الجمعة: 23 أغسطس، 2019 - 21 ذو الحجة 1440 - 10:51 صباحاً
دفاتر
الثلاثاء: 23 يوليو، 2019

محمد يسري

في ربيع الأول من العام الثالث من الهجرة، جرى اغتيال الزعيم اليهودي كعب بن الأشرف، على يد مجموعةٍ من المسلمين الذين تمَّ تكليفهم بتلك المهمّة من قبل النبي. العديد من المجادلات والمناقشات دارت حول مشروعيّة اغتيال كعب، وعن ظروف تلك الواقعة من جهةٍ، وكيفية فهمها وقراءتها بمعايير العصر الحالي من جهةٍ أخرى.

من هو كعب بن الأشرف؟

لا تحدّثنا المصادر التاريخيّة الإسلاميّة كثيراً عن شخصيّة كعب بن الأشرف، وقد تسبّب ذلك في تكوين صورةٍ ضبابيّةٍ ومشوّشة لتلك الشخصية الغامضة.

يذكر البلاذري في كتابه “أنساب الأشراف”، أن الأشرف كان رجلاً عربياً من بني نبهان، وهي أحد فروع قبيلة طيء المعروفة، وأنه – أي الأشرف- قد ارتكب جريمة قتلٍ في شبابه، فخرج هارباً من ديار قومه ويمَّم وجهه إلى يثرب، وهناك ارتبط بصلات المودّة والصداقة مع يهود بني النضير، فحالفهم وصار يُنسب إليهم كما جرت العادة في ذلك الزمن.

العلاقة بين الأشرف وبني النضير لم تقف عند حدود الموالاة والتحالف فحسب، بل تخطّت ذلك لتصل إلى المصاهرة، حيث يتحدّث البلاذري وغيره من المؤرّخين عن زواج الأشرف من عقيلة بنت أبي الحقيق، وكانت ابنةً لأحد زعماء يهود بني النضير.

في الحقيقة، تلك النقطة تحديداً تثير الكثير من التساؤلات والشكوك، إذ كيف سمح اليهود بتزويج عقيلة وهي بنت أحد زعمائهم، من ذلك الإعرابي المستجير بهم؟ خصوصاً وأن العادة اليهوديّة قد جرت على حبِّ التمايز والتفرّد عن محيطهم الاجتماعي العربي، وعلى رفض مصاهرة العرب، الذين كانوا في نظر اليهود، مجرد جوييم -أغيار- لا يكافئونهم ولا يرتقون لمقامهم الرفيع.

وحتى لو افترضنا أن الأشرف قد اعتنق اليهوديّة، فمن المُرجّح أن ذلك لم يكن كافياً للسماح له بمصاهرة بني النضير، وذلك لما عُرف عن اليهود من اعتقادهم بأن ديانتهم هي ديانة عرقيّة بيولوجيّة بالأساس، وأن اعتناقها من قبل أحد الأشخاص ليس كافياً لتحقيق المساواة بينه وبين اليهود الأصليّين.

بغضِّ النظر عن هذا الإشكال، فأن مؤرّخي الإسلام قد قالوا بأن كعباً كان ثمرة هذا الزواج غير المفهوم، وأنه وإن كان عربيّاً من جهة الأب، فقد صار يهوديّاً من جهة الأم، وبذلك اجتمع فيه العرقان.

لا تمدّنا الروايات التاريخيّة بالكثير عن توقيت ولادة كعب، ولا عن الأحداث التي عاشها في فترة شبابه، ولكن يمكن أن نذهب -اعتماداً على الأوصاف التي تذكرها المصادر الإسلاميّة- إلى أنه كان في العقد الثالث من عمره وقت هجرة الرسول إلى يثرب، كما يمكننا أن نعتقد بأنه كان صاحب مقامٍ عالٍ في بني النضير، وبأنه كان صاحب كلمةٍ مسموعةٍ ومؤثّرة فيهم، خصوصاً وأنه كان شاعراً فصيحاً متمكّناً، هذا بالإضافة إلى أنه قد مُنح المؤهلات الجسديّة القياديّة الشائعة في ذلك الوقت، فقد وصفه البلاذري على سبيل المثال، بأنه كان “طوالاً، جسيماً، ذا بطن وهامة ضخمة”، ويبدو أن كل ذلك قد أهّله ليكون واحداً من الذين شهدوا على عهد الرسول مع يهود يثرب بعد الهجرة.

ظهور كعب الأوّل على مسرح الأحداث السياسيّة، وقع بعد انتصار المسلمين الأوّل على المشركين في موقعة بدر، في العام الثاني من الهجرة، فبحسب الروايات الشائعة، فأن كعباً لمّا عرف بما حاق بمشركي مكة من هزيمةٍ مروّعةٍ في موقعة بدر، فإنه قد انطلق إلى مكة، ونزل عند عبد المطلب بن أبي وداعة بن ضبيرة السهمي، وجمع الناس من حوله، فأنشد الأشعار في رثاء قتلى قريش في بدر، حتى أبكاهم من شدّة التأثر.

 

ويذكر ابن هشام في السيرة النبويّة بعضاً من تلك الأشعار، ومنها القصيدة التي جاء، فيها

طحنت رحى بدر لمهلك أهله… ولمثل بدر تستهل وتدمع

قتلت سراة الناس حول حياضهم… لا تبعدوا إن الملوك تصرع

كم قد أصيب به من أبيض ماجد… ذي بهجة يأوي إليه الضيع

طلق اليدين إذا الكواكب أخل… حمال أثقال يسود ويربع

ويقول أقوام أسر بسخطهم إن… ابن الأشرف ظل كعباً يجزع

صدقوا فليت الأرض ساعة قتلوا… ظلت تسوخ بأهلها وتصدع

ويبدو أن تلك القصيدة قد انتشرت بسرعة بين القبائل العربيّة، ما حدا ببعض الشعراء المسلمين، من أمثال حسّان بن ثابت وميمونة بنت عبد الله، بالردِّ عليها بقصائد مماثلة، وذلك بحسب ما يذكر ابن هشام.

الرواية المعتمدة لاغتياله

يذكر ابن تيميّة الحرّاني في كتابه “الصارم المسلول على شاتم الرسول”، أن كعب بن الأشرف لم يكتف بإظهار لوعته وحزنه على قتلى المشركين ببدر، بل إنه “استجاشهم على النبي وأمرهم أن يغزوه وقال لهم أنا معكم فقالوا إنكم أهل كتاب وهو صاحب كتاب ولا نأمن أن يكون مكراً منكم فان أردت ان نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما ففعل”، كما انتقد الدين الإسلامي، فلما سأله بعض المشركين هل دين المكيين أفضل أم دين المسلمين، رد عليه كعب قائلاً “دينكم خير وأقدم، دين محمد حديث”.

بعد رجوع كعب إلى المدينة، استمرَّ محافظاً على نهجه في الهجوم على الإسلام، وأنشد بعض القصائد التي تعرّض فيها بالتجريح والأذى لبعض المسلّمات، كما قام بتوجيه السباب إلى الرسول ذاته.

كلُّ تلك الأفعال، التي تناقض شروط العهد المعقود بين المسلمين واليهود، جعلت المسلمين يفكّرون في تصفية كعب، وهو الأمر الذي شرحه محمد بن إسماعيل البخاري بنوعٍ من التفصيل في صحيحه.

حصن كعب بن الأشرف

يذكر البخاري أن الرسول قد اجتمع يوماً ما مع مجموعةٍ من أصحابه، فذكر لهم خبر كعب وهجومه على الإسلام، فعرض محمد بن مسلمة، وكان صديقاً قديماً لكعب في الجاهليّة، أن يقوم بقتله، مع مجموعةٍ من الأنصار من قبيلة الأوس، فوافق الرسول على ذلك، ورخّص له في أن يبدي امتعاضه من الإسلام أمام كعب لطمأنته وتهدئته.

وبالفعل سار ابن مسلمة قدماً في تنفيذ خطته، فذهب إلى كعب وأخبره بظلم الرسول لأهل المدينة، وأنه -أي الرسول- قد زاد مقدار الصدقة المفروضة عليهم، وطلب من كعب أن يقرضه كمية من الطعام، فقال لهم “ارهنوني نساءكم قالوا كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب قال فارهنوني أبناءكم قالوا كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال رهن بوسق أو وسقين – يقصد كمية من الطعام- هذا عار علينا ولكنا نرهنك اللأمة- والتي يقصد بها الأسلحة وعدة الحرب”.

بعد أن تم هذا الاتفاق على تسليم الأسلحة إلى كعب، أنصرف محمد بن مسلمة وأصحابه من عنده، وجاؤوا إليه بعدها في إحدى الليالي وكان كعب متحصّناً في حصنه المنيع، فنادوا عليه، فلما نزل إليهم، وكان واثقاً منهم، امتدحوا عطره، وطلبوا أن يشموا رأسه، فلما وافق وأجابهم إلى ذلك، حملوا عليه بسيوفهم فقتلوه بسرعة، ورجعوا إلى الرسول وأخبروه بما فعلوا.

في ربيع الأول من العام الثالث من الهجرة، جرى اغتيال الزعيم اليهودي كعب بن الأشرف، على يد مجموعةٍ من المسلمين الذين تمَّ تكليفهم بتلك المهمّة من قبل النبي. العديد من المجادلات والمناقشات دارت حول مشروعيّة اغتيال كعب، وعن كيفية فهمها وقراءتها بمعايير العصر الحالي.

عمل الكثير من الباحثين المعاصرين على تقديم قراءةٍ حداثيّةٍ لواقعة اغتيال كعب بن الأشرف (الزعيم اليهودي الذي تم اغتياله على يد المسلمين بأمر من النبي)، فذهبوا إلى أنه من غير المنطقي تعميم نتائجها بالمطلق، أي اغتيال من يخالف الإسلام، لأن ذلك يتعارض مع قيمة حرية التعبير والتفكير، وهي إحدى القيم المركزيّة الرئيسيّة في الخطاب القرآني.

إشكاليات في الرواية

على الرغم من أن رواية اغتيال كعب بن الأشرف، هي رواية مشهورة ومتواترة في المصادر التاريخيّة الإسلاميّة، ولم يذهب أحد من العلماء القدامى لنفيها أو دحضها، إلا أن الطريقة والصياغة التي دوّنت بها أحداث تلك القصّة، من شأنها أن تلفت نظرنا إلى بعض النقاط التي تستحق أن تسترعي الاهتمام.

أولى تلك النقاط، هي الطابع الغيبي الذي ظهر في الرواية، فقد ورد فيها أن المسلمين لما قَدِموا لكعب ليلاً للفتك به، ونادوا عليه، وهمَّ كعب بالنزول لهم، أحسّت زوجته بالخطر، وسألته “أين تخرج هذه الساعة… أسمع صوتاً كأنه يقطر منه الدم”، كما ورد في روايات أخرى قولها “والله إني لأعرف من صوته الشر”.

هذا الحدس الأنثوي، الذي يتنبأ بأحداث سوف تقع في المستقبل القريب، يتكرّر كثيراً في الروايات والقصص التي تتحدّث عن حوادث القتل والاغتيال، في الكثير من الثقافات الإنسانيّة القديمة، ولعلّ من أشهر تلك القصص ما ورد في حادثة اغتيال يوليوس قيصر، عندما قيل إن زوجته التي أحسّت بالخطر قد ناشدته ألا يترك بيته يوم مقتله.

النقطة الثانية المهمّة في الرواية، أنها قد أشارت بشكلٍ -غير مباشر- إلى غدر المسلمين من جهة، وبطولة كعبٍ وشجاعته من جهة أخرى.

تذكر الرواية أن عدد المسلمين الذين اشتركوا في اغتيال كعب، كان ثلاثة بحسب بعض المصادر أو خمسة بحسب ما يذكر ابن حجر العسقلاني في كتابه “فتح الباري في شرح صحيح البخاري”، وهو عدد كبير لقتل رجلٍ واحد، خصوصاً أنه قد قُتل عن طريق المكر والحيلة، وهو ما يشير إلى قوّة كعب والاحتياج للكثرة للتمكّن منه.

في السياق نفسه، فأن الرواية تؤكد على شجاعة كعب ونبل أخلاقه، فعندما ناشدته زوجته البقاء في حصنه، طمأنها بأن من ينادي عليه هما محمد بن مسلمة الذي يعتبره بمثابة الصديق المقرّب والأخ، وأبو نائلة أخوه في الرضاعة، ومن هنا فإنه يثق فيهما ولا يصدّق أن يغدرا به، وتتحدّث الرواية أن كعب قد اختتم حواره مع زوجته بجملة “إن الكريم لو دعي إلى طعنةٍ بليلٍ لأجاب”، وهي جملة شاعريّة الطابع تصلح لأن تقال في إحدى المشاهد المسرحيّة، حيث ينطق بها البطل قُبيل مسيره إلى قدره المحتوم، ويحقُّ لنا أن نتساءل عن كيفيّة معرفة ما دار بين كعب وزوجه في مخدعهما؟ وكيف عرف راوي تلك الرواية بالحوار الذي دار بينهما؟

من هنا، يبدو أن تلك الرواية قد صيغت بشكل يدفعنا دفعاً للتعاطف مع كعب وللنظر إليه على كونه بطلاً شجاعاً مقداماً لا يخاف الموت ولا يهابه، من جهةٍ، وللغضب مما أقدم عليه المسلمون من أفعالٍ خسيسةٍ من جهةٍ أخرى، وهو الأمر الذي من شأنه أن يوجّه أصابع الشك باتجاه تلك الرواية كلّها، ويدفعنا للتساؤل حول علاقة رواتها بالحدث، خصوصاً أن الاغتيال والفتك لم يكونا سمةً عامةً في الإجراءات الدفاعيّة التي اتخذها الرسول ضدَّ أعداء الدولة الإسلاميّة حينذاك، بل إن هناك بعض الأحاديث المشهورة التي عارضت الاقدام على قتل الغيلة، ومن ذلك ما أورده أبو داود في سننه من قول الرسول “الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن”.

بين القراءتين التراثيّة والحداثيّة لواقعة الاغتيال

على الرغم من هامشية حادثة اغتيال كعب بن الأشرف، وندرة التفاصيل المتعلّقة بها في المصادر الإسلاميّة، إلا أنها قد استحوذت على مساحاتٍ شاسعةٍ للتوضيح والتفصيل والشرح في المدونة الفقهيّة.

الكثير من الفقهاء والعلماء المسلمين على مدار القرون، من الذين قبلوا قصّة اغتيال كعب بن الأشرف بحذافيرها لكونها قد وردت في المتون الحديثيّة، نظروا لتلك الحادثة على كونها حادثةً معياريّةً مرجعيّة، فاستندوا عليها في إصدار بعض الفتاوى والأحكام المبرِّرة لاغتيال والقتل فيما بعد.

على سبيل المثال، يستند ابن تيميّة لواقعة اغتيال كعب، في الإفتاء بجواز قتل كلِّ من يقوم بسبِّ الرسول حتى لو كان من المعاهدين، أي الذين بينهم وبين دولة الإسلام عهد وميثاق، حيث يقول ابن تيميّة أن قتل كعب فيه “دليل على أن أذَى الله ورسوله عِلّة لنَدْب المسلمين إلى قتل مَنْ يفعل ذلك من المعاهَدِين، وهذا دليل ظاهر على انتقاض عهده بأذى الله ورسوله، والسبُّ من أذى الله ورسوله باتفاق المسلمين, بل هو أخص أنواع الأذى”، وذلك في كتابه الصارم المسلول.

أما المستشرقون والباحثون الغربيّون، فقد ذهبوا إلى تفسير حادثة اغتيال كعب في السياق الزمني التاريخي لها، فنظروا لها من وجهة نظرٍ سياسيّة، فعلى سبيل المثال، يذكر إسرائيل ولفنسون، في كتابه” اليهود في بلاد العرب في الجاهليّة وصدر الإسلام”، أن اغتيال كعب كان إرهاصاً بوقوع المواجهة النهائيّة بين المسلمين واليهود في المدينة، وهي مواجهة كانت منطقيّة ومتوقّعة في ظلِّ حرص الرسول على استقطاب اليهود ودعوتهم إلى دين الإسلام.

بالمقابل فأن الكثير من الباحثين المسلمين المعاصرين، قد عملوا على تقديم قراءةٍ حداثيّةٍ لواقعة اغتيال كعب بن الأشرف، فذهبوا إلى أنها كانت عمليةً مقيّدةً وخاصّة، ومن غير المنطقي، تعميم نتائجها بالمطلق، فلا يجوز أن نبرّر اغتيال كلِّ من يتعرّض بالقول للرسول، أو للثوابت والمقدّسات الإسلاميّة في عصرنا الحاضر، لأن ذلك يتعارض بشكلٍ واضحٍ مع المبدأ الإسلامي الذي يدعو لضرورة الدعوة إلى الإسلام بالموعظة الحسنة، كما يتضاد هذا مع قيمة حرية التعبير والتفكير، وهي إحدى القيم المركزيّة الرئيسيّة في الخطاب القرآني.