الباحث في الشؤون الإسلامية أحمد سعيد زايد شخصية الحجاج بأنها شخصية تتعاون مع مَن يغلب، يعني لم يكن لديه مبدأ أن يكون مع الأمويين أو غيرهم، فهو ليس له علاقة بما هو قائم بين الطالبيين والعباسيين من جهة وبين الأمويين من جهة أخرى.

ويقول لرصيف22: “كان سياسياً براغماتياً”، مضيفاً: “اختار الحجاج الأكثر قوة وحدد الوظيفة الأفضل، وفي النهاية جميع المتخاصمين عرب وكلهم مسلمون من وجهة نظره، ولم يفضل مناصرة عبد الله بن الزبير لأنه رآه أكثر انشغالاً بالتدين واهتماماً بأمور العبادة من السياسة”.

تحريف المصحف

ينقل الكاتب محمد سعيد العشماوي في كتابه الضخم “الخلافة الإسلامية” عن أبي داود السجستاني، أن الحجاج كان معلّماً للقرآن واللغة العربية وذلك اكسبه ثقافة لغوية و”تدخل في مصحف عثمان وغيّر أحد عشر حرفاً فيه”.

ولكن عضو الجمعية المصرية للدراسات التاريخية الدكتور محمد فوزي رحيل يقول لرصيف22 إن الحجاج لم يقم أبداً بتحريف مصحف عثمان، وعلى العكس فإنه صارع من أجل الحفاظ عليه بلا تغيير واهتم بنطقه وإعجامه بوضع علامات الإعراب وتنقيطه وكان له دور كبير في تشكيله، ويضيف: “على الرغم من سلبيات الحجاج السياسية، فإنه لم يُحدث نقصاً متعمداً أو زيادة في القرآن”.

ويلفت الباحث أحمد سعيد زايد إلى أن الحروف العربية غالباً متشابهة، فليس هناك فرق بين الحاء والخاء والجيم غير موضع النقطة، وبالتالي قد تتغير معاني الكلمات التي تتضمن أحد هذه الأحرف ويحدث لبس بسبب التشكيل والتنقيط. ومن المعلوم أن القرآن لم يكن منقّطاً عندما جُمع.

وعن الروايات التي تشير إلى تحريف الحجاج للقرآن، يقول زايد إنها لا ترقى إلى مستوى التأكيد التاريخي، لافتاً إلى أن الحجاج استعان بالفعل برجال ذوي ميول سياسية للعمل على المصحف، ولكن ليس هناك رأي جازم في ما يخص التغيير أو التحريف.

مجزرة مسجد البصرة

كان الحجاج يرى أن أهل العراق أهل فتنة وشقاق. ويقول الكاتب حسين بن سعدون في كتابه “البصرة ذات الوشاحين”: “قدم الحجاج إلى البصرة عند تنصيبه والياً عليها وذلك عام 75 هـ ومعه ألف مقاتل من الشام، وأربعة آلاف من أخلاط الناس وكان قاصداً دخول المدينة يوم الجمعة في وقت الصلاة وأمر مقاتليه بأن يتوزعوا على أبواب المسجد، مئة مقاتل لكل باب وكان في المسجد ثمانية عشر باباً، وأخذ معه مئتي جندي ودخل بهم المسجد وأمرهم أن يخفوا السلاح تحت الثياب، واتفق معهم على أنه إذا نزع عمامته يُخرجون سيوفهم ويذبحون كل مَن بالمسجد بدون استثناء”.

وهذا ما حصل، وشهد ذاك اليوم قتل الكثيرين من أهل البصرة كما أمر الجنود الذين على الأبواب بأن يقتلوا كل مَن يحاول الهرب من المسجد ثم قال خطبته الشهيرة داخل مسجد البصرة: “قد ولاني عليكم أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان وقلدني بسيفين سيف الرحمة وسيف العذاب والنقمة. أما سيف الرحمة فإنه سقط مني في الطريق وأنا قادم إليكم وسيف العذاب والنقمة فهذا هو”.

قتل سعيد ابن الجبير وشكوى “خادم الرسول”

يقول المحدث والفقيه ابن كثير في كتابه “البداية والنهاية” إن صاحب الرسول وأحد رواة حديثه أنس بن مالك كان قد شكا الحجاج بن يوسف الثقفي إلى عبد الملك بن مروان بسبب تعسفه وتجبره وكتب له خطاباً قال له فيه: يا أمير المؤمنين قد قال لي هجراً وأسمعني نكراً ولم أكن لذلك أهلاً. وكان ذلك بسبب دعمه لثورة ابن الجارود.

وفي حادثة أخرى، يروي الباحث أحمد سعيد زايد أنه قتل أحد كبار المفسرين للقرآن وتلميذ عبد الله بن عباس، الفقيه سعيد بن الجبير، وقام بذبحه كما تذبح الكباش، وذلك بسبب دعمه لثورة عبد الرحمن بن الأشعث.

ضرب الكعبة بالمنجنيق

اختير الحجاج لقيادة الجيش الذي حاصر عبد الله بن الزبير وقاتله. وحسب دكتور محمود زيادة في كتابه “الحجاج المفترى عليه”، فإنه “قام بنصب المنجنيق أعلى جبال مكة، وبدأ في ضرب الكعبة بعد تحصن ابن الزبير وجنوده بها، فكانت غايته تبرر الوسيلة ولم يرَ ما يمنعه من فعل ذلك، وكانت وفود الحج في هذا الوقت قد جاءت من جميع الأقطار الإسلامية، وقد منعهم من الطواف بالبيت حتى لا تصيبهم الحجارة التي تُطلق من المنجنيق وهو ما جعل ابن عمر يكتب للحجاج: اتق الله فإنك في شهر حرام وبلد حرام، وقد قدمت وفود الله من أقطار الأرض ليؤدوا فريضة الله و يزدادوا خيراً”.

نهاية الحجاج

مات الحجاج على الأغلب في الـ25 من شهر شوال في سنة 94 هـ، ودفن في مدينة “واسط” العراقية التي أسسها.

ويذكر الباحث أمير المدري في بحثه المطول “الحجاج بن يوسف مواقف من حياته/ دماء وعطاء” أن موته “كان درامياً يشبه حياته تماماً، فقد مرض مرضاً غريباً يحكي عنه المؤرخون، كابن خلكان، إذ كان مرضه بالأكلة وقعت في بطنه ودعا بالطبيب لينظر إليها فأخذ لحماً وعلقه في خيط وسرحه في حلقة، وتركه ساعة ثم أخرجه وقد علق به دود كثير”.

وأصيب بالزمهرير (شدة البرد) فكانت الكوانين توضع حوله مملوءة ناراً، وتدنى جمرات منه حتى تحرق جلده وهو لا يشعر.

ويبدو أن الحجاج كان يستشعر في مرضه موقف الناس منه، فكان ينشد: إن الموالي إذا شابت عبيدهم/ في رقهم عتقوهم عتق أبرار/ وأنت يا خالقي أولى بذا كرما/ قد شبت في الرق فأعتقني من النار.