الثلاثاء: 20 أكتوبر، 2020 - 03 ربيع الأول 1442 - 06:15 صباحاً
على الجرح
الأربعاء: 11 يناير، 2017

بدا خبر تنفيذ أنبوب النفط مع الأردن مفاجئا بعض الشيء للكثيرين ، فقد جاء في سياق زحمة أخبار سياسية هائلة تعج فيها منطقتنا ، كما أنه ظهر أثناء زيارة رئيس الوزراء الأردني إلى بغداد ، واجتماعه برئيس مجلس الوزراء العراقي الدكتور حيدر العبادي ، مع وجود أجندة لهذه الزيارة بشأن قضايا عاجلة ترتبط بأمن البلدين ، وتنشيط التبادل التجاري بينهما ، وفتح الجدود البرية وتأهيلها . بيد أن أنبوب النفط الذي أشار اليه العبادي وضيفه الأردني هاني الملقي عدّ تطوراً كبيراً بين البلدين لم تكن هناك علامات كثيرة تشير إليه، كما أن الظروف التي يمر بها العراق في حربه العادلة والمعقدة مع الارهاب أخفت الكثير من خطط سابقة تحت ركام سوء الفهم السياسي ، والخلافات السياسية ، وأعمال التسويف ، تميزت بها القيادة العراقية السابقة.

 
من الواضح وجود اتفاق سابق بين العراق والأردن بشأن تنفيذ هذا المشروع ، كما يوجد مخطط زمني له ، فالعراق والاردن سيباشران تنفيذ مشروع مدّ أنبوب النفط العراقي إلى الأردن في هذا العام 2017 . والمعروف أن البلدين استكملا مباحثاتهما بشأن أنبوب النفط مؤخرا . ففي منتصف الشهر الماضي، زار وفد أردني بغداد برئاسة وزير الطاقة والثروة المعدنية إبراهيم سيف، والتقى بوزير النفط العراقي جبار لعيبي لهذه الغاية.

 
التوقعات تشير إلى أن المباشرة في التنفيذ ستبدأ في الأشهر الأولى من هذا العام ، بعد أن تستكمل طرح العطاءات الخاصة به . وكانت شركة المشاريع النفطية التابعة لوزارة النفط العراقية، دعت شركات الطاقة والمستثمرين إلى تقديم العروض لبناء وتمويل المرحلة الأولى من أنبوب النفط الذي يمتد من مدينة البصرة العراقية إلى ميناء العقبة الأردني.

 
وتشمل المرحلة الأولى من المشروع على أعمال الهندسة والتوريد والبناء والتمويل لخط أنابيب يعمل على نقل النفط والغاز، ويربط حقول البصرة بمحطة طاقة قرب مدينة النجف.

 
وتقدر تكلفة المشروع بنحو 18 مليار دولار، وجرى تغيير مسار الأنبوب المقترح بسبب سيطرة (داعش) على أجزاء واسعة من منطقة الأنبار في شرق العراق . وكان من المقرر مدّ الأنبوب من البصرة إلى العقبة وتجري تغذيته بمحطة ضخ حديثة في محافظة الأنبار.

 
هذا ووقّع العراق والأردن في أبريل/ نيسان 2013 اتفاقية إطار لمد الأنبوب الذي يبلغ طوله 1700 كيلومتر، وتقدر سعته بمليون برميل يومياً. والمسؤولون العراقيون يأملون أن يبلغ الإنتاج النفطي 9 ملايين برميل في اليوم، بحلول 2017، مقابل نحو 3.5 ملايين برميل في اليوم حالياً، وهو هدف متفائل جداً بحسب صندوق النقد الدولي ووكالة الطاقة الدولية. ومن الواضح أن الظروف أعاقت هذا الهدف الواسع ، فضلا عن التخبط السياسي والاقتصادي الذي شهده العراق .

 
ووفق الخبراء فإن البلدين ، العراق والأردن ، يعولان على المشروع لتحقيق منافع اقتصادية، فهو بالنسبة للعراق منفذ دائم لتصدير نفطه من خلال ميناء العقبة الأردني ، كما يؤمن احتياجات الأردن من النفط الخام بكلفة أقل ويتيح الاستغناء عن الصهاريج التي تقوم بعمليات النقل حالياً.

 
والحال إن الأردن سيكون أحد المنتفعين من المشروع ليس على المستوى الاقتصادي وحسب ، بل على مستوى تحرير إرادته السياسية كذلك . وحسبرئيس لجنة مقاومة التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي في الأردن مناف مجلي، فإن لهذا المشروع أهمية كبيرة من ناحية تعزيز التعاون الاقتصادي العربي، إضافة إلى أنه بديل للجانب الأردني عن شراء الغاز من الاحتلال الإسرائيلي، بموجب اتفاقية وقعت بين الطرفين مؤخراً.

 
وأضاف مجلي أنه بعد المباشرة بالمشروع لن يكون أمام الأردن مبررا للإبقاء على اتفاقية شراء الغاز من الاحتلال، بحيث سيحصل الأردن على كامل احتياجاته من النفط والغاز من العراق، إضافة إلى الحصول على عائد مادي بدل مرور الخط بأراضيه والتصدير إلى دول أخرى.

 
والمعروف أن الأردن عمل في السنوات الأخيرة على تنويع مصادر التزود بالنفط والغاز وذلك بعد تعرضه لخسائر كبيرة جراء انقطاع الغاز المصري. وتقدر خسائر شركة الكهرباء الحكومية بنحو 7 مليارات دولار بسبب التحول لإنتاج الكهرباء باستخدام الوقود الثقيل بعد انقطاع إمدادات الغاز المصري.

 
يشير خبراء ومراقبون في حقل الطاقة أن تنفيذ أنبوب النفط بين العراق والأردن هو خطوة كبيرة ذات بعد قومي بين بلدين جارين لم تستطع الأحداث السياسية ، وبعضها نوع من الدسائس ، التفريق بينهما . ففي الأردن جالية عراقية فعالة يشيد بها الأردنيون حكومة وشعبا ، كما أن السلطات الاردنية نفسها تعلمت من التجربة أن العراقيين جماعة منتجة وكريمة لا تشكل تهديدا ، بل إنها في الأصل هربت من التهديد ، ومن المشكلات الأمنية التي يحاول العراق ، مع أصدقائه وأشقائه ، ومنهم الأردن ، التخلص منها .

 
يرى مراقبون سياسيون أن العودة إلى مشروع ستراتيجي سبق أن خُطّط له ، وتخليصه من التسويف ، في عهد رئيس الوزراء حيدر العبادي ، أمر له دلالة . فطريقة العبادي المنفتحة ، والتي تؤكد على مصلحة العراق أولا وأخيرا ، والتخلي عن الروح السياسية المجردة والطريقة الشعاراتية اللتان أساءتا إلى المصالح العراقية العليا ، تأتي الآن ثمارها اليانعة. فالعراق في عهد العبادي بات أهلا للثقة والاحترام ، فهو يقاتل بشراسة عدو الانسانية الرئيسي ، ويقدم التضحيات الجسام ، فيما هو لا يصنع أي اعتراضات باسم مبادئ متعالية ، وهي سياسة ثبت فشلها في عهد الدكتاتورية ، كما في عهد المالكي . وبالعكس فهو يجمع الآخرين ويدلهم على الخطر الرئيس وأهمية مساعدة العراق ، فهو يخوض المعركة الرئيسية ضد داعش على أرضه.

 

 

والحال أن العراق في عهد العبادي يتحرك بين ألغام السياسة العالمية والإقليمية بطريقة هادئة وعاقلة ، ولا يذهب بعيدا في أي اتجاه يختارها الآخرون له . على هذا النحو حظي بالثقة ، فخلال فترة قصيرة زار العراق الرئيس الفرنسي ، ورئيس وزراء التركي ، وأخيرا رئيس الوزراء الأردني .

إزاء مشروع أنبوب النفط بين العراق والأردن فإن المراقبين الذين يربطون هذا المشروع بالمنفعة الاقتصادية المؤكدة بين البلدين ، يؤكدون بالمقابل أن العراق في هذه الخطوة سينوّع مصادر تسويقه النفطي ، بما يجعله يتحرر من الضغوط والابتزازات السياسية التي لها تاريخ في هذه المنطقة غير المستقرة من العالم . وبدلا من وجود خط تصدير واحد عبر تركيا إلى موانئها ، سيتمكن العراق ، بكلف أقل ، ومخاطر أقل ، من تصدير نفطه عبر مكان يتمتع بالأمن والاستقرار ويمتلك ميناءً حديثاً ، وهو يحتاج أكثر من غيره إلى هذا النفط نظرا لانه يعاني من ضغوط اقتصادية وسياسية حددناها في هذا التقرير .

 
والحال يشكل هذا الأنبوب للبلدين خطوة مهمة في الأمنين الأقتصادي والسياسي ، وهو درس في العقلانية ، نود أن نراه يتكرر دائما على الصعيد العربي والمنطقة.