الثلاثاء: 27 أكتوبر، 2020 - 10 ربيع الأول 1442 - 04:26 صباحاً
ثقافة وفن
الأحد: 9 فبراير، 2020

عبدالله أمين الحلاق

يرتبط التسكّع والتشرّد في التاريخ العربي، بشكل أساسي، بالصعاليك. وهو يكاد يرقى إلى أن يكون “تقليداً” مرتبطاً بهم، هم الذين عاشوا في فترة ما قبل الإسلام على هامش الحياة، وفي ظروف اقتصادية واجتماعية فُرضت على بعضهم أحياناً، أو اختار بعضهم الآخر حياة التصعلك، بإرادته، في أحيان أخرى.

تغيّر الزمن وتبدّلت أنماط الحياة، وتبدلت معها الدلالات بشكل كبير، فلم يعد التصعلك اليوم محضَ تسكعٍ على قارعات الطرق والأرصفة وفي الشوارع من قِبَل من لا بيت لهم ولا مأوى، أو من قبل بعض الضجرين والهاربين من رتابة الحياة اليومية أو المتمردين عليها.
التصعلك هو أيضاً، في مكان ما منه، تمرّد وصرخة في وجه مجتمع معاصر معبّأ بالقوانين وبالانضباط السياسي أو الديني أو الاجتماعي أو كل ذلك في وقت واحد. هكذا، كان أحمد فؤاد نجم، مثلاً، شاعراً متصعلكاً على ما يراه كثيرون، من خلال نقده اللاذع للنظام السياسي القائم في مصر ولأنظمة أخرى متفرعة عنه. ويستحضرُ عددٌ من النقّاد قصيدته “كلب الستّ” التي أثارت غضب أم كلثوم، في إشارة إلى تصعلكه، وهو يطلق شعره ولسانه في وجه كلّ ما يغضبه دون النظر إلى العواقب، وخصوصاً أن صرخته تلك كانت أيضاً صرخة في وجه مجتمع كان يعتبر المساس بـ”الستّ”، وإن عبر كلبِها، أمراً عظيماً.
من بين الشعراء، وإلى جانب ما يمكن تأويله من صعلكة هذا الشاعر أو ذاك، يبقى محمد الماغوط “شاعر التسكّع” بامتياز، فإذا ما سألتم عنه “غوغل” وأنتم تخلقون ربطاً كتابياً بين اسمه وبين “التسكّع” على محرّك البحث، تنهال عليكم نتائج كثيرة لا يكاد يتشابه اثنان منها مع بعضهما. وإذا ما فتشتم في كتبه وقصائده وما كُتب عن شعره من دراسات، سوف ترون أن أكثر ما يميز قصائده هو “التعرية وحبّ التسكّع ولهذا، نجده يكثر من المفردات الدالة على التشرّد والتسكّع، ومنها: الفقر، التسوّل، الحزن، القلق، الضياع، إلخ”، على حدّ تعبير الناقد السوري عصام شرتح في كتابه “محمد الماغوط وثورته الشعرية”، ص25.
يمكن الوقوف عند نصوص كثيرة لمحمد الماغوط تكثر فيها عبارات وكلمات من قبيل: “الشوارع، الأزقة، الأرصفة، الوحل، التبغ، الأسمال”، وفي هذا دلالة على تبني الشاعر نمطاً تسكعياً في الكتابة، سواء كان ذلك عبر نصوصه الشعرية أو عبر مقالات
أما في شعره أو في عموم ما كتَبَ، وإلى جانب ما يمكن الوقوف عنده في هذا النص أو ذاك، فسنجد اعترافاً صريحاً من الماغوط نفسه يقول فيه: “إنني متسكّع ناجح بشهادة الطرقات والشمس، وجارٌ مثالي بدليل أن معظم أدواتي المنزلية معارة، والأمل بعودتها كالأمل بعودة فلسطين أو الأندلس، وشاعر أصيل بدليل أكوام الورق الممزّق من حولي”. (ديوان البدوي الأحمر. ص374).
يحبّ الماغوط التسكّع والبطالة ومقاهي الرصيف، غير أنه يحبّ الرصيف أكثر. وهو لكثرة التسكّع والتجوّل في الشوارع وعلى الأرصفة، يدعو أباه قائلاً: “أناشدك الله يا أبي/ دع جمع الحطب والمعلومات عني/ وتعال لملمْ حطامي من الشوارع/ قبل أن تطمرني الريح/ أو يبعثرني الكنّاسون/ هذا القلم سيقودني إلى حتفي/ لم يترك سجناً إلا وقادني إليه/ ولا رصيفاً إلا ومرّغني عليه”.
يمكن الوقوف عند نصوص كثيرة لمحمد الماغوط تكثر فيها عبارات وكلمات من قبيل: “الشوارع، الأزقة، الأرصفة، الوحل، التبغ، الأسمال”، وفي هذا دلالة على تبني الشاعر نمطاً تسكعياً في الكتابة، سواء كان ذلك عبر نصوصه الشعرية أو عبر مقالات مثل التي ضمّها كتاب “سأخون وطني” مثلاً. والتسكع هنا، وإلى جانب استحضار الأمكنة من شوارع وغيرها داخل النصّ، يبدو نوعاً من الرفض لما هو سائد في السياسة والمجتمع وغير ذلك، من دون أن نذهب بعيداً في تحميل تلك الكتابات السياسية ما لا تحتمل، عبر الحديث عن تمرّد سياسي محدّد بقيَ أسيرَ الكلامِ العمومي والسقف الذي سُمح به ذات حقبة، وهو سقفُ “ضيعة تشرين” و”كاسك يا وطن” وغيرها، بطبيعة الحال.

إلى ذلك، تبدو الكثير من نصوص محمد الماغوط صعبة التصنيف على عكس نصوص الكثيرين من مجايليه، والصعوبة تأتي من مضمون النصّ بشكل أساسي؛ فمحمد الماغوط يشتبك مع الواقع بشكل مباشر، وبشكل فجّ في أحيان كثيرة، لدرجة تجعل البعض يشعر أن الفجاجة فيه تبعد النصّ عن كونه قصيدة، لكنها قصيدة محمد الماغوط في النهاية.
وجوه غريبة لمقاتلين محلّيين وغرباء يملؤون شوارع دمشق، يحتلّون الأمكنة التي قد تسكّع فيها شعراءُ وكتبوا عنها قصائدهم، ويغلقون أزقّة تشهد جدرانها أن شعراءً أو عشاقاً متسكّعين مرّوا فيها ذات يوموالكثير من نصوص الماغوط، شعراً ومقالات، مليء بالاسترسال والأمثلة والأسماء التي قد تبتلع نصف النصّ لكثرتها وتسلسلها كأسماء أشخاص أو أسماء أماكن يتمّ تعدادها فقط، أو بفكرة تُكرّر على أكثر من منوال وتحت أكثر من اسم. مع ذلك، يمكن أن تكون “قفلة النص” صادمة لفرطِ جمالها، ينسى معها القارئ كل التسلسل السابق الذي يكاد يكون مملاً.
ويمكن أن يعثر المرء على تفسير من الشاعر لهذه الحالة مثلاُ، بشكل غير مباشر، عندما يقول إنه لا يجيد التنظير مثل أدونيس، وإن جماعة مجلة “شعر” كانوا يكتبون في المطلق، بينما هو حاول أن يسحبهم إلى الأرض بكلّ ما فيها من أرصفة وتشرّد وحطام، “فأنا شاعر أزقة لا شاعر قصور”.وإذا كان “التسكّع” هو عنوان هذا الملف و”شاعر التسكّع” هو موضوع هذا المقال، بات من الضروريّ، أن ننظر في أحوال الشوارع والأرصفة والأزقة التي كانت ستتغير عليه لو كان ما يزال حياً اليوم، كما تغير البلد علينا جميعاً وصار بلداً آخر؛ وجوه غريبة لمقاتلين محلّيين وغرباء يملؤون شوارع دمشق، يحتلّون الأمكنة التي قد تسكّع فيها شعراءُ وكتبوا عنها قصائدهم، ويغلقون أزقّة تشهد جدرانها أن شعراءً أو عشاقاً متسكّعين مرّوا فيها ذات يوم.

لا تفي هذه العجالة الماغوطَ حقَّه. لكن، وعلى سبيل الخاتمة، يذهب كتّاب كثيرون اليوم إلى كتابة نصوص هي عبارة عن تمارين ذهنية تحت عنوان “لو كان فلان حياً اليوم!”، ويتخيلون مواقف هذا “الفلان” من قضايا سياسية راهنة بعد كلّ التغيرات التي عصفت بالعالم العربي وغيّرته. هو تمرين مُغرٍ للتفكير ولإعادة قراءة نصوص هؤلاء الكتاب أو الشعراء الذين رحلوا قبل عام 2011، رغم أنه يبقى في إطار المحتمل والنسبيّ.

وعليه، وبناء على تحولات دمشق وسوريا بعد 14 عاماً من رحيل الماغوط، سيكون من الصّعب، قياساً بآخرين غيره، افتراضُ موقفٍ أو نصّ أو رؤية له مما يحصل اليوم في سوريا، وهو ما لن يعدو كونه مشروعَ قَوْلبة أو تنجيماً وضرباً في الرّمل، وذلك لأسباب كثيرة، أهمّها أن هذا الافتراض منافٍ لفكرة التسكّع ذاتها، والتي وسمته كما لم تسم شاعراً آخرَ غيره.