الأثنين: 21 يونيو، 2021 - 11 ذو القعدة 1442 - 05:17 مساءً
اقلام
الجمعة: 17 فبراير، 2017

في المعركة المعقدة التي يخوضها العراق ضد تنظيم داعش الارهابي ، لا يمكن الا أن نذكر بمزيد من الفخر والإعجاب دور الحشد الشعبي في تحرير مناطق واسعة من العراق . لم يكن هذا الدور مجرد إسناد للقوات النظامية جرى بمعزل عن حركة هذه القوات ، بل جرى بالتنسيق معها ، والأخذ بالحسبان طبيعة المعركة . لقد فرضت طبيعة المعركة ، وتعقيداتها ، من مسك الأرض ، ومنع القيام بهجمات مضادة ، واستخدام السيارات المفخخة ، واعمال الالتفاف التي اعتاد مسلحو داعش القيام بها ، الاعتماد على الحشد الشعبي ، وتوليد قوة نارية لا تستطيع المجموعات الارهابية تخطيها والمناورة عليها.

لابد من التوضيح أن الحشد الشعبي لم يولد من لحظة سياسية مرتخية ، ولا من مزاج عارض ، بل ولد من داخل أزمة سياسية وأمنية ، سببتها سياسة انقسامية لا مبالية أدارتها قيادة المالكي وانتهت بتسليم ثلث العراق بيد التنظيم الارهابي . بيد أن الذي منح الرصيد الأول للحشد ، وظهر كهبّة وطنية عارمة ، لم يكن قرارا سياسيا عن الدولة أو عن حزب سياسي ، بل عن فتوى الجهاد الكفائي للمرجعية الدينية المتمثلة بالسيستاني التي شكلت الاطار المرجعي والوطني للحشد الشعبي . إزاء ذلك ، وبسبب بعض الادعات والتبجحات السياسية لجماعات معروفة ، لم تأل المرجعية جهدا في توضيح أن قوات الحشد الشعبي خاضعة لتوجيهات وقيادة الجيش العراقي ، فمآلها أن تعارك معه ، وتسانده ، في إطار خططه التكتيكية والستراتيجية ، والقرارات التي يتخذها القائد العام للقوات المسلحة الدكتور حيدر العبادي.

لقد فهمت المرجعية هذا الدور أفضل بكثير من بعض القوى السياسية التي حاولت أن تجيّر انتصارات الحشد وتضحياته لمصلحتها ، وتقليص الدور الوطني لقوات الحشد واختزاله بمبررات وآفاق طائفية، ما ألحق الضرر بسمعة هذه القوات وأثار لغطاً وإشاعات غير مبررة ضدها .

والحال أن بعض القيادات السياسية التي رفعت أعلامها الخاصة في الحشد ، وأكدت عليها بروح استقلالية بعيدا عن الستراتيجية السياسية والعسكرية التي اعتمدها العبادي ، قامت عن وعي أو عن جهل ، بإحراج القائد العام للقوات المسلحة . ففي الوقت الذي أصبحت فيه قوات الحشد الشعبي جزءاً من المؤسسة الأمنية وعليها أن تخضع لها، تتصرف بعض القوى كقوى معادية للمجهود الأميركي الذي يحارب ضد داعش.. العدو المشترك للجميع ، سواء عن طريق التصريحات النارية أو التهديد ، غير مبالية بستراتيجية العبادي القاضية بالتحشيد الدولي واختصار الزمن والجهد للقضاء على هذا العدو المشترك .

يوضح هذه الستراتيجية المتحدّث باسم رئيس الحكومة العراقيّة حيدر العبادي، سعد الحديثي قائلا لموقع المونيتور: “إنّ موقف الحكومة العراقية من القوات الأميركية والتحالف الدولي، يكمن في إطار التنسيق والتواصل في الحرب ضد الإرهاب، باعتبار العبادي قائداً عاماً للقوات المسلحة، وضمن الصلاحيات الدستورية التي يمتلكها، يقوم برسم السياسات الدفاعية للبلاد”.

وأضاف أن “تعامل الحكومة مع الولايات المتحدة الأميركية طبيعي، وذلك لأن بغداد ترتبط مع واشنطن باتفاقية أمنية موقعة عام 2008، وما تقدمه أميركا من مساعدات يأتي ضمن حدود هذه الاتفاقية”.

والحال أن ستراتيجية العبادي تضع الاعتبارات الوطنية في المقدمة ، وهي تجمع جميع القوى الدولية المعادية للارهاب في هدف واحد ، ومن ثم تغير مواقفها المترددة من قبول الحشد الشعبي ، وتقضي على الاشاعات القائلة أن فصائل الحشد الشعبي تأتمر بإيران . كان الموقف الأمريكي المعلن من قوات الحشد يُعدّ سلبيا ، بل وطالب الحكومة بتحييد تلك القوات من المشاركة في تحرير بعض المناطق ، مثل مدينة الرمادي في الأنبار التي تحررت بدون مشاركة قوات الحشد استجابة لرغبة الولايات المتحدة. لكن نتيجة لسياسة العبادي في تجميع القوى لاحظنا كيف أن الموقف الأميركي من الحشد الشعبي تغيّر تدريجيا ، من متحفظ الى متفهم ، وإلى مشجع .

ففي مارس 2016 زار القنصل الأمريكي في البصرة ستيف ووكر جرحى من قوات الحشد الشعبي الراقدين في مستشفى الصدر التعليمي في البصرة ، وفي أثناء الزيارة التي رافقته بها قنوات تلفزيونية ، منها “الحرة” الأمريكية خاطب القنصل الجرحى باللغة العربية قائلا : ” تعترف الولايات الامريكية بالمساهمة المهمة التي يقدمها الحشد الشعبي تحت قيادة رئيس الوزراء، وأغلب الحشد الشعبي جاء من الجنوب، ولهذا أود أن أبعث تعازييّ لكل أهل البصرة والجنوب الذين فقدوا أحبائهم أو أصدقائهم في الحرب ضد داعش”.

كما تقرّب القنصل من الجرحى بحديث تضامني “الشعب الأميركي والشعب العراقي فخورون جداً جداً بكم”.

كانت دلالة هذا الحدث القوية تكمن في أنها جاءت متزامنة مع نقاش جار بشأن مشاركة قوات الحشد الشعبي في معركة تحرير الموصل . إذ نُقل عن ستيف ووكر خلال زيارته للمستشفى أن بلاده لا تضع أي فيتو على مشاركة الحشد الشعبي في معركة تحريرالموصل، وأن الأمر متروك لرئيس الوزراء العراقي حيدرالعبادي.
وبسبب سياسة العبادي المنفتحة باتت الولايات المتحدة واعية لطبيعة القوى الفاعلة في العراق بما فيها الحشد الشعبي. فقد صرّح جون الن المبعوث الرئاسي الخاص لتحالف الدول لمحاربة لتنظيم داعش لقناة سي بي اس في مايو العام الماضي بأن الحشد الشعبي يتكون من قوات متنوعة ومختلفة جدا، ففيها من يُعرف بالتشدد ، وفيها من هو مُنتظم تحت إدارة الحكومة العراقية. واستنتج الن أن على الولايات المتحدة القيام بدور إيجابي في دعم القوات المنتظمة من الحشد لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية.
لمعرفة طبيعة تغيّر الموقف الأميركي من الحشد الشعبي نقلت المونيتور تصريحات للدكتور نورمن ريكلفس، المستشار الأقدم السابق لدى القوات الأمريكية في العراق في مجال وزارة الدفاع والداخلية العراقيتين والرئيس الحالي للمؤسسة الاستشارية لشؤون العراق :
“أثبت الحشد جدارته ، وقد تطور تدريجياً إلى قوة منتظمة أكثر من السابق، وخاصة بعد عمليات تحرير تكريت؛ فمن المهم والجيد جداً أن نرى أن الاعتراف بالحشد الشعبي يرتفع في الأوساط الدولية. لكن على الحشد أيضا أن يُرحب بالدعم الدولي ويقلل من نبرة العداء ضد الولايات المتحدة، ويبذل جهوداً أكبر في الانتظام الإداري والقانوني ضمن القوات العسكرية الرسمية العراقية”.
تشكل سياسة العبادي الهادئة والواضحة دعما للحشد الشعبي على المستوى الدولي وغطاءً دولياً له ولانجازاته الوطنية في الدفاع عن العراق وسحق الإرهاب ، على عكس ما تفعله بعض القوى التي تمارس الزمجرة والتصريحات النارية !