الثلاثاء: 23 يناير، 2018 - 06 جمادى الأولى 1439 - 09:48 صباحاً
ملفات
الأربعاء: 3 يناير، 2018

هيفاء زعيتر

دخلت التظاهرات في إيران يومها الخامس على التوالي، وما زالت المعلومات بشأن مسارها ومآلاتها قليلة.

الواضح كان حالة التخبّط  بين المحللين في مقاربة المشهد الإيراني، إذ تنقسم تحليلات ما يجري وسيناريوهات المستقبل بين من يحذوه الأمل بسقوط ولاية الفقيه ومن يلوّح محذراً من المؤامرة الخارجية.

منذ الثورة الإسلامية، بقي فهم الشارع الإيراني عصيّاً على الوضوح. إيران في الإعلام هي ولاية الفقيه والنظام والسياسات الخارجية، وبعض محاولات التحرّر “الإكزوتيك” التي تشدّ الانتباه إليها بين فينة وأخرى.

لكن المشهد الإيراني الذي بدأ بالتشكّل ليل الخميس الماضي بدا مربكاً مع نزول المتظاهرين إلى الشوارع في العديد من المناطق، في تحركات هي الأكبر منذ سبع سنوات.

مع ذلك، فإن الفروقات بين الحراكين كبيرة. في العام 2009، اقتصرت التظاهرات على المدن الكبرى، وكان لها قيادات واضحة كموسوي وكروبي، وكان لها شعارات محددة ضد إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد، بينما تحركات اليوم طالت العديد من المناطق الريفية من دون رأس محرّك.

فكيف يقرأ العالم الغضب الإيراني؟ وما الذي يعوّل عليه أصدقاء إيران وأعدائها على السواء؟

الانطلاقة من مشهد

ليل الخميس، في الثامن والعشرين من ديسمبر، تجمّع كثر في مشهد للتظاهر ضد السياسيات الاقتصادية للحكومة الإيرانيّة.

في المدينة الإيرانية الأكبر، بعد طهران وقم، عبّر الآلاف، من موظفين حكوميين وقطاع خاص ومتقاعدين، عن استيائهم من ارتفاع الأسعار المتزايد خلال السنوات الماضية وتأخر مستحقات التقاعد وخسارة الأموال والحرمان من حقوقهم كمواطنين إيرانيين.

رمزية المشهد الذي انطلق من مدينة الإمام الرضا المقدسة، لاقى صداه لدى مناطق أخرى تعيش تحت وطأة السياسات الاقتصادية، كرشت وكرامنشاه وأصفهان وساري ومناطق أخرى.

أتى ذلك بعدما أعلن الرئيس حسن روحاني، في 10 ديسمبر الماضي، الموازنة الجديدة التي تنبئ بارتفاع أسعار جديد يثقل كاهل الإيرانيين، الذين عبّروا في المقابل عن استيائهم من كرم إيراني فائض في المنطقة.

بدا ذلك بوضوح في الشعارات التي تناقلتها مناطق عدة كـ”لا غزة ولا لبنان، أقدم حياتي لإيران”.

وعلى هذا الشعار، يعلّق السجين الإيراني السابق مزيار بهاري، في مقال في “واشنطن بوست”، قائلاً إن “العديد من الإيرانيين يرون في كرم النظام مع حماس وحزب الله ونظام الأسد والحوثيين أمراً غير ضروري، لا بل فيه خيانة لهم”.

خرج شعار “دعوا سوريا وشأنها، فكروا بنا” في مشهد. ثم برزت نوستالجيا الشاه في قم، وفي نجف آباد هتف المتظاهرون “لا نريد الجمهورية الإسلامية” و”الموت للحرس الثوري” في رشت و”الموت للديكتاتور” في خرم آباد.

وقد أسفرت التظاهرات عن مقتل حوالي 21 شخصاً، واعتقال أكثر من 450، في حين أجمعت تصريحات صادرة عن مسؤولين إيرانيين على ضرورة التصدي لأعمال الشغب، محذرة من “مؤامرات أجنبية” تدبرها أمريكا وإسرائيل وبعض الأطراف الإقليمية.

جاء ذلك على وقع تشديد التضييق على وسائل التواصل الاجتماعي، وتحذيرات أخرى للمتظاهرين بإمكانية التورط في قضايا قد تصل عقوبتها للإعدام، كما حذر رئيس المحكمة الثورية في طهران موسى غضنفر آبادي.

أقوال جاهزة

شاركغردمنذ الثورة الإسلامية، بقي فهم الشارع الإيراني عصيّاً على الوضوح… كيف يقرأ العالم الغضب الإيراني؟ وما الذي يعوّل عليه أصدقاء إيران وأعدائها على السواء؟

شاركغرد”العديد من الإيرانيين يرون في كرم النظام مع حماس وحزب الله ونظام الأسد والحوثيين أمراً غير ضروري، لا بل فيه خيانة لهم”

ما الذي تغيّر؟

قبل الإجابة عن سؤال مماثل، تفيد هنا مقارنة سريعة مع أحداث العام 2009.

بحسب المتخصص في الشأن الإيراني مصطفى اللباد، عدا عن غياب القيادة الواضحة وتوسع رقعة المطالب مقارنة بالأحداث السابقة، فإن “الطبقة الوسطى كانت الرديف الأساسي للإصلاحيين عام 2009، في حين أن الشرائح الاجتماعية ما دون ذلك هي محرك التظاهرات الحالية على ما يبدو”.

ويضيف اللباد أننا “رأينا خلال اليومين الماضيين موقفاً أمريكياً واضحاً داعماً للتظاهرات، في حين لم يقم الرئيس الأمريكي السابق بدعم تظاهرات العام 2009”.

قد يكون تحديد العامل المحرك للتظاهرات، وتأرجحه بين الاقتصادي والسياسي، صعب، ولكن ثمة عوامل عدة يمكن التوقف عندها هنا.

“هي أعوام من الظلم السياسي والاقتصادي والاجتماعي التي قادت الناس إلى الشوارع”، حسب مدير الأبحاث في المجلس الأمريكي الإيراني الوطني رضا ماراشي الذي أشار إلى “العقوبات التي أدت إلى تفاقم جميع المشاكل الاقتصادية في إيران”.

من جهته، يشير علي الرضا نادر، الباحث في معهد “راند”، إلى فقدان الإيرانيين الثقة بروحاني وسياساته النيوليبرالية في ظل الإنفاق المتزايد إقليمياً.

يُضاف لذلك اتساع رقعة الفساد وغياب العدالة، وسط خيبة أمل قطاع من الإيرانيين من عدم تحسن الوضع المعيشي بعد رفع جزء من العقوبات في أعقاب الاتفاق النووي 2015. “هو النظام الذي كان يفترض أن يحقق العدالة بعد ثورة العام 1979، قد فشل”، يقول نادر.

وبحسب الموازنة المطروحة، سترتفع أسعار النفط ويتم الاقتطاع من الإعانات المادية، في وقت بدا لافتاً ارتفاع أسعار البيض مثالاً بنسبة 40 في المئة.

كما بدا واضحاً الزيادة في ميزانية المؤسسات الدينية، وهو ما يظهر خارج إرادة روحاني، المنتخب في العام 2013، حسب “بي بي سي”.

أما كريم سجادبور، الباحث في “كارنيغي”، فيشير إلى العنصر النسائي القوي والمتعلم، والذي يتخبط بين غياب العدالة وسياسات التضييق.

وبينما يحاول النظام حالياً استيعاب الأزمة، وتقديمها باعتبارها مناهضة لروحاني حصراً، فقد لعب عدم الانسجام بين أجنحة النظام الإيراني في مفاقمة الوضع، وربما محاولة استغلاله لاحقاً.

كل ذلك يُضاف إليه تغيرات لوجستية في الشارع الإيراني، فعلى سبيل المثال، يشير سجادبور في “ذا أتلانتيك” إلى أنه في العام 2009، عندما نزل حوالي 3 ملايين إيراني إلى شوارع طهران، مليون فقط كان يملك هاتفاً ذكياً.

“اليوم، حوالي 48 مليون من الإيرانيين يملكون هواتف ذكية، وحوالي 40 مليون يستعملون تليغرام”، وفق سجادبور.

لكن المشكلة تبقى في التضييق الرسمي. بينما يعرف الإيرانيون تفصيلياً ما يجري حولهم في العالم، يعجز الأخير عن فهمهم تماماً، في ظل منع صحافيين وباحثين وكتاب كثر من دخول إيران، ويتخوف الباقون فيها على سلامتهم.

هل هي ثورة ثانية؟

ليس بعد. قد يكون الجواب الأنسب بناء على تجارب سابقة، وعلى معطيات حالية.

لغاية الآن لم تبزغ أي قيادة للتظاهرات على العكس من الحركة الخضراء في العام 2009.

وبينما يعوّل البعض على هذه التظاهرات في قلب النظام الإيراني أو دفع الحكومة لمعالجة المظالم الشعبية، فإن التجربة تظهر أن العكس هو صحيح، إذ سيصبح النظام أكثر قمعاً وسيتهم المتظاهرين بأنهم أقلية تحركهم أيادي خارجية، كما عاجل روحاني الوضع بتصريحاته.

في المقابل، يرى آخرون أن الشعب الإيراني قد تعلّم من تجارب 40 عاماً تحت حكم الجمهورية الإسلامية، أن يرفع صوته تدريجياً وبذكاء، فإن لم تصل التظاهرات إلى خواتيمها الموعودة بسهولة وهذا المرجح، سيعود الغضب على النظام للظهور مجدداً في المستقبل القريب.

بدوره، استبعد سجادبور توسع أعمال العنف قائلاً “في العام 1979، اختبر الإيرانيون الثورة من دون ديموقراطية، والآن يطمحون لتحقيق الأخيرة من دون ثورة”. وشرح أن الغاضبين في إيران قد يكون لديهم مآرب ثورية، لكنهم لن يكرروا تجربة السوريين أو غيرهم كما حصل في السنوات القليلة الماضية.

إيران في عين العالم: سعادة ترامب

لم يكن مستغرباً استخدام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لموقع “تويتر” عدة مرات دعماً للمتظاهرين، ودعوة الحكومة الإيرانية لإتصاف الإيرانيين. هكذا، لم يخالف الرئيس الخطابات الأمريكية السائدة والتي ترى فيها الإدارة أن الحل الرئيسي للتغيير في إيران يكون بتغيير النظام.

لكن كثر تخوفوا من موقف ترامب الذي يحاول أن يركب موجة التظاهرات.

في مقال له في “نيويورك تايمز”، قال فيليب غوردون إن الطريقة الوحيدة التي يساعد فيها ترامب الإيرانيين تكون بعدم تدخله في شؤونهم”، موضحاً أن “خروج الإيرانيين ضد حكومتهم لن يكون بأي شكل من الأشكال نتيجة دعم واشنطن”.

بدوره، علق ماراشي بالقول إن “التظاهرات إيرانية المنشأ وإيرانية الخواتيم”، بينما قال بارسي إن محاولة تدخل ترامب، الذي أقر قانون حظر السفر على الإيرانيين ويلوح بنسف الاتفاق النووي، مضرة لأنه لا يمثل أي مصداقية لإيران.

مع ذلك، لا يظهر أن لأمريكا قدرة حتى الآن على تحريك تظاهرات إيران، وكذلك حال السعودية التي يستبعد المحللون وقوفها وراء التظاهرات الإيرانية، لكنهم يتفقون على احتفائها بالشرخ الإيراني الذي ذلك يصب حكماً في مصلحتها.

وبينما تستمر الدعوات لتظاهرات أخرى، تصل للنظام الإيراني مواقف داعمة من حلفائه وأخرى داعية للهدوء والحوار كما جاء من رئيس الوزراء البريطاني. وتبقى الأغلبية متفرجة، بقلق وحماس، على ما تحمله الأيام المقبلة من ردود إيرانية رسمية لا يُستبعد منها اتخاذ كافة الإجراءات عندما يتعلق الأمر بتهديد النظام.