الأحد: 21 أكتوبر، 2018 - 10 صفر 1440 - 04:35 مساءً
ملفات
الأربعاء: 13 يونيو، 2018

عبد اللطيف الحاجي

مطلع شهر مايو الماضي، بادرت المملكة المغربية إلى قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الجمهورية الإيرانية، وطلبت وزارة الخارجية المغربية من القائم بالأعمال الإيراني في الرباط مغادرة البلاد فوراً. بررت الوزارة خطوتها باتهام حزب الله اللبناني والسفارة الإيرانية في الجزائر بالتورط في تقديم مساعدات مالية ودعم عسكري لجبهة البوليساريو.

وأتى هذا القرار بعد سنتين فقط من إعادة الدفء إلى العلاقات بين البلدين، إثر انقطاع للعلاقات بينهما دام ثماني سنوات، من 2009 إلى 2016.

بخلاف الفترة التي تلت استقلال المغرب، عام 1956، وحتى قيام الثورة الإيرانية عام 1979، وهي فترة تميّزت فيها العلاقة بين الملك المغربي الراحل الحسن الثاني وشاه إيران محمد رضا بهلوي بالتواصل المستمر والزيارات المتبادلة، فإن العلاقات بين المغرب وإيران تميّزت بالصراع المحتدم.

فبعد سقوط نظام الشاه، غادر الأخير باتجاه مصر، لكن الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات رفض استقباله. وبعد أن طافت طائرته في الأجواء ورفض الجميع استقباله، بمَن فيهم حلفاؤه الأمريكيون أنفسهم، قرر الحسن الثاني استضافته ومنحه اللجوء السياسي، قبل أن يتراجع عن ذلك في ما بعد.

هكذا، وبعد زيارة قصيرة إلى المغرب، غادر الشاه إلى جزر الباهاماس. لكن العلاقات المغربية الإيرانية ستدخل بعد ذلك نفقاً من قطع العلاقات سيستمر طويلاً، إذ ردّت إيران بالاعتراف بجبهة البوليساريو، وتلت ذلك مجموعة من المواقف الحادة بين البلدين.

فسنة 1980، قام الحسن الثاني بجمع العلماء وأعضاء المجالس العلمية في المملكة من أجل إصدار فتوى تكفّر قائد الثورة الإيرانية، وذلك على خلفية تصريح للخميني حول “مكانة المهدي المنتظر” أثار استهجاناً من طرف معتنقي المذهب السني في العالم أجمع.

وبرز في مسلسل الصراع المذكور توظيف السياسي والديني، ما يدفعنا إلى طرح تساؤلات عن جوهره. هل هو صراع سياسي يتلبّس بلبوس ديني-مذهبي؟ أم هو صراع ديني بين مشروعيتين يتم تصريفه في إطار قرارات سياسية؟ وما هي حدود الدين والسياسة في هاتين المشروعيتين؟

السني والشيعي في الصراع المغربي الإيراني

يرى الباحث في التواصل السياسي وسوسيولوجيا الأديان الدكتور سعيد جعفر أن اللجوء إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإيران بشكل مستمر “أكبر بكثير من مجرد خلافات ظرفية حول نقاط بعينها كنشر التشيع واتخاذ مواقف ضد السيادة أو القول بتمويل جهات ما”، ذلك أن المسألة محكومة بثقل التاريخ الإسلامي.

فالأمر، بحسب صاحب كتاب “الزاوية والحزب بالمغرب: أصول الاستبداد السياسي”، يعكس تدويراً طبيعياً لتاريخ التزاحم بين المملكة المغربية السنية والجمهورية الإيرانية الشيعية، ولوقائعه ومؤجلاته التي لم يتم فيها الحسم منذ الخلافة النبوية.

ويقول لرصيف22 إن “هذا التدوير سيستمر باستمرار عناصره ومعطياته ومؤجلاته، وسيتخذ أشكالاً مختلفة ستتلون بتلون التدافعات والمصالح التي تفرضها كل مرحلة سياسية”.

ففي مسلسل العلاقات المغربية الإيرانية منذ ثورة 1979، تجدد التدافع المذهبي بين البلدين و”كانت للمؤجلات الدينية والمذهبية أشكال من الحضور وستكون حاضرة لرسم أي تدافع مستقبلي”، بحسب جعفر الذي يضيف أن ذلك جرى “بالتوازي مع منعطفات جيوسياسية دولية تحفّز هذه المؤجلات التاريخية، وتوفّر للنظامين الملكي المغربي السني والإيراني الشيعي فرصاً لتجديد إثبات الذات أو الامتداد والتوسع”.

وحالياً، بحسب جعفر، فإن الجو السياسي الملائم لإعادة انبعاث “المؤجلات التاريخية” خلقته عودة روسيا إلى المشهد السياسي الدولي وصراع القوى الدولية في الداخل السوري، وعودة طرح قضايا تقرير المصير والانفصال من خلال مشاريع إقامة الدولة الكردية، ومحاولة انفصال كاتالونيا، وتطور سلوكات البوليساريو.

ويرى جعفر أن “انبناء الصراع بين المغرب وإيران على المعطيات المذهبية لا يمنع من القول إنه لا ينتمي كلياً إلى واقعه وعصره، إذ يعكس نوعاً من الممارسة السياسية غير الدقيقة بين البلدين”.

ففي البلدين توجد سلطات ثلاث (تنفيذية وتشريعية وقضائية) تفرزها انتخابات دورية فيها حدود معقولة من نزاهة وسلامة التعبير الشعبي، و”لكن فوقهما سلطتان دينيتان متشابهتان في الشرعية والبنية والوظائف، هما سلطة إمارة المؤمنين في المملكة المغربية وولاية الفقيه في الجمهورية الإيرانية، وكلاهما يزاوجان بين المضمون الديني والمضمون السياسي”، بحسب جعفر.

لا يتعلق الصراع بين المغرب وإيران بصراع مذهبي سني-شيعي، ذلك أن العلاقات المغربية الإيرانية كانت متميزة بالإيجابية قبل قيام الثورة الإيرانية، ولعب الملك الراحل الحسن الثاني أدواراً في ردم الهوة بين قائد الثورة الإيرانية، حين كان يقيم في العراق، وبين الشاه محمد رضا بهلوي الذي كان يحظى باحترام كبير من طرف الملك.

وكان الحسن الثاني أيضاً يحظى باحترام منقطع النظير في إيران على اعتبار انتمائه لآل البيت.

ولكن الأمر هنا يتعلق بسلطتين دينيتين لهما حضور في الواقع السياسي. فما هي طبيعة كل سلطة منهما؟ وبمَ يتميز حضورهما في الحقل السياسي للبلدين؟

إمارة المؤمنين بين التاريخ والدستور

يؤكد الباحث المغربي في مقارنة الأديان محمد سعيد لرصيف22 أن إمارة المؤمنين في المغرب ذات مضمون سياسي أولاً، قبل أن تكون لها طبيعة دينية، ذلك أن مؤسسة “إمارة المؤمنين” تستعمل الدين للحفاظ على وجودها السياسي وجوهرها التراثي.

ويلفت إلى أن الخلفية الدينية الحديثة للدولة الإسلامية تتمثل في دولة الخلافة التي انتهت أيديولوجيتها الدينية بسقوط الإمبراطورية العثمانية سنة 1924. وبرأيه، لم يعد ممكناً استدعاء مضامينها في ظل سيادة الدولة القطرية.

تمثل إمارة المؤمنين في الحقل السياسي المغربي أعلى سلطة سياسية ودينية، ولها حمولات تاريخية ممتدة عبر تاريخ الدول المتعاقبة على الحكم في المشرق والمغرب، ولكنها اكتست طابعاً خاصاً في المملكة المغربية بعد دسترتها في أول دستور للمملكة سنة 1962 وإلى حدود آخر وثيقة دستورية لسنة 2011.

يمثل الملك في النظام السياسي المغربي رئيساً للدولة المغربية، وأمير المؤمنين ذا النسب الشريف. وبهذه الثنائية الدينية والسياسية يحتكر مجال الدين باعتباره مجالاً استراتيجياً خاصاً به، ولذلك لا يسمح لأي مواطن أو جماعة أو هيئة بالحديث باسم الدين حفاظاً على وحدة الأمة ووحدة مذهبها المالكي وعقيدتها الأشعرية، وحفاظاً على وحدة مواطنيها مسلمين كانوا أو يهوداً.

ولاية الفقيه… بديل عن الغيبة الكبرى

في المقابل، يرى الشيعة أن الإمامة مهمة إلهية كمهة الرسول، إذ يحتل الإمام موقع المرجعية الدينية التي تمتد مهمتها إلى قضايا وأبعاد محتلفة في العقائد والأحكام والأخلاق والقيادة، بحسب الباحث في علم الاجتماع الديني والمهتم بالفكر الشيعي محمد أكديد.

وبعد وفاة الإمام الحادي عشر، الحسن العسكري، في سامراء سنة 260 هـ، اختلف الناس حول وجود خلف له، وشهد الصف الشيعي تصدعاً كبيراً بعد أن تركت غيبة “الإمام المعصوم” صاحب الولاية المطلقة فراغاً في الموقع الشرعي للسلطة، وهنا “نشأت إشكالية كبرى سوف يحاول الفقه السياسي الشيعي، وخلال أزمنة لاحقة معالجتها”، حسبما يقول أكديد لرصيف22.

من بين الحلول المقترحة في الفكر الشيعي الإمامي لشغل الفراغ الذي نتج عن الغيبة الكبرى ظهور تيار شيعي يرى بضرورة وجود دور للفقيه في غيبة الإمام، وقد حدد هذا التيار دور الفقيه في البداية بما يتعلق بالأمور الدينية والاجتماعية، ولكن هذا التصور تطوّر مع تأسيس الدولة الصفوية في إيران سنة 1500، وذلك بالحديث عن الدور السياسي للفقيه.

وبناء على هذا المتن التاريخي المؤسس لـ”ولاية الفقيه” في الفكر الشيعي، استند الإمام روح الله الخميني في كتبه للتأصيل لها، إذ يرى أن الأدلة التي توجب الإمامة هي نفسها توجب ولاية الفقيه، لأن “الفقهاء ورثة الأنبياء وأمناء الرسل”، ولا يرثون العلم والحديث فقط، بل إن الولاية قابلة للانتقال والتوريث أيضاً.

غير أن أكديد يؤكد أن هناك اليوم مَن يعارض ولاية الفقيه بـ”ولاية الأمة” التي تؤسس للدولة المدنية في الفكر الشيعي، كما أن للسجالات القائمة بين تيار المحافظين وتيار الإصلاحيين داخل الأوساط الشيعية دور كبير في زحزحة الكثير من المسلمات المتعلقة بـ”ولاية الفقيه” وسلطتها السياسية.

إمارة المؤمنين وولاية الفقيه في النسق السياسي الراهن

يرى أكديد أنه لا يمكن وضع إمارة المؤمنين وولاية الفقيه في موضع تعارض وصراع لأنهما ببساطة مختلفان جغرافياً وفلسفياً، ذلك أن ولاية الفقيه عند الشيعة لها شروط توفرت في عدد محدود من “أئمة أهل البيت”، في الوقت الذي كان يطلقها السنة على خلفائهم دون إلزامهم بشروطها.

ويضيف أن ولاية الفقيه هي اجتهاد فقهي قد يعارضه الكثيرون اليوم حتى من داخل إيران نفسها، وأن حديث البعض عن التعارض والصراع بين إمارة المؤمنين وولاية الفقيه يأتي نتيجة للمواجهة التي احتدّت بين رهانات “الخميني” بعد نجاح الثورة، من خلال رغبته في تصديرها إلى الدول السنية ومنها المغرب، وبين موقف النظام المغربي الذي يُعتبر فيه الملك أميراً للمؤمنين.

وكان الحسن الثاني يرى في الولي الفقيه منافساً له على المرجعية والمكانة بعد أن بات بعض المغاربة يعتنقون التشيع ويرون في “الجمهورية الإسلامية” في إيران نموذجاً للإسلام الثوري.

في المقابل، يرى الدكتور سعيد جعفر أن المؤسستين، إمارة المؤمنين في المغرب وولاية الفقيه في إيران، ستستمران في المزاوجة بين المضمون الديني والمضمون السياسي، لكنه يسجل للحالة المغربية تملكها لحظوظ أكبر في تمييز إيجابي بين الوظيفتين لتمرّسها التاريخي وموقعها الجغرافي وللتنوع العرقي للجماعة البشرية بالمغرب وانفتاحها وتقبلها للاختلاف، في حين أن الحالة الإيرانية صعبة جداً وذلك لطريقة ولادتها كثورة دينية بالإضافة إلى حداثة عمرها ونقص تجربتها التاريخية والسياسية واستمرارها في التجريب وكذا حجم الصراعات التي تنخرط فيها.

إفريقيا مسرحاً لصراع المشروعيتين

يرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بكلية الحقوق بمراكش محمد الزهراوي، في حوار مع جريدة الأحداث المغربية (عدد 6511 – السبت والأحد 05/06 مايو 2018)، أن إيران سعت وبشدة للدخول إلى إفريقيا، وسخّرت لذلك طاقات إعلامية واقتصادية وبشرية من رجال حزب الله اللبناني، أو اللبنانيين الشيعة الموالين لها، وأغلبهم يتحكم في اقتصاد بعض الدول مثل ساحل العاج وسيراليون ونيجيريا وحتى جنوب إفريقيا.

ويضيف أن إيران ساهمت في تأسيس حزب الله النيجيري بقيادة الشيخ النيجيري إبراهيم الزكزاكي الذي يُطلق عليه لقب “خميني نيجيريا”، وأصبح الشيعة في نيجيريا أكثر من سبعة ملايين شخص يوالون إيران.

ويشير إلى أن المغرب تنبه للمد الإيراني ومحاولته تغيير الهوية الدينية السنية للقارة عبر نشر المذهب الشيعي، فقرر مواجهته، وإلى أن إيران تحاول استغلال مشكلة الصحراء الغربية للتغلغل في المنطقة معتمدة في ذلك على علاقاتها القوية مع الجزائر، لتضع بذلك قاعدة لوجستية للتمدد أفقياً في منطقة شمال إفريقيا.

أما المغرب، فقد عزز حضوره الاقتصادي والديني في عمق القارة الإفريقية، وأسس الملك المغربي محمد السادس رابطة للعلماء الأفارقة ومؤسسات دينية تقوم بتوزيع المصاحف وترعى المساجد في عموم إفريقيا جنوب الصحراء.

كما أن المملكة المغربية تعزز من دورها في تكوين الأئمة والمرشدين الأفارقة داخل المؤسسات الدينية المغربية كدار الحديث الحسنية وباقي المؤسسات.