الخميس: 14 ديسمبر، 2017 - 25 ربيع الأول 1439 - 06:17 صباحاً
ملفات
الأربعاء: 29 نوفمبر، 2017

عواجل برس _ بغداد

سمير السعيدي

يلتقي هناك في الجنوب نهران عظيمان دجلة والفرات. وبلقاءاتهما المتكررة عبر التاريخ والجغرافيا يفيض ما يزيد من الماء والشوق والعطاء ليشغل ما يقارب أربعين ألفا من الكيلومترات المربعة على شكل مسطحات مائية في أراض منخفضة على حدود محافظات العمارة والناصرية والبصرة، مكونة امتدادا مائيا شاسعا يتخذ شكل مثلث تشتعل بين ثناياه غابات القصب والبردي وتسرح فيه مئات الأنواع من الطيور والحيوانات البريّة والأسماك.
أهوار جلجامش
تحاذي ذلك الفضاء مدن سكنها أهلها وولدوا فيها منذ ستة آلاف عام، ومازالت بقاياها الأثرية تحت هذه المياه وبالقرب منها أور وأريدو والوركاء، وفي تلك الممالك المائية تتناثر الجزر التي يسكنها أهل الأهوار في بيوت من القصب تسمى الصرايف ويتنقلون بين منازلهم وجزرهم والنواحي المحاذية لهم بالمشاحيف، فأهوار نهر الفرات تشغل من هذه المسطحات المائية حوالي عشرين ألف كيلومتر تمتد من منطقة الخضر إلى الكفل بين تلك المحافظات متمثلة في هور الجبايش، بينما يشغل هور الحويزة شرق دجلة ثلاثة آلاف كيلومتر مربع، وهور الحمّار غرب دجلة يشغل ما يقارب هذه المساحة أيضا.
“هو الذي رأى كل شيء”؛ أراد ثور هيردال عالم الأنثروبولوجيا النرويجي أن يثبت للعالم تلك المقولة المتكررة في ملحمة جلجامش، فبنى سفينة من القصب والبردي وأبحر بها أوائل ثمانينات القرن الماضي من منطقة الأهوار جنوب العراق ليطوف بها العالم متمثلا روح الإنسان السومري بالمغامرة والكرم والشجاعة والإبداع والطيبة والصبر والبساطة.
جمع هيردال أحد عشر مغامرا عاشقا للعراق من أغلب أقطار العالم من خبراء وفنانين ونحّاتين ومتسلقي جبال في تلك السفينة التي سمّاها دجلة، ليؤرشف ذاكرة تلك الممالك المائية الشاسعة الممتدة لآلاف الكيلومترات في أقصى الجنوب العراقي وهي تزخر بحياة إنسانية فريدة، مثيرة للدهشة والفضول والاكتشاف وتؤكد للباحثين على أنها فعلا الأرض البكر التي شهدت فجر الحضارات وأعطت للبشرية كل شيء.
شجرة آدم
في نقطة التقاء تلك الفراديس المائية زرعت شجرة آدم كما يجمع المؤرخون. وهي المنطقة التي يطلق عليها في سفر التكوين في العهد القديم “جنّة عدن”، حيث ورد ذكر نهري دجلة والفرات ونهر الكارون، بينما أغفلت التوراة ذكر سكانها السومريين الذين عاشوا في هذه المنطقة منذ ستة آلاف عام.

سفينة “دجلة” التي قادها الأنثربولوجي ثور هيردال، صنعها أهل الأهوار وهو معهم يدون ويعمل كبقية الفريق، وكان قصب سبتمبر تحديداً مادتها الأساسية
تلك المنطقة لم تكن تغيب عنها الأمطار وقتئذ كما تجمع المصادر. كانت ملتقى لهجرة القبائل العربية منها وإليها، ومازالت بعض تقاليدها ولغتها وعاداتها باقية ومتوارثة عند أجيال تلك القبائل اللاحقة. ولئن كانت الحقبة السومرية قد ظهرت في الألف الرابع قبل الميلاد فإن نشاط هجرة تلك القبائل العربية إليها قد كانت قبل ألفي عام كما تشير الأبحاث.
هنالك من ينظر إلى سكان الأهوار بازدراء ويسميهم بـ”المعدان” بقصد الإساءة، تضاف إليها مقولة درجت بلا مسوغات هي “تسمع بالمعيدي خير من أن تراه”، رغم أنهم من أقدم السلالات البشرية على وجه الأرض، ويشير المؤرخ وعالم الآثار الكبير طه باقر إلى أن أصل كلمة “معدان” سومري، وهي كلمة مشتقة من اسم النبي عاد، وقد أطلق البابليون تلك التسمية “ميدانو” في إشارة إلى السومريين من قبلهم، أي إلى أحفاد عاد.
عن أهل الأهوار يروي هيردال، قائد سفينة السومريين، في مذكراته ويقول إنهم ليسوا بدائيين مطلقا، بل لديهم سمات أخلاقية يندر تواجدها بين سكان المدن المعاصرة. وهم متحضرون بشاكلة أخرى تمثل امتدادا لتمسكهم بتقاليد أجدادهم السومريين، حيث يورد قول أحد المعمرين من سكان الأهوار في هذا السياق “نحن لسنا قرويين ولسنا فقراء كما ترى، نحن أغنياء بحريّتنا واعتزازنا بأنفسنا، ولن تجد جائعا بيننا هنا ولا سارقا أو مغتصبا كما يحدث في المدن الأخرى التي تعرفها، نحن نحترم أسلافنا ونثق بهم وبالمستقبل، هنا نملك كل ما نحتاج إليه، ولا نملك شيئا نخسره أو نخافه، هنا سمك يكفي الجميع، علف يكفي الجواميس، طيور وفاكهة وخضرة ونخيل، سجاجيد نصنعها من سيقان القصب، ونقايضها إن احتجنا بالطحين والقهوة والشاي والأقمشة من النواحي المجاورة”، ويضيف الأهواري “نساؤنا أجمل النساء بقوامهن الفارع المفتول الطويل، وبشعر رؤوسهن الأحمر الطبيعي، رغم عدم اختلاطنا بأجناس وشعوب أخرى عبر التاريخ”.
ملامح وطبائع البشر
يسهب الباحثون بدهشة عن حقيقة تلك الملامح التي يحملها أهل الأهوار، بما فيها شعر نسائهم الأحمر ويقارنون شيوعها بندرتها اليوم بين نساء الحضارات الأوروبية القديمة. شعب الأهوار ليس متمردا ضد حاكم ما، ولا يعنيه تعاقب الحكومات بشيء ما، ولا يعرف عنها شيئا. إنما يرفضون لأيّ سبب من الأسباب تغيير ما درجوا عليه عبر آلاف الأعوام، أو كل محاولة لتدجينهم بأيّ وسيلة، ولا يسمحون لأحد أن يخضعهم أو يتدخل في نواميسهم وتقاليدهم.
إيران تضيف إلى كل ما عانته الأهوار في الماضي، معاناة جديدة بتحويل مياه البزل المالحة لديها من جراء استصلاح الأراضي ومياه الصرف الصحي في مدنها الحدودية، باتجاه نهر الكارون ومن ثم مياه الأهوار بتواطؤ من الحكومة العراقية الموالية لطهران في بغداد
في ذات الوقت تشير الوثائق إلى أن الأهوار كانت مركزا لتجمعات الثوار والمتمردين عبر التاريخ. فقد لجأ إليها الزنج في القرن الثالث الهجري وصولا إلى أعضاء القيادة المركزية للحزب الشيوعي العراقي أواخر ستينات القرن الماضي والذين كان من ضمنهم الشاعر مظفر النواب ورفاقه لفترة ما. كما لجأ إليها المنتفضون العراقيون عام 1991 بعد حرب الخليج الثانية، عندها ابتدأت الحكومة العراقية بعمليات ترحيل الأهالي وهدم البيوت ورش غابات القصب بالمبيدات القاتلة، وقطعت المياه عن الأهوار، وحوّلت منسوب المياه المتراكمة منذ آلاف السنين باتجاهات أخرى.
إيران تنتقم من الأهوار
يضاف إلى كل ما عانته الأهوار في الماضي تحويل إيران اليوم مياه البزل المالحة لديها من جراء استصلاح الأراضي في مدنها الحدودية ومياه الصرف الصحي باتجاه نهر الكارون ومن ثم مياه الأهوار بتواطؤ من الحكومة العراقية الموالية لطهران في بغداد.
ويندرج هذا العدوان الإيراني على الأهوار في سياق الانتقام من هوية العراقيين الأصيلة والرغبة في طمس ملامحهم وكل ما يوحي بجذورهم الضاربة في عمق التاريخ. وقد تكررت كثيرا نداءات منظمات حقوق الإنسان الدولية لإغاثة بيئة الأهوار وسكانها بعنوان يكاد يكون واحدا “عدوان الحكومة العراقية على عرب الأهوار” حتى استجابت الأمم المتحدة عبر منظمة اليونسكو عام 2016 ووضعت الأهوار على لائحة محميات التراث الإنساني العالمي، ومعها معالم المدن المحاذية لها، أور وأريدو والوركاء.
حريق الحضارة
سفينة “دجلة” التي قادها هيردال صنعها أهل الأهوار وهو معهم يدوّن ويعمل كبقيّة الفريق، فجمعوا قصب شهر سبتمبر حصرا لأنه أصلبها طوال العام ويصل طوله إلى أربعة أمتار وأكثر. وربطوا أطراف القصب ببعضها مدعما بالقير، وأحكموا توصيلاتها الأخرى المصفوفة بأناقة وقوة وصبر وإبداع، وطلوها بنوع من أنواع البترول الأسود الثقيل ليسرّع من انسيابيتها وحركتها بمختلف أنواع التموجات البحرية.
دوّن هيردال ذلك مستحضرا روح السومري القديم بالأهواري الحالي، وأراد أن يوضح للعالم أهمية الرسالة الإنسانية وتواصلها الإبداعي السلمي عبر منجز السفينة كوثيقة متحرّكة بين البلدان، فانطلقت سفينة “دجلة” من الأهوار عبر نهر دجلة ثم شط العرب ومياه الخليج ثم عبرت مضيق هرمز ثم خليج عمان ثم الباكستان والمحيط الهندي والبحر الأحمر.
لكن السفينة لم تستطع إكمال الرحلة، فبعض الدول استوقفتهم واتهمتهم بالجاسوسية، ودول أخرى طالبتهم بأن يرفعوا أعلامها فوق السفينة السومرية، كما أعاقتهم الحروب الدولية الباردة، وحروب إثيوبيا والصومال والسودان واليمن الساخنة. ورفع فريق السفينة عدة شكاوى إلى الأمين العام للأمم المتحدة عمّا يعترضهم من صعوبات واعتداءات وعراقيل ولكن دون جدوى، مما اضطرهم لحرقها وإيقاد النار فيها وسط البحر الأحمر معلنين عن خرس العالم عن أقدم رحلة قام بها السومريون القدماء وعن عدم التضامن مع سكّان الأهوار وفراديسها المائية التي تكاد تجف، من بعد أن كانت مركز التوازن الجغرافي والسكاني والإبداعي والبيئي منذ آلاف السنين.

عالم الآثار الكبير طه باقر يشير إلى أن أصل كلمة “معدان” سومري، وهي كلمة مشتقة من اسم النبي عاد، وقد أطلق عليهم البابليون تلك التسمية “ميدانو”
حياة المشحوف والقصب
صحيح أن بعض أطراف الأهوار تتداخل مع يابسة الناصريّة والبصرة والعمارة، لكن الكثير من سكّانها وجزرها المتناثرة موغلة في الابتعاد عن القرى والنواحي الحدودية، وليس من وسيلة للتنقل بين منزل وآخر حتى اليوم سوى بالمشاحيف، وهي وسائل النقل الرئيسية، ومنها مشحوف الطروادة الذي يمتاز بسرعته وسعته لشخص واحد فقط، ومشحوف الكعدة الذي يستخدمه الوجهاء والذوات وزعماء العشائر ويمتاز بأناقة واستطالة مقدمته، ومشحوف الشختورة وهو أكبر المشاحيف حجما وأكثرها معاصرة حيث يزوّد بمحرك آلي.
غير أن أهل الأهوار يصطادون الأسماك بالفالات، والفالة قصبة صلبة ثقيلة نوعا ما وطرفها مدبب، كما يصطادون الخنازير التي لا يأكلونها وإنما يبيعونها بمباغتة الخنزير من الخلف وهو في الماء بواسطة قصبة مجوّفة يغزّون طرفها في جسمه، والطرف الآخر مفتوح ليدخل الماء منه إلى جسم الخنزير فيصبح ثقيل الحركة ويقتنصونه بعدها بسهولة بعدة طرق. وهناك في الأهوار تعيش الأرانب والغزلان البريّة وأكثر من مئة نوع من الطيور المهاجرة من شتاء أوروبا إليها.
يبني الأهواريون منازلهم ومضافاتهم بالقصب وبالبردي، وهي بمتانة جذوع الأشجار والكتل الحجريّة وأكثر، فمنزل العائلة الصغيرة يسمّى الصريفة وهو كوخ بأقواس أنيقة مصفوفة بحصائر القصب والبردي ومطليّة بالقار لحمايتها من التقلبات المناخية، بينما بيت الأسرة الكبيرة يضم عددا غير قليل من الغرف المفصولة بسواتر قصبيّة واسعة ومرتفعة قليلا، فإن كانت الصريفة مفردة سومرية كما تؤكد المصادر فإن الجبايش مفردة سومرية أيضا، ومنها الجبش أي كوم القصب المرصوف بدقة وصلابة والذي فوقه تبنى الصريفة في منطقة مرتفعة في المكان المحدد تسمى اليشن، وتسمية هور الجبايش له علاقة بتلك الكثافة الكبيرة من الصرايف والتي إن داهمتها أو جرفتها مياه الفيضانات العارمة يوما، حتى وإن كانوا نياما، فلا خطر هناك حيث تجرف المياه الصريفة من على جبشها وتطوف وتسرح به إلى مكان آخر ولكنه ضمن محيط ومنطقة الأهوار لا غير.
كل عرب الأهوار قحطانيون ما عدا بني أسد، وأغلب قبائلها متصلة بطيء كبني لآم، والسودان من كندة، والسواعد القحطانية، وزبيد بكل تفرعاتها، ومنهم عشائر آل أزيرج وبني كعب وآل بزّون والجوابر وغيرهم.
والمضافة لدى سكان الأهوار هي الحكومة والبرلمان والقصر العدلي ودار الفنون. فيها يحلّون مشاكلهم ونزاعاتهم ويواصلون سيرة حياتهم مع الآخرين بالحوار والجدل، وأحيانا بالغناء والعزف على الناي، أو الصمت.
الأهواري إن عشق أو حزن يوغل بصوفية نادرة تصله بأرواح أجداده السومريين وبعزلتهم المطلقة في مثل تلك الحالات من الفقد أو الألم. محيط واسع من شفافية الأزرق الذي اسمه الماء وحياة يزينها ويحيطها ويؤرخها القصب والطين والسماء فقط، تلك حياتهم وحضارتهم وزينتها التي تمتد لستة آلاف عام مضت، من مثل هؤلاء جاءت كلمة “المسكوف”، أي سيخ القصب الرفيع الذي يشوى به السمك.
وكلمة “شكو ماكو” وأصلها “أكاماكو” أي وجود الرب الإله الحي، وكانت تستخدم كتحية بين السكان. وكلمة “يشماغ” وأصلها “آش ماخ” أي غطاء رأس الكاهن، أما النقاط السوداء فيه فهي تعاويذ بمعان مختلفة، وكلمات أخرى كثيرة منها “تمبل، سرسري، بوري، شرم، شعواط، شقلب، صنطة، صمخ، اللح، زعطوط، بلابوش، ماشة، جنّة (كنّة)، كش برّه وبعيد (كاش أي انصرف)، تنّور (تنورو)، حريشي، خنجر، فخار”، وغيرها بحدود خمسمئة كلمة مازالت متداولة بذات المعني السومري، ولكنها مستخدمة اليوم في العراق وفي عدد من البلدان العربية دون أن يدري أحد أن أصلها من تلك المنطقة السحرية المسماة “أهوار العراق”.