الثلاثاء: 11 ديسمبر، 2018 - 02 ربيع الثاني 1440 - 03:29 مساءً
دفاتر
الخميس: 15 مارس، 2018

محمد يسري

“السلطان إما في القصر وإما في القبر” و”الملك عقيم”.

بتلك الجمل وبغيرها، اعتاد العرب والمسلمون التعبير عن شهوة السلطة والحكم، تلك التي يُصاب بها الحكام والملوك، فتستحوذ على عقولهم وتستأثر بقلوبهم، فلا تتركهم إلا بعد أن تصنع منهم طغاة متجبرين قساة، لا يأبهون لمنطق ولا يرتدعون لشرع.

أو على الأقل تلك هي السردية المسلّم بها عن السطلة في سياقاتها العربية الإسلامية.

ولكن أنساقاً مختلفة ومتنوعة تُهمّش في هذه المقولة، والطيف الواسع لتعامل الشعوب الإسلامية مع السلطة يختزل بفكرة “الصراع على السلطة”، والتمسك بها.

تحاول المقالة إلقاء الضوء على نسق من الأنساق المغيبة، لقادة تنازلوا عن الحكم، وتركوا النفوذ واستقلوا بحياتهم بعيداً عنه، دون استخدام العنف أو اراقة لبحور لا أخر لها من الدماء.

الحسن بن علي: حفيد الرسول الذي آثر إنهاء الحرب الأهلية بين المسلمين

في نهايات 35هـ/ 656م، اشتعلت الثورة ضد حكم الخليفة الثالث عثمان بن عفان، فقُتل في منزله لتبدأ بعدها الحرب الأهلية بين المسلمين وبعضهم البعض.

تصور لمعركة صفين والطرفين المتصارعين فيها

قضى الخليفة الرابع علي بن أبي طالب فترة حكمه منشغلاً في محاولة القضاء على الفتن والانشقاقات التي أصابت الدولة، واغتيل في رمضان 40هـ/ 661م، في الوقت الذي كان فيه الأمويون بزعامة معاوية بن أبي سفيان قد استأثروا بحكم الشام، وأضحوا قوة لا يستهان بها.

الحسن بن علي، الذي بويع بالخلافة بعد أبيه، وجد نفسه مطالباً بالتصدي للشاميين، فعمل من فوره على حشد أنصاره وشيعته، وحاول بكل طاقته أن يستنهض همم أهل العراق.

ولكنه أدرك أنهم لن يساندوه في معركته الصعبة المقبلة، ومما زاد من صعوبة مهمته أن الخوارج الذين انقلبوا على أبيه يوم معركة صفين، قد ناهضوه هو أيضاً وعملوا على التخلص منه وقتله.

ويُجمل الشيخ المفيد (تـ. 413هـ)، تلك الظروف الصعبة التي تعرض لها الحسن في كتابه الإرشاد إلى معرفة حجج الله على العباد، بقوله:

“فازدادت بصيرة الحسن عليه السلام بخذلان القوم له، وفساد نيات المحكمة فيه بما أظهروه له من السب والتكفير واستحلال دمه ونهب أمواله، ولم يبق معه من يأمن غوائله إلا خاصة من شيعته وشيعة أبيه أمير المؤمنين عليه السلام، وهم جماعة لا تقوم لأجناد الشام”.

تلك الظروف العصيبة، استغلها معاوية بن أبي سفيان بشكل ممتاز، فأرسل للحسن يعرض عليه الصلح والهدنة، وأن يتم حقن دماء المسلمين بعد طول قتال وحرب، وبالفعل قبل الحسن بذلك الصلح، وقدم معاوية إلى الكوفة وبويع فيها كخليفة جديد للمسلمين بعد أن تنازل الحسن بشكل علني عن منصبه، وعرف ذلك بـ”عام الجماعة”.

ورغم أن الكثير من قادة المعسكر العلوي في تلك الأثناء قد لاموا الحسن على عقده لذلك الصلح، إلا أنه أصر على إتمامه، وفسر ذلك لبعض أصحابه بقوله:

“إن معاوية نازعني حقاً هو لي دونه، فتركته لصالح الأمة ودفعاً للفتنة”، وذلك حسبما ورد في كتاب الفصول المهمة في معرفة الأئمة لابن صباغ المالكي (تـ. 855هـ).

وقد أوردت المصادر التاريخية الإسلامية، الشروط والبنود التي وردت في اتفاق الصلح ما بين الحسن ومعاوية.

حيث تذكر أكثر المصادر السنية أن الطرفين قد اتفقا على أن يتم اختيار خليفة معاوية من بين أهل الصلاح والعدالة والدين من المسلمين، وأن يجري اختياره وفق معايير الشورى.

بينما تذكر عدد من المصادر الشيعية، ومن بينها بحار الأنوار للمجلسي (تـ. 1111هـ)، أن الاتفاق قد نص صراحة على أن يكون الحسن بن علي هو خليفة معاوية على كرسي الحكم.

معاوية بن يزيد: الأموي الذي زهد في السلطة والحكم

كانت فترة حكم الخليفة الأموي الثاني يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، من أصعب الفترات وأشدها وطأة على المسلمين طوال تاريخهم.

لم يتورع يزيد، الذي قضى في الحكم ثلاثة أعوام فقط، عن إرسال جيش كبير لقتل الحسين بن علي وأهل بيته في كربلاء، وذبح الأنصار وأهل المدينة المنورة في موقعة الحرة، ورمي الكعبة بالمنجنيق لإجبار عبد الله بن الزبير على مبايعته والرضوخ لمطالبه.

ومن الغريب أن يكون خليفة يزيد في الحكم، مخالفاً له في كل شيء، وكأنما شاءت الأقدار أن يجتمع كل من الطمع وحب السلطة من جهة والزهد والقناعة من جهة أخرى في بيت واحد.

بعد وفاة يزيد في 64هـ/ 684م، آل الحكم إلى ابنه الوحيد معاوية، الذي عرفه المؤرخون باسم معاوية الثاني، تمييزاً له عن جده الذي أسس الدولة الأموية.

تواترت صفات معاوية بن يزيد الخيرة في الكتابات التاريخية التي أرخت لعصره، فعلى سبيل المثال يصفه شمس الدين الذهبي (تـ. 748هـ) في كتابه سير أعلام النبلاء، بقوله “كان شاباً ديناً خيراً من أبيه”.

هذا الخير الذي يتحدث عنه الذهبي، وضح عندما رفض معاوية انتهاج سياسات أبيه وجده، فاعتزل الخلافة بعد أقل من شهرين فحسب من تولي مقاليدها، وانصرف إلى العبادة متجنباً كل الصراعات السياسية الدائرة في جنبات العالم الإسلامي يومئذ.

وبحسب ما يروي المسعودي (تـ. 356هـ)، في كتابه مروج الذهب ومعادن الفضة، فإن معاوية بن يزيد رفض تسمية خليفة له، ورد على أقربائه الأمويين الذين طلبوا منه المشورة والنصح، فقال لهم:

“أتفوز بنو أمية بحلاوتها وأبوءُ بوزرها وَمَنْعِها أهْلَها؟ كلا! إني لبريء منها”.

أبو بكر بن عمر اللمتوني: المجاهد الذي تخلى عن السلطة ومات شهيداً في الصحراء

في أواسط القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، ظهرت قوة جديدة في بلاد المغرب وهي الدولة المرابطية الصنهاجية التي استطاعت أن تتمدد بسرعة لتستحوذ على مساحات واسعة من بلاد المغرب والأندلس.

أبو-بكر-بن-عمر-اللمتوني

كان الفقيه عبد الله بن ياسين، هو الزعيم والقائد الروحي للمرابطين، فكان بمثابة المرشد الدعوي والديني لهم.

ومع هذا فقد قام بتعيين عدد من القادة الميدانيين لتلك الجماعة الفتية، وراعى في اختياره أن يكون هؤلاء القادة منحدرين من قبيلة لمتونة التي كانت أكبر وأقوى قبائل صنهاجة في هذا الوقت.

في 450هـ/ 1058م تقريباً، توفى يحيى بن عمر قائد المرابطين، فقام ابن ياسين بتعيين أبو بكر بن عمر اللمتوني بدلاً منه، وبعد وقت قليل توفي المرشد الروحي للجماعة، لتجتمع القيادة الروحية والزعامة القبلية في شخص أبي بكر، الذي وسع من رقعة توسعاته وسيطر على مناطق جديدة في المغرب الأقصى.

خلال تلك الأحداث المتسارعة، وصلت لمسامع أبي بكر أخبار اقتتال القبائل المسلمة في جنوب المغرب وبلاد مالي وغانة، فعزم على المسير إلى تلك الأنحاء لضبط أمورها، وندب ابن عمه يوسف بن تاشفين ليخلفه على حكم المغرب حتى ينتهي من مهمته.

وبعد بضع سنوات من القتال والجهاد في الجنوب، رجع أبو بكر مرة أخرى إلى عاصمة المرابطين في مراكش، فوجد مُلك يوسف بدعم من زوجته قد عظم واستفحل، كما لمس تثاقل نائبه عن تسليم الحكم له، فعرف أبو بكر بأن ابن عمه لن يتنازل عما في يده من سلطة بسهولة.

فآثر أن يتنازل عن الحكم بشكل سلمي دون أن يشعل الحرب بين المرابطين وبعضهم البعض.

وبحسب ما ورد في كتاب الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى للشيخ أحمد بن خالد الناصري، فإن قائد المرابطين لما لقي ابن تاشفين عقب رجوعه، خاطبه قائلاً:

“إني قد وليتك هذا الأمر وإني مسؤول عنه فاتق الله في المسلمين وأعتقني وأعتق نفسك من النار ولا تضيع من أمور رعيتك شيئاً فإنك مسؤول عنه. والله يصلحك ويمدك ويوفقك للعمل الصالح والعدل في رعيتك وهو خليفتي عليك وعليهم”.

ثم انطلق أبو بكر مرة أخرى إلى الصحراء، واستمر في حروبه التوسعية جنوباً، حتى قُتل في إحدى المعارك في 480هـ/1087م.

المتوكل على الله الثالث: الخليفة الذي تنازل عن سلطته الإسمية للعثمانيين

بعد دخول المغول بغداد 656هـ/ 1258م، قُتل الخليفة العباسي المستعصم بالله بأمر من هولاكو، وبقي المسلمون بدون خليفة لهم حتى قام السلطان المملوكي الظاهر بيبرس باستقدام أحد أفراد البيت العباسي للقاهرة، ونصبه خليفة جديداً بها.

في 921هـ/1516م، ومع بوادر الحرب ما بين المماليك والعثمانيين، وقع حدث مهم وغريب، ذلك أن الخليفة المستمسك بالله تنازل عن منصبه لابنه المتوكل على الله الثالث.

 

وهو الأمر الذي يلفت النظر للظروف الصعبة التي عانى منها الخلفاء في ذلك الوقت، ولكونهم قد فقدوا أي مميزات أو صلاحيات حقيقية، وصاروا مجرد أتباع يمشون في ركاب سلاطين زمانهم.

سرعان ما تم إجبار المتوكل على الله على التخلي عن منصب الخلافة بعد انتصار العثمانيين في موقعة الريدانية 922هـ/1517م.

فبحسب ما يذكر ابن إياس الحنفي في كتابه بدائع الزهور في وقائع الدهور، فإن السلطان العثماني سليم الأول قد اقتاده معه إلى إسطنبول، وهناك تحول لقب الخلافة للعثمانيين، ليصير سليم الأول هو أول الخلفاء الأتراك.

ويستمر ذلك اللقب ملاصقاً لأحفاده لما يزيد عن القرون الثلاثة، حتى تم إلغاء منصب الخلافة بشكل رسمي على يد مصطفى كمال أتاتورك في 1924م.

مراد الثاني: السلطان الذي زهد السلطة عقب وفاة ابنه

في 804هـ/ 1402م، وقع الصدام في موقعة أنقرة ما بين تيمورلنك قائد المغول وبايزيد الأول سلطان الأتراك العثمانيين، حيث تعرض العثمانيون لهزيمة ساحقة، عندما انكسرت القوة المسلحة لهم، وفقدوا أغلب أملاكهم في منطقة آسيا الصغرى.

مراد الثاني

بعد وفاة بايزيد الأول في أسر تيمورلنك، عمل ابنه محمد جلبي على لملمة شتات الصف العثماني، فلم يتوف في 1421م إلا وقد استطاع أن يسترجع بعض الهيبة المفقودة لدولته، وترك بقية المهمة الصعبة لابنه مراد الثاني.

وجد مراد نفسه مطالباً بالعمل الشاق على جبهتين في وقت واحد، فمن جهة تحرك لفرض سيطرته الكاملة على مناطق نفوذه في آسيا الصغرى وبلاد العراق والشام، ومن جهة أخرى بدأ في التوسع في منطقة البلقان وشرق أوروبا ضد جيرانه المسيحيين.

وفي ظل تلك الظروف العصيبة، وقعت حادثة أليمة أثرت كثيراً في شخصية مراد الثاني، وهي وفاة ابنه الأكبر وولي عهده علاء الدين، وكان أقرب الناس إلى قلبه، وأحبهم إلى نفسه.

بحسب ما يذكر محمد فريد بك في كتابه تاريخ الدولة العلية العثمانية، إن السلطان مراد الثاني قد أصيب بالحزن والغم، وانصرف عن شؤون الحكم والسلطة، فانكب على الصلاة والتعبد والذكر وقراءة القرآن، لعله يجد فيهم سلوى لفؤاده المنكسر.

السلطان مراد الثاني، يمارس الرماية (تصوير زيتي من عام 1584م)

وتنازل عن الحكم لابنه محمد الثاني الذي عُرف فيما بعد بالفاتح عقب استيلائه على القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية.

بحسب ما يذكر فريد بك في كتابه، فإن مراد اضطر إلى ترك عزلته والعودة لمساعدة ابنه الصغير في الحكم، في موقفين، الأول عندما هاجم المجريون الحدود العثمانية، والثاني عندما حاول بعض قادة الجيش الإنكشاري عصيان السلطان محمد صاحب الأربعة عشر ربيعاً.

سوار الذهب: الجنرال الذي أوفى بوعده وتخلى طواعيةً عن الحكم

يُعد الرئيس الأسبق لجمهورية السودان، عبد الرحمن سوار الذهب، أحد أهم وأندر النماذج التي تخلت طوعاً عن السلطة في المنطقة العربية في التاريخ الحديث والمعاصر.

سوار الذهب، الذي ولد في 1935م، وتدرج في المناصب العسكرية في الجيش السوداني بعد تخرجه من الكلية الحربية، كان يشغل منصب رئيس هيئة أركان الجيش السوداني، ثم وزير الدفاع وذلك في عهد الرئيس الأسبق جعفر النميري.

في شهر إبريل من عام 1985م، وفي ظل اشتعال الأحداث في البلاد، فيما عرف وقتها بانتفاضة إبريل، انحاز سوار الذهب إلى صف الحركات الثورية التي طالبت بإنهاء حكم النميري.

واتفق مع قادة الانتفاضة على ترأس الجمهورية السودانية لفترة مؤقتة، لحين تهيئة الأوضاع لتسليم السلطة لحكومة مدنية.

وهو ما تم فعلاً بعد عام واحد فقط، عندما تمّ تنصيب أحمد الميرغني رئيساً جديداً للبلاد، وتنحى سوار الذهب بعيداً عن المشهد السياسي برمته، ليمارس بعض النشاطات في حقل المجال الدعوي الإسلامي.