الثلاثاء: 2 مارس، 2021 - 18 رجب 1442 - 08:02 مساءً
سلة الاخبار
الجمعة: 22 يناير، 2021

عواحل برس/ بغداد

 

في مشاهد تذكر بأجواء بغداد في ذروة العنف الدموي بين 2004 و2009، أعادت قيادة عمليات العاصمة العراقية بغداد نصب نقاط التفتيش والحواجز الأمنية لتفتيش الداخلين والخارجين منها، سيارات وأشخاص، في أعقاب الهجومين الانتحاريين اللذين استهدفا بغداد أمس الخميس.
وما زال نحو 25 جريحا من أصل 108 داخل مستشفيات العاصمة العراقية بغداد، يقول الأطباء إنهم سينجون على الأرجح، لكن بإعاقات سترافقهم مدى الحياة، بينهم فتاة كانت مع والدها تبيع الحمص المسلوق بسوق البالة (الملابس المستعملة)، الذي فجّر فيه انتحاريان نفسيهما صباح أمس الخميس، في منطقة الباب الشرقي وسط بغداد، في الوقت الذي تسلم ذوو الضحايا، صباح اليوم الجمعة، جثامين أبنائهم المودعة لدى دائرة الطب العدلي، بمشاهد شق الثياب ولطم الوجوه والجزع على المصيبة.
وانتهت حصيلة الضحايا، وفقا لمسؤول في وزارة الصحة العراقية، عند 35 شهيدا، و108 جرحى، في السوق الذي يقصده فقراء بغداد بحثا عن الملابس والأجهزة الكهربائية ودمى وألعاب كلها مستعملة، عادة ما تعرف محليا بـ”البالة”، وتأتي عبر موانئ البصرة أو الأردن على شكل حاويات قادمة من أوروبا.
رائحة الموت
ورغم قيام فرق الإطفاء والبلدية بتنظيف مكان الانفجارين ورفع الحطام من المكان، بما فيها أكشاك الباعة الذين قضوا في الاعتداءين، إلا أن راحة الدم والأشلاء ما زالت تطغى على المكان.
وألغي، اليوم الجمعة، السوق الذي كان يقام بالمكان المعروف بـ”تنزيلات الجمعة”، وأكثر أصحابه إما استشهدوا أو أصيبوا، كما أن رواد المكان لم يصلوا إليه. وعلى مقربة من ساحة الطيران المقابلة لمكان الانفجار، وضع باعة الأكلات الشعبية عرباتهم وهم يعلنون أنها مجانا ثوابا على أرواح الضحايا من مرتادي السوق أو زملائهم فيه.
هدية عباس، التي أصيب زوج ابنتها في التفجير، ويرقد حاليا في مستشفى الجملة العصبية في حالة مستقرة، قالت إنها جاءت للسوق من أجل البحث عن بقايا “بسطة” زوج ابنتها حيث كان يبيع الملابس المستعملة.
وأضافت أن “هذا مصدر عيش ابنتي وأطفالها، وقد أخبروني أن الأمن أخذ أموال وحاجيات الضحايا ووضعها أمانة لديه حتى يسلمها لوذيهم”.
وقال أحمد عباوي (29 عام) إنه فقد اثنين من معارفه بالسوق في تفجير أمس، مضيفا: “كنا قد أوشكنا أن نرتاح ونقول إننا أغلقنا صفحة المفخخات والأحزمة الناسفة وتكفير الناس، واستباحة دمائهم، لكن يبدو أن الشقاء كتب علينا من زمن القائد الضرورة وإلى غاية الآن”، في إشارة إلى الفترة التي سبقت احتلال العراق إبان حكم نظام صدام حسين.
جنائز في أحياء الفقراء
واستأثرت مناطق بغداد الفقيرة بأغلب سرادق العزاء، كما قال عضو مجلس بغداد السابق أحمد العبيدي، الذي اعتبر أن السوق ومرتاديه من مختلف مناطق بغداد، و”تجمعهم صفة واحدة، وهي أنهم فقراء ومستقلون ومتضررون من صراع الساسة وفسادهم”.
وشهدت مدينة الصدر وحي أور وبغداد الجديدة والأعظمية والغزالية والشيخ عمر، والفضل والحسينية، مراسم تشييع وعزاء، بينما سجلت دهوك بإقليم كردستان حالة وفاة لمواطن كان في زيارة لبغداد وصادف وجوده مع التفجير.
وقال فراس عيدان، الذي فقد ابن عمه بالتفجير، إنه “أخبر والدته بالذهاب إلى هناك بحثا عن ستائر لغرفة نومه بسعر أرخص كونه يهيئ نفسه للزواج”، مؤكدا أن “والدته لا تعلم أنه توفي إلى غاية الآن، وقد أخبروها أنه مصاب، ولا يعرف أبوه كيف يخبرها أن ابنها العريس قد مات”.
واستطرد عيدان: “لكل ضحية قصة مختلفة ووضع خاص، لكنهم متشابهون في كونهم عراقيين”، مؤكدا أن “الضحايا من مختلف المكونات العراقية، لكن هناك من يستمر بالفتنة والخراب كونها سبب بقائه”.
إجراءات مشددة
ووفقا لمسؤول عسكري عراقي في بغداد، فإن الحكومة تستعد للإعلان عن إجراءات جديدة تهدف لمنع تكرار الهجوم في بغداد أو أي من المدن الأخرى، مضيفا،  أن “يوم غد السبت ستكون هناك خطة أمنية جديدة قائمة على إعادة دمج كل الأجهزة الأمنية في قيادة موحدة مشتركة، وتحديدا استخبارات الداخلية وجهاز المخابرات واستخبارات الجيش والأمن الوطني، بهدف توحيد الجهود، كما سيتم إعادة النظر بالتدقيق الأمني في العاصمة وضواحيها”.
وكشف المسؤول العسكري عن أن التحقيقات “ما تزال مستمرة لمعرفة أي خيوط حول الاعتداء الإرهابي”، معتبرا أن “إعلان “داعش” عن هوية أحد الانتحاريين بأنه “مهاجر”، بمعنى أنه غير عراقي، يشير إلى خرق أمني مضاعف عن كيفية دخوله بغداد وتجواله بحزام ناسف ووصوله إلى قلب العاصمة وتفجير نفسه، مع وجود كل هذه الحواجز والنقاط الأمنية”.
إلى ذلك، شهدت مداخل العاصمة بغداد اختناقات كبيرة للراغبين بدخول العاصمة، بفعل الإجراءات الأمنية المشددة فيها.
وباشرت، اليوم الجمعة، أغلب القيادات الأمنية عملها بعد سلسلة قرارات في ساعة متأخرة من ليلة أمس لرئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، تضمنت إقالة وكيل وزير الداخلية لشؤون الاستخبارات الفريق الركن عامر صدام من منصبه، وتكليف الفريق أحمد أبو رغيف بديلاً عنه، وإقالة عبد الكريم عبد فاضل مدير عام الاستخبارات ومكافحة الإرهاب بوزارة الداخلية من منصبه، وتكليف نائب رئيس جهاز الأمن الوطني حميد الشطري بالمنصب، مع ربط مهام الجهاز بالقائد العام للقوات المسلحة.
إضافة إلى نقل قائد عمليات بغداد الفريق قيس المحمداوي إلى مقر وزارة الدفاع، وتكليف اللواء الركن أحمد سليم قائدا لعمليات بغداد، وإقالة قائد الشرطة الاتحادية الفريق جعفر البطاط من منصبه، وتكليف الفريق الركن رائد شاكر جودت بقيادة الشرطة الاتحادية، وإقالة مدير قسم الاستخبارات وأمن عمليات بغداد اللواء باسم مجيد من منصبه.
الكاظمي: لن نسمح بتكرار ما جرى
وفي السياق ذاته، أكد رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، الجمعة، أن التفجيرات التي استهدفت منطقة الباب الشرقي في بغداد، وأسفرت عن سقوط أكثر من 140 قتيلا وجريحا، دفعت الحكومة باتجاه اعتماد وضع جديد للعمل، موضحا، خلال ترؤسه جلسة طارئة للمجلس الوزاري للأمن الوطني، أنه سيشرف بشكل شخصي على سير عمل الأجهزة الأمنية.
وأوضح أن القيادات الأمنية تتحمل مسؤولية، وعليها أن تهتم بتطوير قدرات كوادرها، مبينا أن “حياة الناس ليست للمجاملة”.
وتابع: “لن نسمح بخضوع المؤسسة الأمنية إلى صراعات بين أطراف سياسية”، مشددا على “ضرورة تعلم الدرس، والتعامل بمهنية عالية في القضايا الأمنية”.
ولفت إلى أن “القائد الميداني عليه أن يتحمل الواجبات الجسيمة الملقاة على عاتقه، وأن يتعامل بمسؤولية مع موقعه”، مشددا على “ضرورة العمل من أجل إنتاج قادة أكفاء على مختلف المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية”. وأشار إلى أن “الأمن ليس مجرد كلمة يجري الحديث عنها في وسائل الإعلام، بل مسؤولية”، مشددا: “ومن لا يرتقي إلى مستوى مسؤولية حماية المواطنين وأمنهم، عليه أن يتنحى من موقعه”.
ولفت رئيس الوزراء العراقي إلى أن ما حدث يوم أمس “يمثل خرقا لا يمكن السماح بتكراره”، مؤكدا أن “هذا الخرق أشار إلى وجود خلل لا بد من الإسراع في معالجته”.
وبين أنه قام بإجراء سلسلة تغييرات في البنية الأمنية والعسكرية، وأن حكومته “تعمل على وضع خطة أمنية شاملة وفاعلة لمواجهة التحديات المقبلة”، مشيرا إلى “قيام الأجهزة الأمنية بجهد كبير خلال الأشهر الماضية، وكانت هناك عمليات كبيرة ضد عصابات “داعش” الإرهابية، ونجحت أغلب عملياتنا”.
وأضاف أن “هناك محاولات يومية لـ”داعش” للوصول إلى بغداد تم إحباطها بعمليات استباقية، وللأسف تمكن من ذلك يوم أمس (الخميس) وسالت دماء بريئة، ولن نسمح بتكرار الخروقات الأمنية”، مؤكدا وجود “تحديات في الأجهزة الاستخبارية يجب معالجتها بشكل عاجل، وسأشرف شخصيا على هذا الموضوع، ولذلك سنفرض وضعا جديدا للعمل واتخاذ تدابير عاجلة”.