الأثنين: 26 أكتوبر، 2020 - 09 ربيع الأول 1442 - 10:51 صباحاً
ثقافة وفن
الأربعاء: 4 يناير، 2017

حيدر ناشي آل دبس
بمناسبة مرور اثنين وخمسين عاماً على رحيل الشاعر الكبير بدر شاكر السياب تستذكره عواجل برس بتوجيه عدد من الأسئلة إلى بعض الادباء لقياس تأثير هذا الشاعر الرائد في الأجيال الجديدة من الشعراء والثقافة الشعرية وانطباعاتهم عنه .
توجهنا إلى الناقد عمر مصلح بهذا السؤال :
* مامدى عمق تجربة السياب الرائدة في الشعر العربي؟ وهل اعطت مفهوماً اخر لوظيفة الشعر؟
– تعتبر تجربة السياب انعطافة كبيرة في مسار الشعر العربي، اذ تمرد على الوزن والقافية واشتغل على قصيدة التفعيلة ومن ثم قصيدة النثر، وهنا اشتغل على مساحات اوسع ومديات اكبر لتوصيل صور جمالية كان الشعر العربي القديم يفتقد اليها كونه يجبر الناظم أحيانا على الحشو. لابد من ذكر ان الريادة للسياب في قصيدة التفعيلة فقط، اما قصيدة النثر فهو مجدد فيها، فلو عدنا الى ملحمة گلگامش او التوراة او غيرها من النصوص النثرية القديمة فهي عبارة عن اشعار نثرية بصورتها القديمة او البدائية، فالسياب مجدد قصيدة النثر على ما هي عليه اليوم من احتوائها على موسيقى داخلية وايقاع تناسبي.
تحطيم الصنمية
وتوجهنا إلى الشاعر علي مجبل وهو من شعراء قصيدة النثر بالسؤال الآتي :
* هناك من يعتبر الشعر الحديث الذي افتتحه السياب قلل من قيمة الشعر العربي وفخامته… ماتعليقك على هذا الرأي؟
– إن ما فعله السياب ونازك الملائكة في كسر القيود التي ورثناها عبر قرون من القهر والكبت والإنسحاقات كانت خطوة كبيرة في تحطيم الصنمية التي حولت الشعر إلى نص مقدس لا تستطيع الأجيال اللاحقة أن تتقرب منه أو تمسه وإلاّ كان مصيره الهلاك. أقول إنهما رائدان فتحا النهر ليكمل مجراه ولا بد للمياه العذبة أن تصل لأعالي الروح . إن البوح الإنساني المتمثل بالشعر يجب الا يتحول إلى دروس تعليمية.لابد من كسر القيود حتى أبعد من السياب وتجربته العظيمة.
الشعر الحديث والمسرح
وللخوض في جانب آخر من شعر السياب أو الشعر الحديث بوجه عام حاولنا معرفة علاقة الشعر بالمسرح فكان لقاءنا مع الفنان جمال الشاطي ووجهنا إليه السؤال الآتي:

* هل استطاع الشعر الحديث فتح بوابة للمسرح الشعري من خلال الحرية في مساحة قصيدة النثر أو التفعيلة لخلق بناء درامي مسرحي؟
– في الحقيقة لم يكن هناك تأسيس لمسرح شعري ، وكل ما جرى كان عبارة عن محاولات ، سواء في العراق أو العالم العربي. في العراق بدأت هذه المحاولات على يد خالد الشواف ومحمد علي الخفاجي ومعد الجبوري وغيرهم. وبهذه المناسبة يجب ذكر ان السياب كان له موقف مضاد من المسرح الشعري، لكن الكثير من قصائده تحوي على بناء درامي تصلح بأن تجسد بأعمال مسرحية، ولعل محاولة الكاتب والمخرج الدكتور عقيل مهدي في تقديمه مسرحية السياب تعد أهم التجارب التي تناولت حياته وشعره وعصره، والسياب في حياته الكثير من المتناقضات التي يمكن أن تكون عملاً درامياً ينتمي إلى ما يسمى المسرح الشعري.
حياة الشاعر
وللحديث عن حياة السياب السياسية سألنا القاص والاعلامي جمال الهاشمي عن هذه المحطة المهمة من حياة شاعرنا الكبير.
* شهدت مواقف السياب السياسية الكثير من التحولات المهمة… ياترى ماهي اسباب هذه التحولات والظروف التي احاطت به؟
– صحيح هنالك تحولات عميقة وأحياناً غريبة في حياة السياب ، فهو ينتمي لعائلة يسارية، وانتمى السياب للحزب الشيوعي العراقي في منتصف الاربعينات وعمل في صفوف الحزب عندما كان في البصرة. والتحول الثاني من حياته بعد مجيئه الى بغداد لاكمال دراسته، والتقى آنذاك بالعديد من مجايليه بالادب فأصبح خطيبا ثورياً ساهم من خلال قصائده في الاحتجاج السياسي على النظام الحاكم وخصوصاً في مشاركته بوثبة كانون اعتراضاً على معاهدة بورتسموث. وشكّل العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 المرحلة الأشرس من حياة السياب وكتب فيها أجمل قصائده (بور سعيد ) وشارك بالانتفاضة الشعبية المنددة بالعدوان وتهاون النظام الملكي مع القوى المهاجمة.
لكن التحول الغريب في حياة السياب كان بعد ثورة 14 تموز ، إذ انقطع عن اليسار وأصبح قريباً من مجموعة الثقافة الحرة في لبنان والتي اتضح بعد ذلك ارتباطها بالمخابرات الامريكية، وقد انتحر أهم نشطائها انيس الصائغ بعد كشف الارتباط، وكتب السياب مقالات هاجم فيها اليسار والزعيم عبد الكريم قاسم ويبدو انها كانت تعكس الحالة النفسية المنكسرة له . وقد اطلعت على الكثير من الآراء ورأيت أن القسم الاكبر يعزو ذلك الى انتهازية عبد الوهاب البياتي التي أدت الى نفور السياب مما اوصلته الى حد تهنئة القائمين بانقلاب 8 شباط ، وهي في كل الاحوال تعكس حالة السياب النفسية المنكسرة.
الأيام الأخيرة
وفي النهاية التقينا الشاعر عمر السراي للحديث عن أيام الشاعر الأخيرة.. وكان سؤالنا:

* مرّ الشاعر بدر شاكر السياب في أيامه الأخيرة بصراعات نفسية عجلت بوفاته.. يا ترى ما رأيكم بذلك؟
– قبل وفاة السياب كان يعيش الغربة النفسية، والمعروف عنه أنه متشرب بها ، لذا نرى أن أغلب قصائده تسير بهذا المنحى، وتجربته الاخيرة تشير إلى أنه تحوّل من قصائده ذات البعد التموزي إلى قصائد اخرى ذات بعد ذاتي ، وذلك من خلال ديوان شناشيل ابنة الجلبي الذي يضم آخر قصائده، فبدأ ينكفئ داخل نفسه مع تداعيات الذاكرة الطفولية والمدينة الأولى والحبيبة الأولى.
إن موته ظهر في قصائده الأخيرة من خلال ابتعاده عن السياب التنويري في غريب على الخليج وانشودة المطر.
عاش السياب عيشة ضنكة برغم أنه ينتمي إلى عائلة موسرة ، إلا أن المطاردة السياسية ومحاربة الرأي وخامة الشاعر نفسها جعلته لا يستقر على جهة واحدة، فسفره الدائم، شوقه الى الوطن، انكفاءه ، حبه للفتيات اللائي ركلنه (احبيني فإني كل من أحببت قبلكِ لم يحبوني) مخاطباً زوجته.
هذا هو بدر شاكر السياب الذي يبقى رمزاً مشرقاً ومميزاً وغريباً على الخليج ومن دون خليج.