الأثنين: 25 مايو، 2020 - 02 شوال 1441 - 08:28 مساءً
ثقافة وفن
الأربعاء: 25 مارس، 2020

عواجل برس / بغداد

“آنا فرويد” عالمة في مجال علم النفس، نمساوية من أصل يهودي، وهي الابنة الأخيرة ل”سيجموند فرويد”. تعد من أوائل مؤسسي التحليل النفسي للطفل.

حياتها..

ولدت “آنا فرويد” في النمسا، في 3 ديسمبر 1895، ترتيبها السادسة من أصل ثلاثة ذكور وثلاثة إناث. وكان الحمل بها غير متوقع إضافة إلى أن “فرويد” كان يتمنى أن يرزق بولدٍ. وتقول آنا عن ذلك: “لو كان هناك موانع حمل في حينها لما ولدت”. ويرى بعض علماء التحليل النفسي أن هذه الأشياء أفضت بها إلى الشعور بالرفض. ومع هذا كله كانت أقرب أبناء “فرويد” له وشديدة الالتصاق به، وأخذت عنه اتجاهاته العلمية واهتماماته السيكولوجية، وظلت ترعاه في مرضه منذ إصابته بالسرطان سنة 1923 وحتى وفاته في لندن سنة 1939.

“آنا فرويد” لم تتزوج وبدأت حياتها العملية مدرّسة أطفال، وفي أثناء عملها كانت تدون الكثير من الملاحظات عنهم، وبدأ من هنا اهتمامها بعلم نفس الطفل.

مارست “آنا” التحليل النفسي وأصبحت عضواً في الجمعية النمساوية للتحليل النفسي سنة 1922، واُنتخبت رئيساً للجمعية من عام 1925 إلى عام 1928، ورئيساً لمعهد التدريب على التحليل النفسي في ڤيينا حيث مقرها.

في عام 1927 أصدرت أول بحث لها عن اتجاهاتها في تحليل نفسيات الأطفال وأسس العلاج النفسي الخاص بهم. ويذكر في تاريخ التحليل النفسي أن “فرويد” كان أول من حاول تحليل الأطفال نفسياً في الحالة المشهورة التي عالجها باسم “الصغير هانز” عام 1906. إلا أن المحاولة الجادة كانت محاولة “آنا فرويد” و”ميلاني كلاين” في بداية الثلاثينات. حيث تمثل “آنا” المدرسة الأوروبية، بينما تمثل “ميلاني” المدرسة البريطانية في التحليل النفسي للطفل، وتخصصت “آنا” في الأطفال الكبار، بينما مارست “ميلاني” تحليل الأطفال الصغار.

هاجرت “آنا فرويد” بشكل نهائي إلى لندن عام 1938، وشاركت آنذاك في عيادة هامبستيد لعلاج الأطفال. وأثناء الحرب العالمية الثانية أسست مع الأمريكية “دوروثي برلنجهام” عدداً من دور الحضانة للأطفال اليتامى والمنكوبين والمُرحلين.

التحليل النفسي..

قامت “آنا فرويد” بالتركيز على الحياة الداخلية الخاصة مع البعد عن الأوهام . كما شرحت كيفية طغيان أحلام اليقظة على الوعي . وكان لها وجهات نظر على تربية الأطفال والتي شرحتها في كتابها الأول في عام 1927 عن “مقدمة التقنية في تحليل الطفل”، اعتمدت “آنا فرويد” على تحليل الأطفال في مختلف المراحل كجزء كبير من العالم النفسي.

كان عملها الرئيسي في عام 1936 إقامة دراسة كلاسيكية على علم النفس وآليات الدفاع، كما ركزت “آنا فرويد” على تجربتها السريرية الخاصة، ولكن اعتمدت على كتابات والدها باعتباره مصدر موثوق لها في رؤى النظرية. كما ساعدت على فهرسة وتشكيل رد الفعل، والعزلة، والتراجع، والإسقاط، والاستدماج، والتحول ضد النفس، والانعكاس والتسامي، ووضحت مفهوم آليات الدفاع، مع الاستمرار وزيادة التركيز على نظريات والدها.

في عام 1959 كانت كتابات “آنا فرويد” في علم النفس ودراستها في تنمية الطفولة المبكرة أكثر نضجا. كما ركزت بعد ذلك على البحث والملاحظة في علاج الأطفال، حيث أنشئت “آنا فرويد” مع مجموعة من المحللين التنمويين للطفل البارزين (إريك إريكسون، إديث جاكوبسون ومارغريت ماهلر) مع ملاحظة أعراض الأطفال من خلال متابعة النظرية التناظرية إلى الاضطرابات الشخصية بين البالغين، والتي غالبا ما ترتبط بمراحل النمو.

شرحت “آنا” الاتجاه الجديد الذي أسّسته في التحليل النفسي في كتابها “الأنا والميكانيزمات الدفاعية” حيث أكدت على دور الأنا في الحياة النفسية وفي العلاج النفسي التحليلي، وقالت أن التحليل النفسي لا يمكن أن يصدق عليه اسمه إلا إذا اتجه إلى البحث في الأنا وعدم الاقتصار على الهو. وترى أن تحليل الميكانيزمات اللاشعورية التي يلجأ لها الأنا يمكن أن تطلعنا على التحولات التي طرأت على الغرائز عند المريض. ويتلخص دور المحلل من وجهة نظرها في إزعاج الأنا باستثارة المكبوت، وتدمير ماقام به الأنا من أساليب توافقية مَرضية ولكنها من وجهة نظر الأنا تمثل أنساقاً دفاعية يحاول من خلالها أن يسيطر على الحياة الغريزية.

حددت “آنا فرويد” في كتابها خمسة أنواع من الميكانيزمات الدفاعية وهي:

  1. الإنكار عن طريق التخيل.

كأن يكره الطفل أباه المستبد، فيتخيله أسداً مثلاً، ويتوهم أنه صديقه، وأنه يأتيه ويلاعبه ويتبعه. والطفل بهذا التخيل أنكر واقعه وهو أنه لا يحب أباه، وحولها إلى صورة متخيلة محببة. وهذه الحيلة يلجأ لها الأطفال.

  1. إنكار اللفظ والفعل.

ويتمثل في سلوك الطفل عندما يقول مثلاً “أنا كبير مثل بابا” أو “أنا لا أكره الدواء، أنا أحبه جيداً” أو “المعلمة تحبني كثيراً”. كل هذه العبارات هي أمثله لإنكار الواقع إنكاراً يحمي به الطفل نفسه ضد عجزه وقلة حيلته واعتماده على غيره.

  1. تقييد الأنا.

مثاله طفلة في العاشرة ذهبت لحفلة استعراضية لأول مرة، واستعدت لها بملابس جميلة، وفي الحفلة شاهدت طفل جميل استأثر اهتمامها، إلا أنه نهرها وانتقد طريقتها في اللبس والرقص، ومنذ ذلك اليوم صارت تكره الحفلات ولا تتردد عليها، ولم تجهد نفسها في تعلم الرقص، وعوّضت نفسها بتقييد أناها بأن حرّمت على نفسها المباهج الأنثوية.

4.دفاع التعيين بالمعتدى.

يتم من خلاله السيطرة على القلق بامتثال خصال المعتدي واستدماج صفاته. ومثاله الطفل الصغير الذي تألم من خلع أحد أسنانه قد يلعب مع أخته بأن يمثل دور الطبيب ويجعلها تمثل دور المريضة.

5.الدفاع بالإيثار.

هو شكل من أشكال الإيثار، ومثاله مربية كانت في طفولتها تحب الملابس الجديدة، وكانت تتمنى أن يكون لها أخوات، فقالت لها أمها مازحة :”إننا لا نستطيع أن نأتي لك بأخوات وملابس في الوقت نفسه فهذا مكلّف، فإما هذا وإما ذاك”. وكبرت الطفلة ولم تتزوج وامتهنت تربية الأطفال، وصارت تدافع عنهم أمام آبائهم كلما أرادوا ملابس جديدة.

هي احتجاجات الأنا الأنا، والخشية من قوة الغرائز، والقلق الموضوعي من البيئة التي تتسيد على الطفل، ويخاف أنا الطفل من الغرائز لأنه يخاف العالم الخارجي ويتمثل ذلك في قلقه الموضوعي من البيئة التي تتسيد على الطفل، كما يخاف أنا الطفل من الغرائز لأنه يخاف العالم الخارجي ودفاعه ضد الغرائز يدفع إليه خوفه من العالم الخارجي، ويتمثل ذلك في قلقه الموضوعي، حيث ما يخافه الطفل في هذه المرحلة هو العقاب أو أن يحرم من عطف الآخرين، وبالإضافة إلى هذه الدوافع الثلاثة التي تنشأ عنها الميكانيزمات الدفاعية، تذكر “آنا فرويد” دافعا رابعا وهي تقول: “إن الراشدة تتطلب نوعا من الالتزام بين مختلف الدوافع، ومن هنا يتولد عدد من الصراعات بين هذه الميول المتعارضة، مثل الميل إلى ذات الجنس، والميل إلى الجنس الآخر، والتعارض بين السلبية والإيجابية.

إن الوسائل التي يتخذها الفرد تجنب التعبير المباشر عن نزعاته، هي أوليات دفاعية وهي محاولات توثيق تسعى للحماية من التهديدات الداخلية والخارجية معا، هذه الآواليات هي أوصاف لنوع من السلوك، يوجد لها منطق خاص بها متى فهمت دوافعها الدفينة، ومن العقبات التي تحول دون فهمها، أن الشخص الذي يسلك سلوكا غريبا لا يعرف في الغالب دلالة سلوكه، وآواليات الدفاع أساليب يتبعها الناس لمواجهة النزعات الخطرة التي تحتمل أن تؤدي بها إلى المتاعب، ولذلك فهي محاولات مختلفة للتوفيق بين المطالب الداخلية والحقيقة الخارجية، وتميز “آنا فرويد” آواليات الدفاع التي تنشأ من الشعور بالذنب والتي تكون بسبب الخوف من العالم الخارجي ومن قوة الغرائز ومن الصراع بين الغرائز.

التحليل النفسي للأطفال..

هو مجال فرعي من مجالات التحليل النفسي تأسس من قِبل “آنا فرويد”. واستخدمت “آنا” عمل والدها مع بعض التعديلات نحو احتياجات الأطفال. ومنذ نشأة التحليل النفسي للأطفال، فقد حقق نموًا كتقنية علاجية معروفة للأطفال والمراهقين.

في عام 1941، ساعدت آنا في تأسيس حضانة هامبستيد في لندن وفي هذه الحضانة علمت الأطفال لعدة سنوات إلى أن تم إغلاقها عام 1945. وسرعان ما افتتحت “آنا”، بمساعدة “كيت فريدليندر”، مركز وعيادة هامبستيد لعلاج الأطفال لمواصلة عملها وللاستمرار في إيواء الأطفال المشردين. كانت “آنا” مديرة العيادة منذ عام 1952 وحتى وفاتها عام 1982. وتمت إعادة تسمية العيادة باسم مركز “آنا فرويد” عقب وفاتها تخليدًا لدورها في الرعاية والدعم الذي قدمتهما لمئات الأطفال على مدى عقود.

كانت أول مهمة ل”آنا” في مجال تطوير علاج ناجح للأطفال هي أخذ العلاج الأصلي الذي وضعه “فرويد” بشأن مراحل النمو النفسية والاجتماعية ووضع جدول زمني يتم من خلاله تقييم النمو والتطور الطبيعي. وباستخدام هذا الجدول الزمني، سوف يكون اختصاصي العلاج قادرًا على مراقبة الطفل ومعرفة ما إذا كان يحرز تقدمًا مثل الأطفال الآخرين أم لا. إذا تخلفت بعض جوانب التنمية لدى الطفل، مثل الصحة الشخصية أو عادات الأكل، فيمكن عندئذٍ أن يفترض اختصاصي العلاج أن بعض الصدمات قد حدثت ويمكنه في هذا الوقت معالجتها بشكل مباشر من خلال العلاج.

وإذا كان الطفل قد خضع للعلاج من قبل، فيتعين الاستمرار في تغيير التقنيات. وبشكل أساسي، أدركت “آنا” أنها لا يمكنها توقع خلق حالات من التحول مع الأطفال كما فعل والدها مع مرضاه البالغين. وعادة ما يكون لوالدي الطفل الخاضع للعلاج النفسي دورًا نشطًا في حياته. حتى عندما كان الأطفال مقيمين في العيادة، شجعت “آنا” الأمهات على الزيارة بشكل متكرر لضمان وجود الارتباط المستقر بين الوالدين والطفل. وفي الحقيقة، كانت إحدى أهم ميزات العلاج النفسي للأطفال هي الدور الفعال الذي يلعبه الآباء والأمهات في علاج أطفالهم، ومعرفة ما يقوم به اختصاصي العلاج بشكل محدد وحياتهم خارج نطاق العلاج من خلال مساعدة الطفل على تنفيذ التقنيات التي يعلمها له اختصاصي العلاج. لذا، لتجنب التحول إلى بديل الآباء وجعل الطفل يعتبرها الشخص البالغ السلطوي، بذلت آنا قصارى جهدها للقيام بدور شخص بالغ يقدم الرعاية ويتميز بالتفهم. حتى يومنا هذا، يهدف الأطباء النفسيون لعلاج الأطفال إلى التعامل باعتبارهم أشخاصًا مماثلين للمعلمين.

ويتمثل هدف أي معالج نفسي في حصول المريض على الراحة أثناء وجوده وعدم وجود مشاكل تمنعه من التحدث بكل ما يخطر على باله. بالنسبة للأطفال، هذا الأمر ينطوي على تكرار الزيارات بشكل كبير وعمل جلسات حتى ولو بشكل يومي. كما نظرت “آنا” إلى طريقة لعب الطفل على أنها طريقته للتكيف مع الواقع ومواجهة المشاكل التي يواجهها في حياته الواقعية. ولهذا السبب، تهدف الجلسات العلاجية إلى تعليق قواعد الواقع والسماح للطفل باللعب والتحدث كما يشاء. وهذا اللعب يتيح لاختصاصيي العلاج أين تكمن الصدمات التي يعاني منها الطفل ومساعدة الطفل على التغلب على هذه الصدمات. ومع ذلك، أدركت “آنا” أيضًا أن لعب الأطفال لا يكشف بعض الوحي اللاشعوري. فالأطفال، على عكس الكبار، لم يتمكنوا من تطويع الأحداث بعد ولم يتعلموا كيفية تغطية مشاعرهم. وفي كثير من الأحيان، ما يقوله الطفل في العلاج هو ما يعنيه الطفل. وهذا اختلف بشكل كبير عن الممارسات الأصلية للعلاج النفسي التي كانت في كثير من الأحيان تعمل على فك شفرة معنى كلمات المرضى.

أصدرت “آنا فرويد” 8 مجلدات:

المجلد الأول: في مقدمة التحليل النفسي: محاضرات لمحللون الطفل والمعلمين (1922-1935).

المجلد الثاني: آليات الدفاع (1936).

المجلد الثالث: الرضع دون أسر.

المجلد الرابع: مؤشرات لتحليل الطفل وغيرها من العلاجات (1945-1956).

المجلد الخامس: البحث في عيادة طب الأطفال- علاج هامبستيد وعلاجات أخرى: (1956-1965).

المجلد السادس: الحياة الطبيعية وعلم الأمراض في الطفولة: تقييم التنمية (1965).

المجلد السابع: مشاكل التحليل النفسي للتدريب والتشخيص، وتقنيات العلاج (1966-1970).

المجلد الثامن: علم النفس في التحليل النفسي من التطور الطبيعي.

وفاتها..

ماتت ” آنا فرويد” في 9 أكتوبر 1982 في لندن.