الجمعة: 16 نوفمبر، 2018 - 07 ربيع الأول 1440 - 04:35 مساءً
دفاتر
الأثنين: 15 أكتوبر، 2018

منذ 70 عاماً تقريباً، تشكّلت علاقة استثنائية بين أمريكا والإخوان المسلمين، فقد اعتبر رؤساء الولايات المتحدة المتعاقبون منذ خمسينيات القرن الماضي أن الجماعة يمكن أن تكون مفيدة لسياساتهم الخارجية، خاصة في منطقتي الشرق الأوسط وشرق أوروبا.

فحين بدأ الصراع والتنافس الأمريكي السوفياتي، شرعت واشنطن تستكشف إمكانية استخدام القوى الدينية لمهاجمة الإلحاد الذي تروّج له الشيوعية، ولمواجهة التيار القومي العربي بزعامة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.

البنّا وأيرلاند… اتفاق على مواجهة الشيوعية

بدأت الاتصالات بين مسؤولين أمريكيين والإخوان المسلمين في مصر، خلال حياة مؤسسها حسن البنّا في الأربعينيات من القرن الماضي.

في فصل بعنوان “سكرتير السفارة الأمريكية”، عرض القيادي في الجماعة محمود عساف، في كتابه “مع الإمام الشهيد حسن البنّا” تفاصيل عن لقاء دار بين البنّا وبين السكرتير الأول للسفارة الأمركية في القاهرة حينذاك فيليب أيرلاند، اشترط فيه الإمام أن يكون اللقاء في بيت الدبلوماسي الأمريكي لأن “المركز العام للجماعة مراقب من القلم السياسي”، ولأنه خشي أن تسير المقابلة بشكل ليس في صالح الإخوان.

سرد عساف تفاصيل اللقاء الذي دار بين الرجلين، وأشار إلى أن “المدخل” المشترك للحوار بينهما كان مقالات البنا التي تهاجم الشيوعية وتعتبرها “إلحاداً تجب محاربته”.

وقال البنّا في اللقاء “إن الشيوعية التي بدأت تنتشر في بلادنا العربية، تُعتبر خطراً كبيراً على شعوب المنطقة، شأنها في ذلك شأن الصهيونية، بل هي أخطر في المدى القريب، ولدينا معلومات كثيرة عن التنظيمات الشيوعية في مصر”.

أما أيرلاند فقد عرض التعاون من أجل محاربة “العدو المشترك”، مقترحاً آلية للتعاون “برجالكم ومعلوماتكم ونحن بمعلوماتنا وأموالنا”، وهو أمر رحّب به البنّا وإنْ تحفّظ على تلقي أموال من الأمريكيين، ناصحاً الدبلوماسي بإنشاء مكتب مخصص لمحاربة الشيوعية، وواعداً إيّاه بالتعاون في هذا المجال “بعيداً عن أية صفة رسمية”.

ويروي محمود عساف في نهاية الفصل أن الأمريكيين لم يتصلوا بالبنّا مجدداً.

ويكشف مايلز كوبلاند، عميل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في القاهرة في بداية الخمسينيات، في كتابه “لعبة الأمم”، أنه تلقى تعليمات من مدير الوكالة ألين دولز تطلب منه إيجاد طريقة للإطاحة بسياسات عبد الناصر المناهضة للولايات المتحدة.

وكانت الخطة تقوم على ايجاد شخصية دينية مؤثرة في الشارع المصري مماثلة للمبشر المسيحي بيلي غراهام الذي كان يتمتع بشهرة كبيرة داخل الشارع الأمريكي بسبب مواعظه وعمله مستشاراً روحياً لعدد من الرؤساء الأمريكيين وكان مقرباً من دوايت آيزنهاور وريتشارد نيكسون.

زار كوبلاند العديد من المساجد المصرية بحثاً عن واعظ إسلامي قادر على التأثير في الجماهير العربية بطريقة تتناسب مع المصالح الأمريكية، لكنه لم يجده.

بعد ذلك، تواصل كوبلاند مع قادة الإخوان وزرع بذور علاقة سرية بين وكالة الاستخبارات المركزية والجماعة، لكنه لم يكشف تفاصيل عن الشخصيات الإخوانية التي التقى بها سوى جملة “أن مسؤول أمريكي أقنع الملك فاروق بأن يقدم رشوة إلى مرشد الإخوان الثاني حسن الهضيبي كي يتعاون معه”.

فهل كان الأمريكيون يلتقون الهضيبي؟ يجيب القيادي الإخواني السابق ثروت الخرباوي بأن الهضيبي بالفعل كان على تواصل دائم مع السفير الأمريكي في القاهرة، وبأن عملية اختيار الهضيبي مرشداً للجماعة تمت أساساً بالتوافق بين الاستخبارات الأمريكية والإخوان والملك فاروق.

وقال الخرباوي لرصيف22 إن الإخوان كانوا يريدون مرشداً من التنظيم السري، لكن الملك فاروق والاستخبارات الأمريكية رفضا ذلك.

وأضاف: “كل الإخوان يعلمون بشأن اللقاءات المنتظمة للسفير الأمريكي جيفرسون كافري مع الهضيبي والشيخ الباقوري ومحمود مخلوف… كان الأمريكيون يبحثون مع الإخوان علاقتهم بعبد الناصر ومكافحة الشيوعية وكل تفاصيل الحياة السياسية في مصر”.

ويتحدث كوبلاند عن الفترة التي سبقت ثورة 23 يوليو ويقول: “لقد جمعت معلومات عن الإخوان وأدركت أن السيطرة على الحكم لن تتم إلا باتحاد الجيش مع الإخوان… سعيت لمعرفة المستويات العليا والمتوسطة والضباط الكبار الأعضاء أو المنتسبين للإخوان”.

من جانب آخر، يصرّ ضابط السي آي إيه المتقاعد ريموند كلوز، زميل كوبلاند في الشرق الأوسط، على أن “أي اتصال لمايلز مع الإخوان المسلمين لم يكن سياسة رسمية… لقد كان عملاً منفرداً من جانبه. الكثير من الأشياء التي فعلها كوبلاند كانت بعيدة تماماً عن مجلس القيادة”.

لكن الخرباوي يؤكد أنه ليس كوبلاند وحده مَن تواصل مع الإخوان، فقد روى حسن البنا في مذكراته أنه زار السفارة الأمريكية والتقى مع مسؤولين أمريكيين، وأقر شخصياً، هو وسكرتيره محمود عساف، بأن واشنطن عرضت على الإخوان رشوة.

ويروي الخرباوي أن الملحق الثقافي الأمريكي نشر كتباً لتشوية الشيوعية، منها كتاب يدّعي عدم وجود نبي اسمه محمد، وذلك لتنفير المواطنين منها، مضيفاً أن البعثة الأمريكية موّلت وطبعت هذه الكتب فيما قام الإخوان وتنظيمهم السري بنشرها في السوق.

سعيد رمضان… محور علاقة الأمريكيين والإخوان

عام 1953، راسل أحد الدبلوماسيين في السفارة الأمريكية في القاهرة وزارة خارجية بلاده ليخبرها أن الإخوان يقترحون مشاركة سعيد رمضان في مؤتمر في الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن التنظيم سيتولى نفقات رحلته.

وسعيد رمضان هو صهر حسن البنا، وكان يُعرف في ذلك الوقت بأنه “وزير خارجية” الجماعة.

أما المؤتمر المشار إليه كان برنامج دعاية أمريكي سري تنظمه جامعة برنستون للدراسات الإسلامية، ودُعي إليه أكثر من ثلاثين من علماء المسلمين وقادة مدنيين معظمهم من دول إسلامية.

كان هدف الاجتماع الحقيقي الترويج لأجندة معادية للشيوعية في الدول المستقلة حديثاً، والتي تجمعها صفة مشتركة وهي أنها بلدان ذات أغلبية مسلمة.

وكانت تحليلات وكالة الاستخبارات المركزية تشير إلى أن سعيد رمضان “فظ”، ووصفته بـ”المليشاوي” وبأنه “فاشي مهتم بحشد الناس من أجل السلطة”.

أقوال جاهزة

شاركغرديروي قيادي إخواني أن الملحق الثقافي الأمريكي نشر كتباً لتشوية الشيوعية، منها كتاب يدّعي عدم وجود نبي اسمه محمد، وذلك لتنفير المواطنين منها، مضيفاً أن البعثة الأمريكية موّلت وطبعت هذه الكتب فيما قام الإخوان وتنظيمهم السري بنشرها في السوق

شاركغردعام 1953، ظهر القيادي الإخواني سعيد رمضان، صهر حسن البنّا، في صورة يتحلق فيها قادة إسلاميون حول الرئيس الأمريكي دوايت آيزنهاور في المكتب البيضاوي

تم للإخوان ما أرادوا، ودعا البيت الأبيض المشاركين في المؤتمر المذكور، وفي مقدمتهم سعيد رمضان، للقاء الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت دوايت آيزنهاور، وظهر القيادي الإخواني بجانبه في صورة رسمية التُقطت للوفد في المكتب البيضاوي.

سعيد رمضان، الثاني من اليمين، في الصورة الملتقطة مع دوايت آيزنهاور عام 1953.

في كتاب بعنوان “مسجد في ميونخ”، يكشف الكاتب الكندي إيان جونسون أن وكالة الاسخبارات المركزية الأمريكية، بالتعاون مع استخبارات ألمانيا الغربية، موّلت بناء مسجد في مدينة ميونخ الألمانية من أجل محاربة الشيوعية ثم ساعدت الإخواني سعيد رمضان على تولي إدارته.

كان هدف أجهزة الاستخابارت الأمريكية والألمانية الغربية البحث عن مسلمين يمكن أن يذهبوا إلى دول العالم الثالث، من خلال المركز، كي يتحدثوا ضد الدعاية السوفياتية. وصار المسجد أهم مقر للإخوان في ألمانيا، بل وفي أوروبا.

يقول جونسون: “قامت وكالة الاستخبارات المركزية بتأسيس عملية دعاية سرية كبيرة في ميونيخ وجندت العديد من هؤلاء الأشخاص لصالح المركز”.

ويكشف الكتاب أن رجلي الأعمال الإخواني السوري همت غالب والمصري يوسف ندا كانا من ضمن عناصر المركز، كما أدار مهدي عاكف، مرشد الجماعة السابق، هذا المركز في الثمانينيات من القرن الماضي.

ولكن، وفقاً لجونسون، كان رمضان مهتماً بنشر برنامجه الإسلامي أكثر من محاربة الشيوعية، وفي سنوات لاحقة، دعم الثورة الإيرانية، وساعد في هروب ناشط ايراني قتل أحد دبلوماسيي الشاه في واشنطن.

السعودية… تمويل الإخوان بطلب أمريكي

يوضح روبرت باير، وهو ضابط متقاعد في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وكان يعمل على عدة ملفات في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى خلال 21 عاماً من حياته المهنية كجاسوس، في كتابه “النوم مع الشيطان”، كيف “صنعت الولايات المتحدة قضية مشتركة مع الإخوان” واستخدمتها “للقيام بعملنا القذر في اليمن وأفغانستان والكثير من الأماكن الأخرى”.

في أعقاب هروب الإخوان من مصر إلى السعودية بسبب ملاحقة عبد الناصر لهم، شكلت الاستخبارات الأمريكية، وفقا لروبرت باير، تحالفاً ثلاثياً يضم الأمريكيين والسعوديين والإخوان المسلمين، وقامت العائلة المالكة بتوجيه الأموال إلى الإخوان الذين انضموا إلى التمرد المناهض لعبد الناصر والمدعوم من الولايات المتحدة في اليمن عام 1962.

يقول باير: “لم تكن هناك أية خطابات من وكالة الاستخبارات المركزية ولا مذكرة إخطار إلى الكونغرس حول هذا الحلف… ولم يخرج سنت واحد من وزارة الخزانة لتمويله… كان المطلوب فقط من البيت الأبيض إعطاء غمزة وإيماءة للدول التي تأوي الإخوان لتمويلهم ودعمهم”.

يضيف باير: “كان اليمن مجرد إحماء… أسست السعودية رابطة العالم الإسلامي في عام 1962… وقد تم تأسيسها في البداية من قبل عدة جهات مانحة مثل شركة أرامكو السعودية… وقد احتل أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين مناصب رئيسية في الجامعات، وبدأوا في بناء المساجد والمراكز الإسلامية حول العالم ونشر الدعاية الدينية المعادية للشيوعية”.

لاحقاً، بسبب تكثيف اهتمامها على الحرب في فيتنام وبسبب هزيمة جمال عبد الناصر عام 67، تراجع اهتمام الولايات المتحدة بالإخوان وتواصلها معهم، واستمر ذلك حتى أواخر السبعينيات عندما طلب الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر مساعدة الإخوان في حل أزمة الرهائن الأمريكيين في إيران.

يقول القيادي في الجماعة عصام العريان في مقال له نشرته جريدة الحياة اللندنية: “كانت أبرز محطات تلك العلاقة في الثلاثين سنة الأخيرة هي ملف الرهائن الأمريكيين في طهران في نهاية عهد كارتر الذي أوفد مبعوثاً إلى مرشد الإخوان آنذاك عمر التلمساني ليتدخل لدى القيادة الثورية الإيرانية للإفراج عن الرهائن”.

وتابع العريان: “ظل الدبلوماسيون الأمريكيون في السفارة في القاهرة يترددون على مقر الإخوان لاستطلاع رأيهم في التحولات السياسية في مصر والمنطقة والأحوال العامة في مصر سياسياً واقتصادياً واجتماعياً… وكان لولوج الإخوان غمار المشاركة السياسية البرلمانية أثر كبير في مزيد من اللقاءات خصوصاً بعد الفوز الكبير في انتخابات 1987”.

وتابع: “وكان لي نصيب كبير من هذه اللقاءات حتى تمت دعوتي من جانب فرانسيس ريتشاردوني السكرتير آنذاك، السفير لدى مصر بعد ذلك لزيارة خاصة تمتد شهراً في إطار برنامج تعدّه وتنظمه وزارة الخارجية الأمريكية، وغضب جداً عندما اعتذرت لأسباب خاصة برلمانية ودراسية وشخصية”.

في ذات الوقت، بدأ الغزو السوفيتي لأفغانستان، فقررت أمريكا دعم المقاومة الأفغانية عبر توفير الدعم المادي والتسليح اللازم لها، وشرعت جماعة الإخوان وفروعها ومراكزها ورموزها في حشد المجاهدين، وذلك وفقا لكتاب “الجهاد… محاكمة الإسلام السياسي” للباحث الفرنسي جيل كيبل.

الإخوان استفادوا من محاربة الشيوعية

رغم كل ذلك، يشير بروس ريدل، الذي عمل لمدة 30 عاماً في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، إلى أن الولايات المتحدة لم تقدّم دعماً لجماعة الإخوان في حقبة مكافحة الشيوعية.

ويضيف المسؤول الذي عمل مستشاراً في مجلس الأمن القومي في عهد آخر أربعة رؤساء أمريكيين،  “واشنطن لم تدعم الإخوان لكن في الوقت ذاته لم تثنِ تلك الدول وخاصة السعودية عن دعم الجماعة… وبالتاكيد فإن الحرب الباردة ساعدت الإخوان لأنهم كانوا معادين للشيوعية بشدة”.