الأثنين: 9 ديسمبر، 2019 - 11 ربيع الثاني 1441 - 02:04 صباحاً
سلة الاخبار
الثلاثاء: 19 نوفمبر، 2019

 تستمر التظاهرات الشعبية الحاشدة في العراق مع سقوط أكثر من 320 شهيدا وأكثر من 15 ألف جريح في مشهد دموي عملت على رسمه الحكومة وأجهزتها الأمنية وميليشياتها المختلفة.

 

وبعد مضي أكثر من شهر ونصف على بدء انتفاضة تشرين، تطرح العديد من التساؤلات عن إمكانية تحقيق العراقيين مطالبهم بإزالة النظام السياسي الحالي واستعادة بلادهم بعد 16 عاما من سيطرة الأحزاب ذات التبعية الايرانية على جميع مفاصل الدولة العراقية.

إصرار على المطالب

“عزيمة المتظاهرين لا تخبو، إذ أنهم لم يكتفو بالاحتجاج بل عمدوا إلى تنظيف المطعم التركي وساحة التحرير وفتح نفق التحرير”

بعد أكثر من 20 يوما على مرابطته في ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد، لا يزال الناشط “محمد قيس” مصرا على المكوث رفقة المتظاهرين حتى تحقيق المطالب التي خرجوا من أهلها.

 

قيس الذي يمتلك محلا في السوق العربي وسط بغداد، أكد  ” على أن محله مغلق منذ مجيئه للتحرير ولا ينوي العودة لافتتاحه حتى تحقيق حلمه وحلم العراقيين وإسقاط النظام السياسي الحالي الذي أرجع البلاد تستمرإلى العصور الوسطى، بحسب تعبيره.

وعن إمكانية تحقيق المتظاهرين أهدافهم، يؤكد قيس أن ثورتهم هي ثورة ضد الأحزاب الفاسدة التي دخلت البلاد بعد الغزو، مشيرا إلى أنه وبعد سقوط أكثر من 320 شهيدا وأكثر من 15 ألف جريح، فإنه من المستحيل على المتظاهرين انسحابهم من ميادين الاحتجاج وأن لا مناص من الاستمرار في التظاهرات حتى اسقاط النظام.

 

أما الصحفي “و. خ” من العاصمة بغداد والذي يغطي تظاهرات ساحة التحرير، فيؤكد أنه وبعد الذي عايشه وشهده من المتظاهرين، فإنه يجزم أنهم لن يعودوا إلى بيوتهم قبل تحقيق مطالبهم، مستشهدا بكم البطولات التي يقدمها المحتجون وصمودهم أمام مختلف الانتهاكات التي يتعرضون لها من قبل الأجهزة الأمنية والميليشيات.

 

“لا تزال الحكومة الحالية ترفض الاستقالة على الأقل لامتصاص غضب بعض المتظاهرين”

ويضيف الصحفي الذي فضل عدم الكشف عن اسمه الصحريح لأسباب أمنية، أن عزيمة المتظاهرين لا تخبو، إذ أنهم لم يكتفو بالاحتجاج بل عمدوا إلى تنظيف المطعم التركي وساحة التحرير وفتح نفق التحرير الذي كان مغلقا منذ 16 عاما، فضلا عن إضاءة نصب التحرير الذي لم تفلح أمانة بغداد بجميع فاسديها من إنارته على الاطلاق.

 

ويختتم الصحفي حديثه بالإشارة إلى أن الحكومة الحالية منزوعة الإرادة وهي رهن قائد فيلق القدس الايراني “قاسم سليماني” وبالتالي فإن التظاهرات العراقية تعالج الآن من خبراء الحرس الثوري المتمرسين في القمع والتنكيل بالمدنيين، لافتا إلى أن خلاص العراق من هذه الطغمة الحاكمة سيتطلب مزيدا من التضحيات.

تسويف حكومي وقمع

تشير أحداث الأسابيع الماضية إلى أن الطبقة السياسية الحالية مصرة على استمرار العراق في وضعه الحالي على الرغم من بعض الاصلاحات الشكلية التي عمد البرلمان إلى إقرارها مؤخرا.

 

إذ يقول أستاذ علم الاجتماع السياسي “رضوان الحيالي”  ” إنه من المستبعد أن تخضع الطبقة السياسية الحالية لمطالب المتظاهرين، إذ وبعد دخول التظاهرات اسبوعها الرابع، لا تزال الحكومة الحالية ترفض الاستقالة على الأقل لامتصاص غضب بعض المتظاهرين.

 

ويضيف أن من يتحكم بالعراق فعليا كتلتان سياسيتان تتمثلان بكتلتي الفتح وسائرون، لافتا إلى أن هاتين الكتلتين تضمان غالبية وزراء الحكومة والدرجات الخاصة ومن خلفهم الفصائل المسلحة ذات التبعية الايرانية.

 

وعن إمكانية استمرار التظاهرات حتى تحقيق المطالب، يعتقد الحيالي أن الحكومة ومن خلفها الكتل السياسية الحاكمة تسير وفق نهجين اثنين، الأول المماطلة في تلبية المطالب ومحاولة حصر التظاهرات في ساحة التحرير وما جاورها مع قمع أي تحرك خارجها، مشيرا إلى أن النهج الثاني الذي بدأت الحكومة تعتمده هو إحداث الفوضى والرعب في ساحات الاعتصام من خلال تفجيرات وعبوات ناسفة داخل ساحات التظاهر في محاولة لجر المتظاهرين إلى العنف حتى تكون للحكومة الحجة البينة في قمع التظاهرات.

 

“الطبقة السياسية الحالية مصرة على استمرار العراق في وضعه الحالي على الرغم من بعض الاصلاحات الشكلية”

ويختتم الحيالي حديثه مؤكدا أن ما حدث في ساحة التحرير ببغداد وساحة الحبوبي في الناصرية من تفجيرات ليل يوم الجمعة 15 من تشرين الثاني/ نوفمبر يؤكد أن الحكومة بدأت تتجه نحو النهج الثاني في محاولتها فض الاحتجاجات بأي شكل كان.

 

أمنيا، يرى العديد من الخبراء أن الحكومة ستزيد من قمعها للمتظاهرين بعد دخول احتجاجاتهم أسبوعها الرابع، ويؤكد هذا الطرح الضابط في الجيش العراقي السابق “خليل إبراهيم”  يقول: “لا تملك الحكومة أي شيء لتقديمه للمتظاهرين سوى القمع، فالقرار ليس بيدها، وحتى الملف الأمني في بغداد والمحافظات المنتفضة بات العسكريون الإيرانيون يسيطرون عليه من خلال أذرعهم العسكرية في العراق وتحكم الميليشيات بمجمل المفاصل الأمنية من جيش وشرطة وأمن وطني وحشد شعبي، وبالتالي فإن تحقيق المتظاهرين لمطالبهم أمر مستبعد خاصة أن العراق لا يملك جيشا حقيقيا يمكنه الانقلاب على السلطة الحاكمة”.

 

ويضيف أن خطف الناشطين والصحفيين والاغتيالات التي حدثت ومن بعدها تفجير العبوات الصوتية والناسفة، كلها مؤشرات تشي بأن الطبقة السياسية الحالية لن تسلم العراق إلا بعد تدميره أكثر من الدمار الذي عليه الآن.

 

وعلى الرغم من ذلك، إلا أن إبراهيم يؤكد على أن الشعب الذي خرج في مظاهرات حاشدة وللاسبوع الرابع على التوالي لن يتراجع عن تحقيق مطالبه مهما كلفه الأمر، إذ أن لكل يء ثمن، وثمن الحرية والخلاص من المنطقة الخضراء بمن فيها سيكون غاليا بالتأكيد، بحسب تعبيره.

قمع الميليشيات للمظاهرات

وتناولت الصحافة الدولية التظاهرات العراقية بمقالات رأي وتقارير عديدة، إذ نشرت صحيفة (الإندبندنت أونلاين) مقالا تحليليا للكاتب المختص بشؤون الشرق الأوسط “باتريك كوبيرن” بعنوان (كيف تسيطر الميليشيات المدعومة إيرانيا على العراق: طهران لديها خطة دوما)، ويقول إن الميليشيات المدعومة من إيران تطلق الرصاص الحي على المحتجين العراقيين لمحاولة إبعادهم عن قلب العاصمة بغداد وإنهاء الاحتجاجات المستمرة منذ ستة أسابيع، إذ أن التظاهرات الشعبية في العراق تشكل تحديا غير مسبوق للنظام السياسي القائم في البلاد منذ مجيئه في عام 2003.

 

“المظاهرات الحالية تعد أيضا أكبر أزمة تواجهها النخبة السياسية في العراق منذ اجتياح تنظيم الدولة (داعش) لأجزاء كبيرة من البلاد”

ويؤكد كوبيرن أن المظاهرات الحالية تعد أيضا أكبر أزمة تواجهها النخبة السياسية في العراق منذ اجتياح تنظيم الدولة (داعش) لأجزاء كبيرة من البلاد والسيطرة عليها، لافتا إلى أن التهديد الحالي للنظام السياسي في العراق جراء المظاهرات أقوى من تهديد التنظيم.

 

ويعتبر كوبيرن في ختام مقاله التحليلي أن قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني ومنظر السياسة الإقليمية لإيران “قاسم سليماني” هو من يقود جهود التصدي للمظاهرات هذه المرة عبر الاستخدام المفرط والممنهج للقوة، مستخلصا أن النخبة السياسية في العراق قررت التصدي للمظاهرات بكل الطرق الممكنة للحفاظ على مصالحها ومشيرا في الوقت ذاته إلى أن استمرار المظاهرات في الشوارع العراقية حتى الآن يجعل كل شيء ممكنا في ظل وجود هذا النظام السياسي الفاسد والحكومة الفاشلة، على حد تعبيره.

 

وهكذا تستمر التظاهرات الحاشدة إذن في بغداد والعديد من المحافظات، ويستمر معها القمع الحكومي المدعوم إيرانيا، وسط غموض في الموقف الذي ستكون عليه الأيام القادمة في ظل إصرار المتظاهرين على مطالبهم وإصرار الحكومة على قمعهم.