الثلاثاء: 25 فبراير، 2020 - 29 جمادى الثانية 1441 - 09:46 مساءً
سلة الاخبار
الثلاثاء: 21 يناير، 2020

عمار السوّاد

كان رئيس البرلمان العراقي، محمد الحلبوسي، واضحاً في الجلسة النيابية للتصويت على قرار إخراج القوات الأمريكية من العراق، في الخامس من كانون الثاني/ يناير الحالي. قال إن الحضور في الجلسة شيعي، بمعنى أن لا أحد سوى النواب الشيعة قد حضر.

حيث بالطبع. القيادة الكردية رفضت وترفض بصراحة مجرد التفكير في إخراج القوات الأمريكية من البلاد. أما النواب السنّة، فيفتقرون كالعادة، إلى الوضوح في الالتحاق بموقف الأكراد، وعلى أي حال لا يبدو أنهم يرغبون في أن يكونوا طرفاً في معركة يخوضها المحور الإيراني من خلال البرلمان العراقي. وأظن أن القليل من النواب العلمانيين، أو غير الإسلاميين، يدركون أنها ليست معركتهم أيضاً.

 

وفي ما هو متوفر من معلومات، خضع عدد غير قليل ممّن صوتوا على القرار، قبل الجلسة، لتهديد من قبل القيادات السياسية المرتبطة بطهران. لا إجماع شيعياً. وأصدّق وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو حين قال إنه اتصل بأكثر من خمسين مسؤولاً عراقياً وقالوا له في السر إن بلادهم بحاجة إلى استمرار عمل التحالف الدولي، ومِن بين مَن اتصل بهم قادة شيعة.

 

وبعيداً عن المزايدات الوطنية من كل الأطراف، دخلت العلاقة بواشنطن في العراق وما تزال، في سوق المزايدات والمصالح، رفضاً وقبولاً. تبرير الرافضين لبقائها في العراق خطابهم بمنطلقات وطنية هو مقولات إعلامية بينما الأسباب في الواقع كثيرة، وأضعفها الحرص على استقلال الوطن.

استعادة الطائفية

وضوح محمد الحلبوسي عبّر بشكل أو بآخر عن المأزق المستمر داخل الحياة السياسية العراقية: المأزق الطائفي المستدام والعميق في كل مفاصلها. في المقابل، عملت الاحتجاجات الشعبية على اجتياز هذا المأزق، من خلال مطلب كفّ يد إيران عن العراق، كأحد المطالب الرئيسية لدى جمهور منتفض، أغلبه من الشيعة. فرغم دور طهران، وقائد فيلق القدس الذي اغتالته واشنطن، قاسم سليماني، في الحرب ضد داعش في العراق، لم يتردد الجمهور في النظر إلى أدوارها الأخرى بعين الرفض خصوصاً لكونها أمّ ساسة قادوا منظومة النهب.

 

خطاب الحلبوسي موجَّه إلى غرف السياسة التي رفض الشارع منطقها، ويعبّر عن أن الحاكمين، من كل التوجهات، ليس في منظورهم التخلّص من كارثة الشقاق المذهبي والاستجابة لما يحصل في الشارع الشعبي من مساع لتغيير المسار، أو اللحاق بهذا الشارع. فأقل ما يقال عن المسار السياسي إنه منفصل عن الشارع، ويسعى إلى إدامة الأسباب التي جعلت الحاكمين حاكمين، أي الطائفية.

 

المسار السياسي في العراق منفصل عن الشارع، ويسعى إلى إدامة الأسباب التي جعلت الحاكمين حاكمين، أي الطائفية… وإعادة الحديث عن مشروع إقليم سنّي يلاقي سياسات الاحتكار الشيعي على تحقيق هذا الهدف

الحراك الشعبي ومكوّناته

لا حراك يُذكر في جلّ المحافظات السنّية، لأن القوة العسكرية الشيعية أرسلت بوضوح رسائل أن القمع سوف يكون عنيفاً، تحت ذريعة عدم تكرار تجربة داعش التي يُقال إن أحد أهم عواملها كان اعتصامات سنّية بدأت نهاية عام 2012. وبالطبع لا حراك كردياً يُذكر. الناشطون الأكراد يتظاهرون أو يساهمون في تظاهرات بغداد دون أن يتحركوا في السليمانية أو أربيل.

 

الوضع يندرج ضمن المحاولة السياسية الحثيثة لخلق سياق معيّن يحصر الحراك الشعبي في نطاق محدد لتسهيل تصنيفه، وبالنهاية تسهيل القضاء على توجهاته وأهدافه. ولعب رئيس الجمهورية برهم صالح على الوتر نفسه، حين هدد بالاستقالة دون أن يستقيل، في محاولة منه للقول إنه مع المتظاهرين مع بقائه على مائدة الحاكمين، لأن حصته السياسية كمنتمٍ لمكوّن معيّن تستدعي ذلك.

الإقليم السنّي

وأظن أن رئيس مجلس النواب مهّد عبر تصريحه اللافت في البرلمان، إلى أمر مهم آخر، كجزء من حراك الحاكمين للالتفاف على مخاطر الاحتجاجات عليهم. فقد ذهب إلى الإمارات للدخول في مفاوضات سريّة مع قيادات سياسية سنّية أخرى حول موضوع إنشاء إقليم خاص بالسنّة على غرار كردستان. الرجل غرّد بعدها دون أن ينفي أو يؤكد، لكنه اكتفى باتهام مَن اتهموه بتهديد وحدة العراق، ولم يكشف سبب وجوده في الإمارات في زيارة لم يعلن عنها.

 

هناك أكثر من سبب سيمنع تطوّر مشروع إنشاء إقليم سنّي في العراق، لكن هناك محاولة لإيصاله إلى الحد الذي يجهض مساعي العراقيين لامتلاك زمام المبادرة وتحقيق استقلال وطني مدعَّم بدولة مدنية ديمقراطية

 

هذا الالتفاف هو امتداد للعب السياسي الشيعي الذي حاول منذ اللحظة الأولى توجيه الأنظار عن معركة الشعب ضد الحكم، إلى معركة بين بغداد وواشنطن، أو بين محور “المقاومة” والولايات المتحدة. القصف الذي لم يتوقف ضد قواعد أمريكية منذ انطلاق التظاهرات، واتهام المحتجين بالارتباط بالسفارة الأمريكية، كان جارياً على قدم وساق حتى أتى الرد الأمريكي بقصف كتائب حزب الله، وبدا في البداية مفيداً لهم جداً، فظنوا أن مواجهة السفارة بشكل مباشر ستكون مربحة، فجاء رد أمريكي غير متوقع بقتل سليماني.

 

وحتى يتم الحفاظ على شكل الصراع القديم، من أجل ديمومة مراكز القوى الحاكمة، الشيعية والسنّية والكردية، كان لا بد من تحرّك سنّي أيضاً. موضوع الإقليم السنّي هو المدخل، مع سعي إلى دعم إماراتي له بشكل مشابه لتجارب أبوظبي في ليبيا والسودان واليمن والصومال…

 

الموضوع ليس جديداً بالطبع، غير أن المدخل المذهبي مهم. لم يكن هناك من دور إماراتي بارز لدعم القوى السنّية العراقية في السابق. السعودية وقطر وتركيا وسوريا، قبل 2011، كانت لاعبة أكبر في هذا المجال. وكان يُقال إن الإماراتيين لديهم نفوذ في أربيل.

 

اتفاق الحاكمين في اختلافهم

وأياً يكن، فإن مثل تلك التحركات ذات الطابع المذهبي ستكون على حساب العراقيين الذين انتفضوا ليس طائفياً بل لإنهاء العوامل الطائفية التي خلقت واقعاً مريضاً ومشوّها. ولا أشك في أن هذه التحركات، وإنْ كانت موجهة ضد تحركات الاحتكار السياسي الشيعي وضد تمرير قرار إخراج القوات الأمريكية، ستكون بشكل أكيد منقذاً مهماً للإبقاء على سخونة الخلاف المذهبي والقومي، وتكريسه لاستمرار القوى والجماعات المتنفذة بفضل ذلك الخلاف.

 

هناك أكثر من سبب سيمنع تطوّر مشروع الإقليم السنّي، لكن هناك محاولة لإيصاله إلى الحد الذي يجهض مساعي العراقيين لامتلاك زمام المبادرة وتحقيق استقلال وطني مدعَّم بدولة مدنية ديمقراطية. وصدق مَن قال إن أكثر البلدان المحيطة بالعراق تريده كما هو، قابل للشراء والبيع في سوق البورصات المذهبية والقومية